المهاجرون في أوروبا بين قوة الشعبوية وضعف الليبرالية

  عبد الباسط سيدا

النظام الديمقراطي على المستوى العالمي في تراجع، ومزيد من الدول تتجه تباعاً نحو النظام الأوتوقراطي الشمولي. فوفق إحصائيات اعتمدها معهد أنواع الديمقراطية (V- Dem) السويدي في تقريره الحديث عن الوضع الديمقراطي في العالم لعام 2025، يشبه وضع العالم اليوم على صعيد اعتماد الأنظمة والتوجهات الديمقراطية الوضع الذي كان عليه في نهايات سبعينيات القرن الماضي، أي قبل التزام دولٍ عديدة في أوروبا وأفريقيا وأميركا اللاتينية النظام الديمقراطي في الحكم. وحاليا يعيش نحو 74% من سكان العالم في ظل أنظمة شمولية سلطوية استبدادية.
ما يفسّر هذا التراجع يتشخّص في جملة عوامل، في مقدمتها تنامي تأثير الحركات الشعبوية القوموية؛ وتصاعد النزعات العنصرية، بالإضافة إلى دغدغة المشاعر الدينية، ودخول أصحاب مليارات إلى عالم السياسية ومساعيهم من أجل استخدام النفوذ السياسي لمضاعفة ثرواتهم وإشباع عقدهم بمختلف الطرق. بالإضافة إلى التقاء مصالح هؤلاء مع نزعات قسم من أصحاب الشركات الكبرى التي تهيمن على عالم التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي على وجه التخصيص، ونزعاتهم ومصالحهم؛ هؤلاء الذين باتوا في مواقع تمكّنهم من تشكيل الرأي العام، وتوجيهه نحو المسارات التي تتناغم مع ما يتطلعون إليه. وفي هذا السياق، لا بدّ من الإشارة إلى الدعم المعنوي الكبير الذي حصلت عليه الحركات اليمينية المتشدّدة في أوروبا، من سياسات كل من الرئيسين الأميركي ترامب والروسي بوتين وممارساتهما وتوجهاتهما.

طالب حزب ديمقراطيي السويد اليميني المتطرّف بضرورة اندماج المهاجرين مع المجتمع السويدي عبر الالتزام بالمعايير والقيم السويدية

وهناك قرائن ومؤشّرات عديدة تؤكد تعاطف هذه الحركات مع سياسات المذكورين وممارساتهم. وعلى الرغم من ذلك كله، النظام الديمقراطي في السويد، وفق التقرير المشار إليه، في المركز الثاني بعد الدنمارك عالمياً؛ وما زالت المبادئ الليبرالية الخلفية القيمية الحضارية التي تستلهم منها غالبية الأحزاب السويدية أفكارها وتوجهاتها، وهي الأفكار والتوجهات التي تساهم في تحديد معالم سياساتها وخطّتها وخطواتها العملية على أرض الواقع.
وقد تمحورت المناظرات والمناقشات والحوارات التي كانت بين الأحزاب السياسية المتنافسة في الدورة الانتخابية لهذا العام (أجريت أول من أمس الأحد وشملت الانتخابات البرلمانية ومجالس المحافظات والبلديات)، وبين هذه الأحزاب والناخبين حول جملة مواضيع، تحظى باهتمام قطاعات واسعة من المواطنين، في مقدمتها: الضرائب، والمدرسة، والرعاية الصحية، والبطالة بين الشباب، والهجرة، والاندماج، والبيئة، والجريمة وغيرها. وكلها، كما هو مُلاحظ، مواضيع داخلية. أما القضايا الخاصة بالاستراتيجيات الدفاعية، والسياسات والعلاقات الخارجية، فهي عادة لا تأخذ الحيّز الكبير ضمن مثل هذه المناظرات أو في حملات الدعاية الخاصة بهذه الانتخابات، وإنما تُترك مسألة البتّ فيها، نظراً إلى حساسيتها، للسلطة التنفيذية، واللجان المختصة ضمن البرلمان التي تأخذ بعين الاعتبار وجهات نظر الجهات المعنية بمواضيع كهذه.
ومن المعهود والمعروف في السويد أن وسائل الإعلام بكل أشكالها (خصوصاً التلفزيون والإذاعة الرسميين المستقلين مالياً، غير التابعين للحكومة والأحزاب) يكون لها الدور الأبرز في العملية الانتخابية برمتها، من جهة إتاحة المجال أمام السياسيين لعرض برامجهم الإنتخابية، ومناقشة برامج الأحزاب الأخرى، والكشف عن الثغرات والأخطاء وحتى الفضائح الخاصة بالأحزاب والسياسيين. ويؤثر هذا كله، بدرجات متفاوتة، في توجهات الناس والرأي العام، ومن ثم في نتائج الانتخابات.
وغالباً ما تدفع المناقشات بين قادة الأحزاب السياسية المتنافسة حول مختلف القضايا الساخنة التي تشغل الناس في مناظرات اللحظات الأخيرة، بالمتردّدين نحو اتخاذ قرارهم بخصوص التصويت لصالح هذا الحزب أو ذاك. وبهذه المناسبة لا بد من تقدير جهود الصحافيين السويديين البارعين في إدارة المناقشات وتوجيه الأسئلة المطلوبة، وإتاحة ألمجال أمام رؤساء جميع الأحزاب، بغض النظر عن الأحجام العددية أو التأييد الشعبي، للتعبير عن آرائهم، وتوجيه الانتقادات، على قدم المساواة.
ومن الأمور التي لوحظت في هذه الدورة، مطالبة حزب ديمقراطيي السويد اليميني المتطرّف بضرورة اندماج المهاجرين مع المجتمع السويدي عبر الالتزام بالمعايير والقيم السويدية. وكان لافتاً في هذا المجال تركيزه على المهاجرين المسلمين بصورة عامة بغضّ النظرعن مواقفهم السياسية ودرجة التزامهم الديني، فقد كان هذا الحزب سابقاً يتخذ من موضوع تزايد أعداد اللاجئين ركناً أساسياً في سياساته اليمينية العنصرية، أداة لكسب التأييد بين أصحاب الدخل المحدود من السويديين. وبعد التراجع الحاد في أعداد القادمين الجدد، يعمل هذا الحزب، بالتعاون مع التيارات المتشددة ضمن الأحزاب التي قد يتحالف معها، من أجل وضع العراقيل أمام المهاجرين الذين حصلوا على الإقامات للحيلولة بينهم وبين الحصول على الجنسية، وفرض شروط قاسية على الراغبين بتقديم طلب الحصول عليها؛ مثل التشدّد في اختبارات اللغة والثقافة المجتمعية وموضوع الدخل. كما يطالب هذا الحزب بعدم منح الإقامات الدائمة التي تُعدّ شرطاً أساسياً من شروط الحصول على الجنسية، بل يدعو إلى سحبها ممن قد حصلوا عليها، وإعطائهم إقاماتٍ مؤقتة بدلاً عنها. ولم يكتف الحزب المذكور بهذا، بل وصل الأمر بزعيمه جيمي أوكسون إلى حد اتهام ماغدلينا أندرسون زعيمة الحزب الاشتراكي/ الاجتماعي الديمقراطي (أكثر الأحزاب السويدية شعبية) بأنها إذا فازت فسيكون ذلك بفضل أصوات المسلمين؛ حتى أنه سألها مباشرة في واحدةٍ من المناظرات الانتخابية: ما هي الوعود التي أعطيتموها للمسلمين حتى حصلتم على تأييدهم؟
استخدم هذا الحزب عبارات عنصرية واضحة في دعايته، منها شعاره الأساس: نعمل من أجل أن تصبح السويد السويد مجدّداً، في إشارة إلى ضرورة ترحيل المهاجرين أو صهرهم ثقافياً على الأقل. ومن دون أي تمييز بين من اندمج في المجتمع السويدي عبر إتقان اللغة، والدراسة، والحصول على العمل، والفاعلية في النشاطات المجتمعية والعمل السياسي، ومن لم يفعل هذا. ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن غالبية الأحزاب الأوروبية اليمينية المتشدّدة تتشارك في هذا التوجه، الذي سيؤثر سلباً على مساعي أوروبا لتبوّء مركز ريادي على المستوى العالمي.
ومن أمور أخرى طغت على هذه الدورة الانتخابية في السويد تعرّض سياسيين كثيرين للضغوط وحتى التهديدات وحملات الكراهية على منصات التواصل الاجتماعي؛ إلى درجة أن بعضهم اضطر للانسحاب من الحياة السياسية العامة، أو عدم الإجابة عن الأسئلة المحرجة بالنسبة إليهم أو المثيرة للجدل، أو التخفيف من النشاط على منصات التواصل وحتى الابتعاد عنها. ولم يقتصر هذا على السياسيين، بل شمل صحافيين يتهمهم الشعبويون من أعضاء (وأنصار) حزب ديمقراطيي السويد وحلفائهم بأنهم من أصحاب الميول اليسارية، وتعرض صحافيين كثيرين للمضايقات وتشويه السمعة.

حزبٌ يستخدم عبارات عنصرية واضحة في دعايته، منها شعاره الأساس: نعمل من أجل أن تصبح السويد السويد مجدّداً

ولافتٌ، في هذا السياق، أن هذا الحزب وحلفاءه ينسبون في مختلف المناسبات فشلهم في ميادين التعليم والصحة والخدمات وحماية البيئة إلى تزايد أعداد المهاجرين في السويد، خصوصاً بعد 2015. على الرغم من وجود أبحاث ذات مصداقية تؤكد ضرورة الدور الحيوي الذي يؤدّيه السويديون من ذوي الأصول المهاجرة للمحافظة على دوامية العمل في قطاعات إنتاجية وخدمية كثيرة؛ وهي قطاعات لا يمكن أن يستغني عنها المجتمع السويدي الهرم الذي يعاني حالياً من تراجع لافت في نسبة الولادات، نتيجة عزوف أعداد متزايدة من الجيل الجديد عن الزواج والإنجاب.
وجدير بالذكر هنا أن سياسيين سابقين وأكاديميين سويديين كثيرين يرون أن حملات التحامل هذه على المهاجرين والسياسيين والصحافيين في السويد من أنصار التوجهات العنصرية تشكل تهديداً جدياً للنظام الديمقراطي السويدي، رغم قوته ونضوجه.
ومع هذا يلاحظ وجود إصرار من الصحافيين السويديين على أداء دورهم المطلوب لناحية تزويد المواطنين بالمعلومات الصحيحة؛ والكشف عن أخطاء السياسيين الانتهازيين الذين يستغلون مواقعهم لتحقيق مكاسب ومصالح شخصية لأقربائهم ومعارفهم وحتى أنفسهم بمختلف الأشكال. هذا مع إدراك الصحافيين صعوبة المهمة الملقاة على عاتقهم، خصوصاً في أجواء تنامي نفوذ اليمينيين المتشدّدين الشعبويين، هؤلاء الذين يعزفون على أوتار المشاعر الدينية المتزمتة، والتوجهات العنصرية العرقية، وبالتناغم مع توجهات القوى الدولية الكبرى (الولايات المتحدة، روسيا، الصين) لتعزيز مكانة الأنظمة الشمولية وممارسة الضغوط بمختلف الأشكال لإضعاف الأنظمة الديمقراطية.
وفي الختام، يبقى السؤال الأهم بالنسبة إلينا: ما مدى (وطبيعة) انعكاسات هذا التراجع الديمقراطي على الأوضاع في منطقتنا التي تعاني مجتمعاتها ودولها من هشاشة غير مسبوقة لألف سبب وسبب؟

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى