حكايات قريتنا – الكتاب الثاني – الجزء الخامس

د.عيسى بن ضيف الله حداد

حول السياسة 1955-1956

هيا إلى العمل: قالها أبي لي ولأخي. قادتنا أرجلنا إلى الساحة الكبيرة، لنرى ما يمكن فعله.

كانت الساحة موقعاً تتقاطع فيه الطرق الذاهبة إلى شتى الأمكنة. يتصدر الساحة من الشرق الكاتدرائية الرئيسة، من خلفها يتعالى جبل صنين المتوج بالثلج، بدا كهامة تعلوها قبعة بيضاء.. من وراء الجبل بدت الشمس ترفع رأسها بكبرياء..

مقابل الكاتدرائية وفي زاوية يحدها شارعان قادمان من جهة الشمال الغربي والجنوب الغربي، تقيم فيلا رائعة تسورها حديقة كبيرة، تتوسطها أشجار متعددة الأطوال، تنتظم وفق خطوط هندسية، يحيط بها حلقة كثيفة من الزهور المتعددة لألوان..

يدور حول هذه الفيلا جدار سميك. أتاح لنا هذا الجدار، أن نتخذه مقعداً للانتظار.

دبت الحياة في المدينة، راحت تجوب الشوارع بكل اتجاه.. فتحت المخازن أبوابها الفارهة.. تستقبل الكنيسة المصلين وزوارها.

جئنا نعرض سواعدنا لمن يعوزها.. ثمة تقليد تعارف عليه الجميع، أضحى فيه هذا الموقع مركز تجمع لما يسمّى بنظام عمل ” الفاعل ” أي العمل المياوم.. يلتقي فيه من رغب بمن طلب.. عندما يبزغ طيف ” الخواجا ” قادماً من بعيد، تتسابق إليه جمهرة العمال، ليختار من يشاء، وكيفما يشاء..

قال لنا رجل جاورنا أثناء جلستنا على الجدار: للصبية هنا مجال عمل واسع في المخازن، الناس هنا لا يكلفون أنفسهم مشقة المجيء، لديهم هواتفهم.. صبي المخزن بحمل حاجاتهم إليهم.. ويجزلون له العطاء..

نهضتُ برفقة أخي للبحث عن عمل في مخزن، أصاب أخي، فشلت أنا..

يشترط العمل في المخزن إتقان استعمال الدراجة، وما كنت متقناً لها، بينما أخي قد خبرها.. باشر أخي عمله بأجرة شهرية مقدارها 45 ليرة لبنانية. قفلت راجعاً إلى الخيمة، ترافقني الخيبة.

في المساء قال لي أبي، غداً سترافقني يمكنك مد يد المساعدة لي في عملي، على مدى أيام.

في صبيحة الغد، حملنا زادنا، بعدما دأبت أمي على تحضيره لأبي ولنا، ورحنا.

لم يكن موقع العمل يبتعد أكثر من بضع عشرات الأمتار. على تخوم قمة المعسكر الكشفي الصيفي الكتائبي، تقيم فيلا كبيرة، محاطة بحديقة تتربع على مدارج عدة..

في المناطق الجبلية، درج الناس على تنظيم الأرض المنحدرة على مدارج أو مصاطب ممهدة، لتصبح مهيأة لزراعة أشجار الفاكهة وغيرها..

تتألف الفيلا من طابقين، الأعلى هو الأساسي، يلتحق به الطابق السفلي الأصغر أتساعاً. أقيم الطابق الأسفل على منخفض كامتداد لبقعة الأرض المرتفعة التي يقوم عليها الطابق الأعلى.

تحددت مهمة أبي، في رصف أرضية حجرة، يراد لها أن تتحوّل إلى مطبخ.. تحت رقابة ” الخواجا ” طفقت على مد يد المساعدة لأبي. أناوله ما يلزم من مواد وأدوات. لم يكن عملي مأجوراً، مما أسرّ الخواجا. دام عملنا أياماً عدة.

في اليوم الأخير، عندما قاربت الشمس على الغياب، وبدأنا نتأهب للإياب. قال الخواجا لأبي. إن كنت ترغب، لدي عمل للصبي. تلقف أبي الخبر على أحر من الجمر. تم الاتفاق على أجرة شهرية مقدارها 30 ليرة لبنانية.

عدنا نحمل في سرائرنا البشرى لأمي، إذا بها واجمة. تساءل أبي: ما الخبر، أجابت: هرب أخي، لم يطق صبراً، عاد أدراجه إلى القرية. ران الصمت، لم ينبس أبي ببنت شفة.

في الصباح الباكر التحقت بعملي، استقبلتني الست- ربة البيت، شرحت لي مهامي.. علي الكنس والمسح وغسل الأواني وخدمة المائدة، أي القيام بمهام خادم المنزل.

أحنيت رأسي بالإيجاب. عزمت على الصبر مهما صعب الأمر، واعداً نفسي عدم تكرار مهزلة أخي.. – ألا يكفي ما حلّ بأبي وأمي في هذا الزمن، من عنت…!

كانت العائلة مكونة من السيد والسيدة وفتى في المنزل، تأتيهم بين الفينة والأخرى ابنتهم الصغرى مع زوجها وطفلتها.

يحتل الطابق الأسفل ابنتهم الكبرى وزوجها وطفلهم.

على حين غرة ظهرت الخادمة الدائمة للمنزل. بدت لي “رحمة ” على كهولة أو قاب قوسين أو أدنى، تحمل طفلة رضيعة بين ذراعيها..عبوساً لا تتقن فن الابتسام.

شرعت على الفور بتدريبي. يحلو لها إصدار أوامرها كما اتفق.. تحملتُ على مضض.. متسلحاً بالصبر والصمت والهروب في خيالاتي نحو قريتي.

دورها هي الطهي ورعاية الطفلة، تاركةً ما تبقى من عمل لي وحدي.. ربما سرها أن تجد أحداً يأتمر بأمرها.. كنت أعمل بتواصل من الصباح حتى الظهيرة. أبدأ صباحي بعمليات الكنس والمسح.. الغرف كثيرة والبهو واسع والأثاث وفير، ولكل من هذا شأن وشأن وتدبير.. في الظهيرة أضع المائدة. أتناول طعامي على عجل في المطبخ.. ثم تبدأ حملة غسل الأواني والأطباق.

حالما يخلد الجميع إلى القيلولة بعيد الظهيرة، أجد لنفسي قسطاً من السكينة..

أتخذُ مجلسي تحت شجرة الصنوبر الوارفة الظلال المجاورة للباب الخلفي، مطلقاً العنان لخيالي ليجول في حِمى وهوى قريتي.

لكم من مرة، كنت أختلس الفرصة لأروح إلى الخيمة، لرؤية أمي.

للعائلة القاطنة في الطابق السفلي خادمة ترعى شؤونهم.  بدت لي “سعاد ” في السادسة عشر، متأنقة، جميلة المظهر، ضحوكة، ظريفة، لم تسبب لي قط أي أذىً.. تنتمي هي وقرينتها ” رحمة ” إلى ريف الشمال من لبنان.

في غفلة عن الأعين جاءتني ” سعاد “، قالت لي: قل لي كيف تصلي.. – السؤال مفاجئة لي، تلعثمت هنيهة، أجبت. لا أصلي.. – أردفت، كيف يصلي أباك وأمك. قلت مستدركاً ما تضمرـ هكذا.. راسماً علامة الصليب على صدري.

قالت: ظننتك أنك درزياً، إني أحبك إذن.. ضللتني لهجتك..

لم تأنف أذني مثل هذا القول في قريتي..  طائفية فجة.. وبكل بساطة، دونما تورع…! والحب هكذا دونما مواربة!

تسمرت مكاني.. احمر وجهي.. دق قلبي..  بللني العرق من رأسي إلى أخمص قدمي.. هارباً إلى صمتي، يا للهول..  مالي ولهذا ولحديث الحب..

في تلك اللحظة الحرجة غارت عني غرائزي.. ألم أقل.. نحن في الريف نعرف كيف نقمع أنفسنا.. أجل، ولكم نتقن لعبة الكبت والهروب والخجل.

صمتت الفتاة، مدركة ما حل بي من خجل ووجل، أكبرتُ فيها صمتها ورقة مشاعرها، اكتفيت في سري بالثناء عليها وجمالها ورغبتها فيّ، دون جهر مني.. وأنا أنا الخبير في فن دفن الأسرار وقهر المشاعر..  تركتني الفتاة وشأني..

بطريقة مبتكرة هذه المرّة، عملت سعاد على إغرائي.. استثمرت غفلة عن الأعين، وكنت أنا.. اعتلت مرجوحة كانت قد نصبت في حديقة الفيلا.. أخذت تنوس بها وتطيح بنفسها إلى أعلى الأعلى.. متعمدة طيران تنورتها إلى الأقصى، لتظهر لي ما أختفي.. غض طرفي، رحت غارقاً في خجلي.. تركتني وشأني. انتابني شعور قاهر بالندم.. لكن لم أقدم.

أدركت الخادمتان العاملتان في الفيلا المجاورة، مبلغ سذاجتي وتمنعي.. عمدتا للسخرية بي. كانتا حينما تنفردان فيّ.. تبادران إلى مداعبتي بكلمات الغزل والحب، وهما تتضاحكان..

ضقت ذرعاً بهما.. وشتمتهما..  تصاعد في شعور غامر بعنفوان قروي.. قلت في ذاتي: كن أنت.. كفى.. – رمتُ السكينة..

ذات ليلة… بعدما أنهيت غسل أطباق العشاء وترتيبها في خزائنها.. هيأت ذاتي للعودة إلى خيمتنا.

سعاد أمام الباب.. أمسكت يدي: تعال معي.. – خفق قلبي.. أرخيت لها العنان..

سرت برفقتها، منحدراً نحو حجرتها الصغيرة الواقعة في الزاوية الشمالية الشرقية للطابق الأدنى من المبنى.. ولها باب يطل على الفناء.. دلفنا حجرتها بصمت مطبق.. تجوٍّل نظري في أرجائها.. سرير مريح.. كنبة صغيرة…. خزانة ثياب.. ومنضدة.. عليها سلة قش صغيرة مليئة بالفاكهة.. زجاجة خمر.. على الكنبة اتخذت مقعدي.. على طرف السرير هي – بادرتني: أدرك خفاياك.. الخجل يخفي الرغبة بجموحها.. اعلم ذلك من خبرتي مع نفسي.. خبرتها من قبل.. بصعوبة تجاوزتها.. أطلق نفسك من عقالها.. ها أنا قد أحببتك.. صبي ظريف.. مؤدب.. سلاحك الصمت والتأمل.. سأكون عوناً لك.. يربطنا ذات الحال والمآل..

كلماتها هدأت روعي.. من سلبيتي حررتني.. نظرت إليها بشوق.. وجهها الوردي.. عيناها بلون البحر.. شفتاها الخمريتان..  قدها المتناسق..  صدرها المتعالي بكبرياء.

بيد مرتجفة ضغطت على كفها.. قلبي يخفق بعنف.. العرق ينفذ من مسام جسدي.. بمنديلها وببسمة فاتنة منها مسحت قطرات العرق المتسللة في جبهتي وعنقي..

هل تشرب خمراً...؟  تسألني سعاد.. – أرتبك.. هل أقول لها.. لم أتذوقه قط.. – لم أحر جواباً.. اكتفيتٌ بإيماءة متعثرة من الرأس..

أردفت تقول: كنتُ قد جرعت كأساً قبلك.. ما أحلى الخمرة.. تنعش القلب.. تشعل مكامن الحب.. لنشرب معاً.. – أتذوقهُ ببطء.. أنتعش.. يلتهب جسدي.. ينطلق لساني.. سعاد على جانب السرير..  محمرة الوجنتين، نظرة ملتهبة.. تقبض على يدي.. تسحبني إليها.. أجد ذاتي مستلقياً.. تنهال علي.. قبلات ملتهبة بها غمرتني..

ما أسهل أن نصبح عراة.. الجسد يلتحم في الجسد.. نغرق في بحر من الشبق.. بعفوية مطلقة تتجول القبلات في أرجاء الجسد.. قلدتها.. ما أسرع أن ندرك مواطن الجنس.. هي تؤشر لنا فنطيع.. أدهشتني براعتها.. تعلمت منها الكثير مما لا أدركه.. مص الشفاه والنهدين والتزلج على نواحي الجسد وخفاياه.. طابت الجولة.. وراحت تتمادى حتى التراخي.. راق سعاد مني.. صبري وعدم استعجالي ومثابرتي وحذري في صيانة عذريتها..

لا أدرى، من أين حلت عليّ تلك الكفاءة.. هل هو التخيّل، وأحاديث الصبية في جلساتنا الخاصة.. حينما كنا نطرق أبواب الجنس الممنوع والمقموع..

بخطوات بطيئة مترددة عدت إلى خيمتنا.. تنفرج أسارير أبي وأمي..  – لا عليكما.. العمل يتطلب..

دأبت سعاد بلهفتها تغمرني..  شعور دافئ يحتل كياني..  وجودها عزاء لي..  خفف من سعير هذا الشعور الثقيل الذي كنت فيه..  أ هو ما يسمّى بالحب…!!

لم يكف الفتى الذي هو أنا، على مخاطبة نفسه، بتحري أسرارها وصبواتها!!

قلت للفتى الذي هو أنا.. – للحب ألوان كثيرة، من بينها التلاقي في المصير..  وهو ذاك.. عندما كنتما معاً في ذات الساقية.. كان ذاك..

طفقت، للتسلل لحضن سعاد في معظم الليالي، حضورها أراحني، لحظات أجد فيها نفسي المضعضة، وإنسانيتي المنهكة..

أسعدتني سعاد بما تستطيع هبته لي، وأخال هي، وهبت لها ما وهبتني هي إياه، من سعادة..

 🛑

كان رب الأسرة أستاذاً للأدب العربي في الجامعة الأمريكية. أراحتني تلك الصفة، ها أنا ذا في حضرة رجل علم وأدب.

دأبت أتحين لحظة دخولي إلى مكتبه للنظر في كتبه ولو لمدة وجيزة.. لطالما كنت أرغب قراءة الكتب كاملة، يسيطر على شعور ثقيل يكبح فيّ جماح المحاولة.. لكأنما بدت لي هذه الرغبة كنزعة سرقة.

قررت مرة إظهار مقدرتي الأدبية، كنت قد احتفظت بقصيدة الشعر التي كتبتها في رثاء العقيد عدنان المالكي، وضعت ورقة القصيدة بين أوراقه في مكتبه.. دقائق عدة عدت أدراجي لانتزاعها.. لا أدري، لمَّ.؟  هل أدركتَ أن قضية المالكي لا تهمه.. أم أني رحلت إلى أغوار سلبيتي.. مما دفعني لزجر هذه الرغبة في إظهار المقدرة على كتابة الشعر.. فشلت محاولتي.. لم أعد لها.. هل كان بوسعها.. أن تيسر لي قراءة بعض ما لديه من كتب…؟  – ربما..

لا يا أيها الفتى الذي هو أنا.. كنت صادفاً مع نفسك.. هو اللاوعي في داخلك. عزز في ذاتك سلبيتك الرافضة لكل ما أنت فيه، هو الرفض.. الذي من شأنه إنجاز الفعل القهري لافتعال التوازن..

أغاظني من الأستاذ تصرف لا يليق به: عند نهوضه من قيلولته، وأنا في غمرة قيلولتي تحت شجرة الصنوبر الباسقة، شاء له في كل مرة أن يعهد لي بأي عمل، مما يقطع عليّ متعة استغراقي في رحلتي الخيالية لقريتي.. كنت أرى ذلك مملاً وعدوانياً.. ألا يسلبني من متعتي في رحلتي عبر الآفاق هكذا من دونما داع…!!

ما فتأت السيدة بدورها من مزاولة مثل هذا العنت، كما لو كان لديهما رغبة مبيتة لامتصاص كل دقيقة من يومي الطويل، الممتد من السابعة صباحاً حتى العاشرة ليلاً…!

ذات مرة، وفي غمرة مداهمتي لكتل الأطباق والأواني لغسلها، طاب لي أدمدم ببعض من أبيات الشعر.. درج على لساني بيتاً من الشعر لعمر أبو ريشة.. في غزوة عمورية..

رب وا معتصماه انطلقت..       ملء أفواه البنات اليتم.

لا أدري، لم هذا البيت الشعري قد راودني.. وطفق يخطر ببالي.. هل يحمل في طياته رمزاً خفياً لطلب النجدة.. مِن مَنّ ولِمن.. هل هو لي، أنا المقهور فيما أنا فيه…!

أقول لك أيها الفتى الذي هو أنا آن تلك.. هو العقل الباطن في أعماقك، هو ما دفعك لاختيار هذا البيت من الشعر، لكونه يلخص حالتك.. التلك..

على حين غرة، سمعني فتى العائلة، قال لي مستغرباً.. هل تعرف النحو؟ جوابي الصمت، بدوري تعجبت.. لماذا ذكر كلمة ” نحو “.. ما دورها هنا…! – أنهيت المساءلة، قلت في نفسي، ربما أنا على جهل.. هكذا يسمونه هنا…!

 🛑

درجتُ في بعض الأيام، عندما تتاح لي الفرصة في فترة القيلولة، أن أذهب إلى خيمتنا التي لا تبعد عن الفيلا، إلا قليلا- مجرد دقائق.

الخيمة لي سكني.. هنا أبي وأمي.. وليست تلك الفيلا، الوارفة الظلال.. وما شأني بها.. أني أمقتها..  رمز العبودية هي.

كنت كما لو كنت أتنفس هواء الحرية في خيمتي.. عرين أبي وأمي.. ذوي وأنا هنا.. وها هنا أنا.. لا هناك..  ذات يوم، وفي ساعة القيلولة، انسحبتُ كدأبي إلى خيمتنا لأكون قرب أمي.

في تلك الساعة حضر أمير الكويت، لتلبية دعوة تلقاها لزيارة المخيم الكشفي لشبيبة الكتائب – المطل من علٍ على مخيمنا نحن البؤساء.

تجمهر صبية مخيمنا لرؤية موكب الأمير. أوعز الأمير لمرافقه بإعطاء خمسين ليرة لبنانية لجمهرة الطريق.. صفق الصبيان فرحاً بعطاء الأمير.

علم الأستاذ والسيدة بالنبأ.. واني بسوء صنيعي أضعت عطاء الأمير، فعنفاني.. قالا لي: ويحك ماذا كنت تفعل في الخيمة، ها آنت قد أضعت خمسين ليرة، يعادل ما يمكن أن تجنيه في عمل صيف كامل..

لم أنبس ببنت شفة.. لم أكترث كثيراً.. كنت أعلم.. لم أتحسر ندماً، لم اسمع من أبي وأمي تعنيفاً.. ما خطبي أنا- إن كنت عزوفاً عن رؤية الأمير…!

ها هما بلغ الاهتمام فيها، حداً لا يوصف، بإغداق الأمير… وما شأنهما…! – في الحين الذي يدفعان لي ليرة واحدة ليوم عمل…! ليرة لا تكفي لهم لفنجان قهوة…!

طفق الفتى الذي هو أنا.. يحدث ذاته وبغضب: من شأني أنا، أغوص في ذات الفتى الذي هو أنا. وأقول.. ها أنت وأنت في لحظة الانفعال، قد نسيت..  أنت لم تسأل نفسك عن المبلغ الوفير الذي وهبه الأمير إلى معسكر الكتائب الكشفي…! ثمناً لهذه الدعوة النفعية في دوافعها…!! هل نسيت.. وإذ أنت كنت عزوفاً عن الاشتراك في هذا المشهد.. هل هو اللاوعي الخفي الذي هو لديك.. أراد منك أن تنأى بنفسك بعيداً عن مجمل تفرعات هذه الحبكة، بعناصرها السقيمة.. وقد كان لديك علم مسبق بواقعة عبور الأمير.. إنه الرفض، الرفض الخفي يا عزيزي- وقد اعتمر في ذاتك، كي تكون بمنأى عن هذه المهزلة.. ألا فأغتبط، لكونك تملك حاسة فطرية لا شعورية، تدفعك، كي تكون صادقاً مع ذاتك.. بوركت أنت، وتباً لعطاء الأمير..ّ

 🛑

كان صيفاً قاسياً لي.. عزائي أني أسهم مع أبي وذوي.. في تأمين الحد الأدنى لحماية وجودهم، ووجودنا، نحن الأبناء.  ولولا سعاد التي أضاءت لي عتمة يومي بنورها الدافئ.. لا أدري ما سيكون لي..

شاء لي أن أكتب شيئاً عن غربتي ومعاناتي، أرسلت رسالة لأخي، بل قصيدة حرّى للقرية.. قرأها الأتراب، نالت الإعجاب..

لم آبه قط بالبحث عن صدى إعجابهم، حسبي أني فرّجت عن كربتي في غربتي عن قريتي، في قصيدة شعر..  صرخة من فؤاد مكلوم..

أجل رائع هو لبنان..  كنت أتجوّل على تخوم المكان، وانظر إلى البعيد، أرى شمالاً جبال كسروان وقد رصفتها القرى كقلائد من جمان.. وبعيداً بعيداً في الأفق الغربي يمتد البحر بصفائه الأزرق اللازوردي..

لم يكن هو ذا ما يشدني، إنما بيداء قريتي.. هي هواي.. هناك حريتي وربعي.. وما لي هنا غير العذابات والنوى..!

أقبل أيلول، مخيمنا يلفظ أكثر ما فيه من سكان.. شرعنا نعد العدة للعودة.. في غفلة منا وفي ليلة ظلماء، هبت علينا عاصفة مطرية هوجاء.. تصدعت أركان الخيمة الهشة وانهال علينا سيل الماء..

قال أبي: هناك على مقربة منا، فيلا غادرها أصحابها، بوسعنا اتقاء المطر تحت سقف شرفتها الأرضية.. حملنا متاعنا على عجل.. كانت ليلة ليلاء، لفنا فيها البرد ولسع الريح.. تكومنا في الزوايا تحت سقف الشرفة لاتقاء المطر.

ما كادت تباشير الصباح أن تلوح، حتى لملمنا حوائجنا وهرعنا إلى طريق العودة.. وما أحلى من بعد البعاد- اللقيا...!

 🛑

55- 1956 – العودة للمدرسة وهي حلمي، أعثر فيها على نفسي.. بعد ضياعي الصيفي..

غدوت في الصف الثامن الإعدادي، صبياً مكتملاً، صلب العود.. يترآى لنفسه كبيراً يحمّل لذاته مسؤولية، يساهم في متاعب العائلة، له خيار سياسي يخلص له حتى الرمق الأخير، وله حب خفي.. وخبرة جنسية يتستر عليها ويخفيها.. أو هكذا بدا لي..

بدأت رحلة أخرى مع الدراسة والسياسة.. هو ذا عالمي، أو قل عالمنا المفضل أنا وأترابي.

أقفلتُ في رأسي على عذابات ظهور الشوير في لبنان، لم أنبس عنها ببنت شفة.. رغبت طردها من حافظتي، غابت عن لساني.. طويتها كلياً عن ناظري، ذهبت لحالي.

واقعة واحدة ترين في داخلي لا تغادرها. بدت كذكرى منعشة.. إسرارها في حناياي.. لم أبح بها.. وحدها سعاد.. كم أنا مدين لها.. اكتشف فيها عالماً ثرياً، كان مفعماً بالوهم لي..  ظهر لي معها وجود عالم جميل.. من بين الأشواك، تنبت أشواق.. ومن شقوق الصخور تنبت زهور..

في معترك السياسة: تميز هذا العام بأحداث سياسية هامة على كل المستويات: الثورة الجزائرية مستمرة، تنتقل من تقدم إلى تقدم، زج الحزب طاقته لصالحها.

نحفظ عن ظهر قلب نشيد الثورة الجزائرية ” قسماً ” بدا لنا أنه نشيدنا، تضاءل أمامه نشيدنا الوطني “حماة الديار”.. للكلمات شحنات يهبها لها واقع الممارسة..

العلاقة مع مصر عبد الناصر تمشي حثيثاً، من اتفاق عسكري إلى تنسيق سياسي، بوادر التطلع للاتحاد مع مصر تلوح في الأفق..

أسهم الحزب بفعالية في تعبئة الرأي العام الشعبي ضد الارتباط بحلف حلف بغداد، كرس له الحزب ذاته وقاد الصراع الشعبي ضده.

يغلي الأردن كالمرجل، تنتفض من اجل التحرر من نير الهيمنة والتبعية. نظمنا نحن الطلبة بالتلاحم مع جماهير الشعب مظاهرات عارمة لنصرة انتفاضة الأردن.

ضمن هذا المناخ المتأجج رفض الأردن الانضمام إلى حلف بغداد وتحرر جيشه من سيطرة الجنرال البريطاني، غلوب باشا “أبو حنيك”.

في غمرة ذلك وفي شهر نيسان من عام 1956، زار الملك حسين البلاد. على مشهد من موكبه وحين عبوره من مدينة درعا، نُظم له استقبال شعبي كفاتح منتصر.. جمهور واسع على الطريق العام.. لافتة ترتفع تقول ” أهلاً بابن بنت رسول الله “..

على الصعيد الداخلي: خاض الحزب في البرلمان وعلى مستوى الرأي الشعبي العام معركة ضد المشروع الأمريكي ” مشروع جونستون ” الهادف لتصفية القضية الفلسطينية، وذلك من خلال الاعتراف بإسرائيل وتوطين اللاجئين..  اعترض الحزب على مشروع وزير الخارجية دالاس لاقتسام مياه نهر الأردن، وقد تم إحباطه.

استطاع الحزب استصدار قرار من المجلس النيابي يلزم الحكومة باستيراد السلاح من الاتحاد السوفيتي، يمثل ذاك إحدى المحرمات التي يفرضها الغرب على العرب..

تحاول القوى السياسية التقليدية صرف الأنظار عن خط الصراع الأساسي، بالعزف كدأبها على المأثور الديني، تظهر مرة أخرى على السطح قصيدة نزار قباني، ينبري البرلماني الشيخ “عبد الرؤوف أبو طوق” ليشن حملة شعواء في خطبة عصماء على قصيدة نزار..

راح ابو طوق يلقي قصيدة نزار ليظهر سلبياتها، صفق البرلمان للقصيدة – وكان هو ذا الجواب.. مبتغى أبو طوق قد خاب..

كنا نترصد هذه الأحداث بنهم ونتفاعل معها ونروج لها، كأننا بذاتنا صانعي القرار لها.. دأبنا كطلبة وتلامذة نراقب عن كثب أداء الحكومة الممثلة للشريحة السياسية التقليدية، وقد راحت تترنح من غموض إلى غموض، في مواقف غير ثابتة المواقع..

تؤثر فيها أهواء عدة، تدور بين فلك مصالحها كأفراد وطبقة، وولاءات رموز منها لأنظمة عربية، كالنظام السعودي، مع بعض من قيادات الحزب الوطني.. وللنظام العراقي، لبعض من قيادات حزب الشعب.

[من أجل دقة التقييم، أتحدث عن رموز في الحزبين وليس كامل الحزبين- ضم هذين الحزبين، عناصر وطنية، انشقت في ظروف تالية.]

لم يعدم اتصال البعض من مَن انتمى لهذه الشريحة السياسية بالمخابرات الأجنبية كالبريطانية والأمريكية..

في لحظة ما أقدم وزير الاقتصاد رزق الله انطاكي على تصدير القمح إلى الجيش الفرنسي في الجزائر، مما أدى إلى انطلاق المظاهرات والاحتجاجات في عموم البلاد. احتل طلبة الجامعة مكتب وزير الاقتصاد. اضطرت حكومة سعيد الغزي للاستقالة.

فتحت الأزمة الوزارية الباب على مصراعيه، لتشكيل حكومة ائتلافية تنتهج سياسة وطنية واضحة لا لبس فيها ولا غموض.

على وقع من ذلك، ظهر الميثاق القومي الذي يلزم الجميع ببنوده الواضحة، في مقدمتها – رفض الأحلاف مع قوى الهيمنة الإمبريالية، وانتهاج سياسة الحياد الايجابي.. – ورفض الصلح مع إسرائيل، ومنع المشروع الإسرائيلي في تحويل نهر الأردن بالقوة. والسعي للاتحاد مع مصر. – ودعم حركة التحرر العربي في كل الأقطار العربية المهيمن عليها من قبل القوى الإمبريالية والسعي الدائب لتوحيد الأقطار العربية.

ما زلت أتذكر التصريحات الجريئة للأستاذ أكرم الحوراني في المجلس النيابي وفي الصحافة: ” إن اليد التي ستمد للصلح مع إسرائيل ستقطع ” ولنمنع ” إسرائيل من تحويل نهر الأردن بالقوة “.

أحجمت إسرائيل بالفعل عن مشروعها آنئذ، بعدما قام الجيش السوري بدوره على أكمل وجه.

تشكلت لأول مرة في البلاد وزارة اتحاد وطني برئاسة صبري العسلي، متبنيه الميثاق القومي منطلقاً لها. كان للحزب فيها وزارتين، الخارجية لصلاح الدين البيطار والاقتصاد لخليل الكلاس. وضعت هذه الوزارة على رأس اهتماماتها قيام اتحاد فيدرالي مع مصر.

كلما استقام شأن سورية الديمقراطية تكالبت عليها المؤامرات.. هكذا بدا لنا وللشعب..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى