حكايات قريتنا – الكتاب الثاني – الجزء الرابع

      د.عيسى بن ضيف الله حداد

بين الدراسة والثقافة والسياسة، عام 54 – 1955-:

ها وأنا قد أصبحت في الصف السابع، غدوت على شأن أمام ذاتي، وأهلي، وقريتي، وأترابي.. كنت على الدوام طالباً مجداً من بين الأوائل، بيد أنني قد عُرفت بالصمت والعزوف عن رفع الإصبع.. كنت مشحوناً بالخجل، لا أعلن عن جدارتي إلا في الامتحان.

سوى ذلك، تنفض شجاعتي عنها قيودها وتشحذ سيوفها حينما تدعونا السياسة للمنازلة.. على وقعها تنحل عقدة لساني، أتكلم بإقدام وحيوية، ضارباً عرض الحائط مشاعر الخجل، نافضاً عن ذاتي غبار التردد، متحدياً عدم الثقة بالذات.

لم أكن وحدي متفرداً في جيلي، بفحوى علاقتي بالفعل السياسي.. كنا نرى أننا بلغنا درجة من الوعي والتقدم المعرفي، ما يحق لنا ريادة عالم السياسة.

لم تعد السياسة لنا كما كانت من قبل مجرد هوى أو تقليداً للكبار، غدت في عرفنا لها مغزى ووجهة أخرى.. إنها ضرورة الالتزام بقضايا المجتمع والبلاد.

لم نعد نرى في ذواتنا صغاراً. ألم نصبح في المرحلة الإعدادية، ذات الحظوة العلمية والمجتمعية…!  ألا يوجد معلمون وموظفون منتشرون في كل بقاع البلاد وعلى مختلف المستويات ولا يحملون سوى الشهادة الإعدادية هذه، ونحن على قاب قوسين أو أدنى من حيازتها.

كنت في جيلي، من الصنف الذي لم يعد يكتفي بالمنهاج الدراسي، أدمنت وغيري على شن الغارات على صنوف الثقافة، ها هي مكتبة الحزب تزودنا بكل ما طاب ، من صحف، ودوريات، ودواوين شعر، وروايات.

توفر لنا من يرشدنا في اجتماعات الحزب، مدرسون مناضلون عكفوا على تربيتنا وتثقيفنا.. من بينهم رموز مازالت باقية في الذاكرة، وهم الأستاذ يوسف ناصر وعبد المنعم الشرع وحسن قصراوي، من فلسطين.

في لهونا كان بيننا سباق في مضمار الثقافة والكتب والاختبار، في معرفة البلدان، والعواصم، ورؤساء الدول، وسياساتها..

لمباريات الشعر لها فيما بيننا دورها، اعتدنا في جلسات سمرناـ أن نخوض فيها ساعات طوال.. علينا كل مرة الإتيان ببيت من الشعر، يبدأ بالحرف الأخير للبيت الذي قد قيل اللحظة ذاتها.

أظهرتُ في مباريات الشعر تفوقاً وبراعة.. امتلكت آنئذ حافظة قوية، بيد أني قد لجأت للغش مراراً، حينما لا أعثر على ضالتي، ألجأ لاستنباط بيت من الشعر من رأسي وأعيده إلى فلان أو فلان من شعراء العرب القدامى.. نادراً ما كان يكشف أمري..

كنا نواكب مجمل الأنباء ونعيشها لحظة، بلحظة.. لم يمرق عنا أي نبأ محلي كان أو عربي أم عالمي. لم تكن تصلنا الأنباء عبر الصحف والمذياع فحسب، إنما نتلقاها طازجة ومعللة في مكتب الحزب.

هيمن علينا متابعة شؤون بلادنا بدأب وعن كثب، لا تفوتنا أحداثها.. كواليس البرلمان ودهاليز الحكومة تصلنا باطراد.. الصحافة في مكتبة الحزب تزودنا بكل ما هب ودب.. والأهم، قد تمثل في الاجتماع الحزبي الأسبوعي، الذي كان من شأنه، أن يزودنا، بما غاب، فضلاً عما فيه من تثقيف وحوار وتبادل أخبار.

🛑

في معترك السياسة: أحداث هامة أدت إلى تصعيد وتيرة النضال السياسي في البلاد، دفعت بالحزب ليكون في المقدمة. 

واضحاً لنا كعين الشمس، أن المخطط الأنكلو أميركي أو بالأصح الأمريكي، يهدف لإقامة حلفين ” دفاعين ” في الشرق الأوسط، يضم الأول تركيا وإيران وباكستان، في حين يلتحق بالثاني لفيف الدول العربية التي لها ما يشبه كيان سياسي مستقل، كالعراق، ومصر، والسعودية، والأردن، ولبنان، وسورية.

أرادوا من العراق أن يكون همزة الوصل بين الحلفين.. وما الأحلاف سوى المدخل لفرض السيطرة بذريعة الوقوف بوجه الخطر السوفيتي الشيوعي.

نتساءل بالفطرة: مَن ذا الذي يهددنا غير الكيان الصهيوني! ومن مزق بلادنا أشلاء غير التواطؤ الاستعماري الغربي…! وما لنا وللسوفييت…!! – وماذا تعاني بلادنا والسواد الأعظم من شعبنا، غير التجزئة والتخلف والفقر والاستغلال، في ظل من السيطرة الكلية على مقاديرها ومصيرها من قبل القوى الدولية الكبرى، عن طريق الوكلاء المحليين…! – هكذا بدا لنا حين ذاك…؟ ومتى كان الشأن كل الشأن دونما ذا…؟

غمرنا السرور عندما تشكّل محور نضالي، بين حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني بقيادة كمال جنبلاط. في لقاء شتورة بين قادة الحزبين في شهر شباط 1955.

من أهم النقاط المشتركة بين الحزبين: مقاومة محاولات جر البلاد والمنطقة إلى الأحلاف الاستعمارية – ضرورة انتهاج سياسة الحياد الإيجابي – العمل على بناء جيش عربي مشترك متحرر من النفوذ الأجنبي.

عندما اتخذت مصر موقفاً واضحاً من الأحلاف، وانتهجت خط الحياد، بدأ نجم عبد الناصر بالصعود بين ظهرانينا. وحينما شرع إعلام صوت العرب المنبث من القاهرة بفضح سياسة الارتباط بالأحلاف، أخذنا بدورنا والشعب معنا نمد آذاننا للاستماع إلى صوت العرب.

على صعيد الداخل، كان الاتجاه الشعبي السائد المدعوم من قبل كتلة الضباط الوطنيين في الجيش بقيادة عدنان المالكي، قد أدى إلى دعم الكتلة التقدمية في البرلمان بقيادة الحزب.

عملت هذه الكتلة بما تملك من وسائل، لدفع البلاد لانتهاج سياسة تحررية رافضة للأحلاف، والعمل على تشكيل محور مع مصر الناصرية في مواجهة حلف نوري السعيد في العراق، وعدنان مندريس في تركيا. كان هذا النهج هو محور اهتمامنا ونضالنا السياسي اليومي.

كنا كطلبة وتلامذة نتابع تلك التطورات عن كثب. نخرج للشارع بمجرد توارد أنباء عن حضور مندوب أمريكي، أو وفد حكومي من قبل الأنظمة المنضوية تحت الجناح الأنكلو أمريكي.

نقوم بتوزيع منشورات الحزب في كل مكان وجهاراً هذه المرة، بعد أن كانت تحيطها السرية المطلقة فيما مضى.

كنا على وعي فطري وفكري معاً بما هو حولنا، أهدتنا سليقتنا فضلاً عن توجيهات حزبنا لإدراك هذه المكائد. بمجرد أن لوّح عدنان مندريس بزيارة دمشق، اندلعت المظاهرات الطلابية والشعبية في إرجاء البلاد. أدى الصدام مع رجال الأمن لسقوط عشرات الجرحى من الجانبين.

كان من نتائج الضغط الشعبي العارم بقيادة القوى الطليعية في البلاد، أن تم الإطاحة بحكومة فارس الخوري المتأرجحة في سياستها إزاء حلف بغداد.. كان عمادها الأساسي حزب الشعب. قدمت الوزارة استقالتها، في شباط 1955.

انبثق ائتلاف برلماني يضم الحزب الوطني والبعث ونواب الكتلة الديمقراطية (خالد العظم) ومع النواب المستقلين والعشائر..

أدى هذا الائتلاف إلى تشكيل وزارة برئاسة صبري العسلي (الحزب الوطني). ضمت هذه الوزارة الدكتور وهيب الغانم وزيراً للصحة ممثلاً للبعث..

في زيارة تفقدية لوهيب الغانم إلى درعا.. حضر إلى مقر الحزب. تحدث في كلمة ألقاها في الجمهور الحزبي المحتشد… تناول فيها عن الأوضاع البائسة التي تعاني منها الطبقات الشعبية.

أتذكر قوله، كيف شعر بالأسى، عندما رأى أطفالاً في مكان ما يلتقطون قشور البرتقال ليأكلوها.

🛑

(في نيسان 1955) – من باندونغ يأتينا النبأ: صدى مؤتمر باندونغ جاء قوياً بيننا. ها قد أضحى لسياسة الحياد تكتل دولي عملاق، يخترق القارات الثلاث.. هو ذا ما كانت تنتظره البلاد.

كان البعث من قبل (منذ 1950) قد دعا لانتهاج سياسة الحياد، لم تكن للدعوة تلك حين ذاك زخمها، بدت حينها كأنها صيحة في واد، لها صدى من دونما جدوى.

في باندونغ عثرت البلاد على ذاتها.. توفرت فيها شروط دولية مثالية، برزت فيه الصين كقوة دولية، وظهرت مصر، والهند، وأندونيسية، ويوغسلافيا كمحور له.

كانت البلاد من قبل في مهب الرياح، تتجاذبها الأنواء من كل الأنحاء، ها هي الآونة تدخل في مرحلة جديدة تطلق فيها من ذاتها طاقاتها الحبيسة.

بدأت اللوحة ترتسم في الأفق، تجري في طريق التكامل، بدءاً من تعاظم قوة الخط الوطني في البلاد وعموم المنطقة، إلى بوادر التقارب بين سورية ومصر- عبد الناصر، والحضور القوي للخط الاستقلالي، ونهج الحياد الإيجابي، وتنامي قوة المد الجماهيري..

في المقابل، ها هي ذي قوى الهيمنة الدولية تشحذ أسلحتها الخفية، راحت تتآمر محاولة جر العجلة إلى الوراء.

🛑

الحزب القومي السوري والاغتيال

سلسلة من الاغتيالات تلف البلاد، ومن أهمها اغتيال العقيد عدنان المالكي، الذي كان يعتبر بحق عميد الضباط الوطنيين المعادين لارتباط البلاد بمشاريع الأحلاف الاستعمارية. نُفذ الاغتيال من قبل مجموعة مرتبطة بالحزب القومي السوري. [كما علمت، ينأى عصام المحايري بنفسه عن جريمة الاغتيال، ويضعها على عاتق جورج عبد المسيح وزمرته،؟ ولا يستبعد ضلوع بعض القيادات القديمة بالارتباطات المشبوهة. -؟ من أجل معرفة المزيد عن قضية الاغتيال وما تلاها من محاكمة، يمكن الرجوع إلى مذكرات الحوراني، الجزء الثالث، ص 1796.  ؟؟]

جاء اغتيال العقيد عدنان المالكي وبالاً على القوى المضادة، إذ حركت الشارع والقوى الحية في البلاد، مما أدى إلى تصفية الحزب القومي السوري تصفية شعبية، قبلما تتم بقرار رسمي.

جرت محاكمة للمتورطين في المؤامرة.. ظهر من خلال المحاكمة وجود اتصالات سرية بين بعض الرموز من الحزب القومي السوري وحكومة بغداد، ومع الضابط السياسي في السفارة الأمريكية – وليم بروز.

تحوّل لبنان ليكون وكراً للمؤامرات على سورية.. لجأ الفارون من القوميين لينضموا إلى رفاقهم فيه.. وجدوا ضالتهم لدى كميل شمعون والسلطات اللبنانية.

جريدة صدى لبنان ومعها عدد من الصحف اللبنانية تنشر الأنباء الكاذبة عن سقوط سورية في حضن الشيوعية الدولية.

لمست بذاتي عن كثب نماذج صارخة لمثل تلك الدعايات المضادة لأوضاع البلاد أثناء رحلتي المقبلة بقصد العمل في لبنان، مما كان له أكبر الأثر في نفسي، وفي تشديد التزامي في قضيتنا – قضية الحزب والبلاد.

على إثر الاغتيال خرجت مظاهرات عارمة في الشارع في طول البلاد وعرضها، بتحريض من حزب البعث، كما تم رفع الحصانة عن النائب حنا الكسواني في البرلمان، المنتمي إلى الحزب القومي السوري.

في صحف البلاد انهالت قصائد الشعر وخواطر الشعراء ومقالات الأدباء، تمجد شهيد القضية الوطنية العقيد عدنان المالكي، من بينها قصيدة رائعة للشاعر شوقي

بغدادي.. من بينها:

أصحيح جف الهوى والحنا          وأمحى من عيونك العنفوان

أصحيح ولا ضحكة بعد ترجى       أو حديث مجلجل رنان

إلى أن يقول:

أرادوه مأتماً وأردنا      مهرجاناً للنصر لا يستهان

كنت في صباي ميالاً لقرض الشعر. في غمرة هذا الطوفان العاطفي السياسي، نظمت قصيدة على قدر ما أملك حينها من بلاغة، حاولت فيها بقدر ما تقليد قصيدة شوقي بغدادي.

عبرت هذه القصيدة عن العنفوان الحماسي الذي هب آنئذ عليّ وعلى أمثالي من أترابي.. كدأبي في إهمال كتاباتي في صباي، راحت قصيدتي بكل أسى مع كتابات غيرها إلى غياهب النسيان..

بلغ من انفعالنا وتفاعلنا مع قضية اغتيال العقيد عدنان المالكي، أن انتقل هذا الحماس إلى أهلنا، عمد أبي لتسمية أخر العنقود من أخوتي، حينما أنجبته أمي باسم عدنان. على غرار أبي فعل كثيرون..

انطفأت جذوة الحزب القومي السوري في قريتنا واختفى بشكل كلي. تطوّع البعض منهم لرفع لواء الحزب الشيوعي في القرية.. لم يعمد قط أحد من فريقنا البعثي لإلحاق الأذى بأي منهم.

انضمت الغالبية منهم في قريتنا إلى حزب البعث لاسيما بعد أعوام السبعينات، أي مرحلة الأسد.

🛑

تطورات في البلاد:

كان الضغط الشعبي من القوة بمكان، أن أدى إلى تصدع كتل الأحزاب التقليدية في البرلمان، مما أتاح المجال واسعاً أمام البعث والمتحالفين معه لتوجيه سياسة البلاد.

تحوّل البرلمان إلى ساحة لمعركة سياسية متأججة، كان يسرنا تلقف أخبارها والتفاعل مع صداها.. ومن أبرز الوجوه البرلمانية الفعّالة في هذا المضمار، الأستاذ أكرم الحوراني وخالد العظم.

إزاء اندحار القوى التقليدية لجأت لاستعمال فزاعة الدين، ما زال يجول في ذاكرتي ذلك الصخب المتأجج الذي أثارته قصيدة نزار قباني ” خبز وحشيش وقمر “.

في البرلمان انبرى الشيخ مصطفى الزرقا، من حزب الشعب، لإلقاء القصيدة محاولاً إسباغ الكفر والزندقة عليها.

هب الإخوان المسلمون في كل مكان لرجم القصيدة بكل ما امتلكوا من قوة تأثير وبلاغة. ثارت ثائرة إمام الجامع في الحي التقليدي من درعا، واسماً القصيدة، والشاعر بالكفر، والإلحاد.

رفع جمهرة الطلبة المنتمية للجماعة لواء حملتهم الشعواء على الشاعر وقصيدته. كنا في مدرستنا قد دافعنا عن الشاعر والقصيدة.

لم يكن موقفنا من القصيدة وشاعرها مجرد مشاكسة للإخوان المسلمين، إنما انبثق بفعل الفطرة والوعي المكتسب من تثقيف الحزب.. رأينا في القصيدة تصدياً شجاعاً للفكر الرجعي والسلفي الغيبي.

🛑

مناحي وتطورات

في تلك الفترة تركزت انشغالات الحزب واهتماماتنا معه، بدعم الثورة الجزائرية وبالمسألة الفلسطينية والدعوة لمنع إسرائيل من تحويل نهر الأردن بكل الأساليب الممكنة، بما فيها القوة العسكرية.

عمل الحزب على قيام تحالف عسكري مع مصر، ومزيد من التقارب مع نظام عبد الناصر. ناهيكم عن التصدي للنشاط المحموم الذي كان يقوم به أنصار حلف بغداد..

خاض الحزب معركة تعديل اتفاقية خط التابلين وشركة نفط العراق للنفط، بحيث تحقق مصالح البلاد، وكانت تلك الاتفاقيات قد وقعت في مرحلة الانتداب الفرنسي. في حمى تلك المعارك المحتدمة بين البعث وحلفائه من جهة، مع الطبقة السياسية التقليدية من جهة ثانية، تم الانفتاح على المعسكر الاشتراكي..

نجم عنها، صفقة الأسلحة التشيكية وتلاها وشائج الصلات الأخرى.. كان البعث وبدعم من الشيوعيين، الرواد الأوائل في طرق هذا الباب المغلق من قبل الغرب على العرب.

شكلت كل واحدة من تلك القضايا في تلك الظروف المعقدة، معركة بحد ذاتها..

اصطدمت توجهات الطبقة السياسية التقليدية الممثلة بحزب الشعب والوطني بالواقع الشعبي.. أخذت هذه الطبقة تعاني من الانقسام تحت ضغط الرأي العام.

في ذلك العام تم انتخاب شكري القوتلي رئيساً للبلاد، وكان الحزب قد أيد حليفه خالد العظم للرئاسة.

في ظل من ذلك تشكلت وزارة سعيد الغزي، وقد ضمت ممثلي الطبقة السياسية التقليدية المتمثلة بحزب الشعب والحزب الوطني. خرج البعث وحلفاؤه من التشكيل الوزاري رافضاً الموافقة على النهج السياسي للحكومة.

كنا نحن التلامذة نترصد الأنباء، خطوة إثر خطوة. نعيش انعكاساتها كأننا في لجتها. نساهم بقدر الاستطاعة للترويج لسياسة الحزب ودعمه عبر مختلف أشكال الدعاية، من توزيع البيانات وتنظيم المهرجانات..

كان للقطاع الطلابي أكبر الأثر في عملية الفعل في تنمية وعي الجماهير وصنع الرأي العام الضاغط على أصحاب القرار.

🛑

صيف عام 1955 – في لبنان

صيف هذا العام كسابقه.. السماء فيه أغلقت أبوابها.. واحتبست ماءها، الأرض تئن من عطشها، ليس أمامنا سوى البحث عن مصدر لنا، لقوت يومنا ونفقات مدرستنا.

حزم أبي أمره في مشروع الذهاب للعمل صيفاً في لبنان.. حملنا أمتعتنا وسار موكبنا أبي وأمي وأخي الأكبر وأنا.. مكث الصغار من دوننا في كنف جدتي.

من القرية إلى دمشق، ومن دمشق إلى بيروت. في بيروت قضينا الليلة لدى قريب لنا، شاء له زمنه أن يرحل وذويه إليها.. كانت ليلة ليلاء، عانينا فيها من ويلات البق والدبق البحري في حي الكرنتينا البيروتي.

على القرب من نهر الكلب في الكرنتينا، يتكتل أبناء جلدتنا من حوران، في أكواخ الصفيح الغارقة في الروائح النتنة، المنبعثة من المجاري المنتشرة في كل حدب وصوب، من أرجاء الكرنتينا وما حولها.

تساءلت في سري، أين هذا من نجوع حوران الحجرية البازلتية.! أين هذا من فضاء الطبيعة البكر الرائعة هناك…! آه…!

أشار علينا قريبنا للذهاب إلى الجبل هناك العمل أسهل.  إلى ظهور الشوير، شدوا الرحال.. سبقكم إليها قريبنا، فلان ابن فلان.. ثمة مخيم يقطن فيه أمثالنا..

صعدنا وخيمتنا معنا، عبرنا أنطلياس، بكفيا، حط رحالنا في ظهور الشوير، وصلنا المخيم.. نصبنا خيمتنا بين أشجار الصنوبر وتنفسنا الصعداء.

حملت هذه المدينة تسمية ظهور الشوير، لكونها بكل بساطة قائمة -على مرتفع يطل على بلدة الشوير.

تتمادى المدينة في بنيانها على مرتفعات جبلية ضيقة المساحة ممتدة في اتجاهات عدة. – في امتداد الغرب نحو مدينة بكفيا وبيروت. – في امتداد الشرق نحو بسكنتا وجبل صنين. ينتهي امتداد الشمال عند نهاية المرتفع المطل من بُعد على جبال كسروان.

يلتحق بهذه الامتدادات، امتداد محدود البعد نحو الجنوب، حيث يقع مخيمنا.. من هناك نطل من بعد على سلسلة مدن الاصطياف الممتدة من صوفر إلى بحمدون وعالية.

تقع بلدة الشوير على منخفض يتسع ليكوّن أرضاً منبسطة تحيطها مرتفعات جبلية تحدها كسوار. أنشأت بلدة الشوير ذاتها على مقدمة هذا المنخفض، في حين تتناثر عدة قرى باتجاه الشرق والشمال على مدى هذا المنبسط..

ينتمي معظم أبناء بلدة الشوير إلى طائفة الروم الأرثدوكس، مع وجود أقل للموارنة والكاثوليك.. يمكن اعتبار هذه البلدة في تلك اللحظة من الزمن كعرين للقوميين السوريين.

يقع مخيمنا على الطرف الجنوبي للمدينة، على منخفض قائم بين قمتين مرتفعتين، تحدانه من الشرق والغرب، في أسفله ونحو الجنوب يقع وادٍ سحيق. تنتشر في أرجاء المكان أشجار الصنوبر الباسقة.

في الأمام وعلى المنحدر الآتي من القمتين، يقع طريق ترابي يلتوي بزاوية متعرجة منفرجة نحو الجنوب والشرق.

في موقع تقاطع هذا الالتواء بين شقيه الجنوبي والشرقي، وعلى المنخفض القابع تحته، ينبثق نبع ماء يشكل جدولا صغيراً منحدرا نحو الوادي السحيق.

على القمة الغربية من المخيم ينتصب بشموخ المخيم الكشفي للشباب الكتائبي.

كأن التباين في تضاريس الجغرافية، قد عكس ذاته على الديموغرفيا.. مجرد التأمل بين المنحدر والأعلى يثير الأسى.

في الأعلى يتمادى معسكر كشفي حسن التنظيم، خيام متينة رائعة القوام، تجثم على أعمدة منتظمة وحياة مدنية عصرية، وطرق منتظمة بين أرجاء المخيم.. – كهرباء وصنابير ماء ومراحيض.. وجبات غذاء وخدمات من كل الأنواع، رياضة وأناشيد، رقص وأهازيج، صبايا وفتيان.

في المنحدر هنا.. ماذا هنا…! – خيم بالية تعلوها الثقوب، قائمة على أغصان، لا نظام لها، لا كهرباء ولا ماء يصلها، يقطنها بؤساء من أبناء جلدتنا من حوران، وأبناء الجنوب في لبنان.

يشكل هذا المشهد التجسيد الحي لوضع طبقي.. ولحال لبنان العصري.

لم يكن إحساسي ينطلق من ضغينة مستندة على هواجس فردية. كنت قانعاً باندماجي الاجتماعي..  فأنا في أبي وأمي، وأبي وأمي فيّ، وأنا في قريتي وقريتي فيّ. أنا في انتمائي السياسي وانتمائي السياسي فيّ.. أنا في هؤلاء البؤساء وهؤلاء فيّ.. لم يبدر بذهني قط أن اصبوا لتغيير جلدي وجلدتي.. لم أحلم قط بأن أكون غير الأنا.. أنا في الأنا..

أجلس العصارى لأتذكر القرية، بيادرها، سهوبها، حقولها، قمرها، فجرها، ديكها، بركتها، صبيانها وصباياها. أزجي الساعات وأقطعها في هذا التأمل

المتخيّل… يخلصني هذا التأمل من لحظتي البائسة، ويحلق فيّ هناك في الآفاق البعيدة.. في قريتي..

أتجوّل في الأرجاء، أرمي بناظري إلى الجنوب، مخترقاً على عجل، الجبل الممتد من ظهر البيدر إلى بيروت..

على هذا المدى، تترامى مدن الاصطياف اللبنانية متراصة، كقلادة من النجوم في سماء الليالي الصافية: صوفر في المقدمة، يليها انحداراً نحو بيروت، بحمدون وعاليه..

على تخوم بحمدون، تشع أنوار القصر الكبير لأمير الكويت، وأنوار قصور أمراء من مختلف الأرجاء.. أخاطب ذاتي، لا يعنيني هذا الذي أرى، فهناك في البعيد عبر الأفق، تربض قريتي.. ذاكرتي. يأتي في خلدي شعر ميسون التغلبية، حينما أنشدت إلى الخليفة معاوية.

لبيت تخفق الأرواح فيه      أحب إليَّ من قصر منيف

ولبس عباءة وتقر عيني     أحب إليَّ من لبس الشفوف

لم تكن تخلبني تلك المشاهد الرائعة بسمفونياتها الخلابة.. ولا نظامها المعماري البديع البادي في القصور الأنيقة، وقد اختارت أماكنها بين أشجار الصنوبر الباسقة – ولا جداول الماء التي شقت على طريقها بين المنحدرات.. ولا مشهد الغابات وهي تكلل رؤوس المرتفعات وضفاف الوديان الممتدة بين السلاسل الجبلية.. ولا كهرباء الليل ومرحه الطافح بالفرح.. – ولا الليالي المقمرة وهي تمد رؤوس الجبال وسفوحها المنحدرة نحو الوديان العميقة.. هذا الكون البديع لا يعنيني.. لا يضاهي لي روعة قريتي المتواضعة، ببساطة عيشها.. بدورها وبيادرها وحواكيرها وسهولها وأكماتها الصخرية..

هل كان الصبي الذي هو أنا.. قد أضفى ما يعتري كيانه النفسي من كآبة على واقعه، فاختلت الموازين في رؤاه.. غدت القرية الجرداء ملكة البهاء.. وهذه الجبال الخضراء محض صحراء… !!- أدركُ أن هذا الصبي الشقي الذي هو أنا.. قد احتلت أحاسيسه قضية الحرية..  ظهر له معها الحاضر مُقيدا ومُستعبداً هنا.. وحراً ومطلق السراح هناك..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى