
أطلقت الحكومة الأردنية خدمة الناطق الرقمي الحكومي “فرح”. وبعد أيام من هذه الخطوة التي حظيت بمتابعة واهتمام وتندّر وسخرية، يمكن القول إنّ من أنتج “فرح” قدّم شخصيةً أردنية أنيقة، تتحدّث العربية بلكنة أردنية جميلة، وتبسّط المعلومات، وحين نمازح وزير الاتصال الحكومي محمّد المومني نقول له: “فرح أجمل منك، وإطلالتها مفرحة، وتسرد المعلومات بطريقة سلسة، وتتقدّم في أدائها على وزارة الاتصال الحكومي”.
لم تسلم “فرح” من سهام النقد، وحين تسمع الأسئلة وتقرأ تعليقات الأردنيين تصاب بالدهشة والتوتّر، فهناك من يسأل: لماذا “فرح” ليست محجّبة؟ وآخرون: لماذا لا ترتدي اللباس الوطني؟ وهناك من أعجبته ويريد الزواج منها؟ وكلّ ما حدث يبدو مهمّاً في ظلّ غزو الذكاء الاصطناعي كلّ تفاصيل حياتنا، ولكنّ السؤال: ماذا بعد “فرح”؟
يتحوّل الذكاء الاصطناعي عند “الأشرار”، وهم متعدّدون ومتنوّعون، إلى أداة للفتنة تشعل الحرائق
هذا الناطق الرقمي الذي لا يغضب، ولا يكلّ ولا يملّ، ولا يتعب، ولا يتلعثم، هل يكفي هذا إذا ظلّت الأسئلة عند الجمهور معلّقةً من دون إجابة، فإن كانت الحكومة، في أحيانٍ كثيرة، لا تقدّم معلومات استباقية للمجتمع، ولا تفسّر العديد من إجراءاتها، فهل تستطيع “فرح” أن تغيّر الحال، وتقلب الطاولة، وتنتج معلومات لا تفرج عنها الحكومة، أم تُصاب بالخرس وتلتزم الصمت، وتبقى حالة عدم الثقة بما تقوله الحكومة هي السائدة؟
استخدام الذكاء الاصطناعي لصناعة ناطق رسمي رقمي عند الحكومة الأردنية خطوة مرحّب بها، لكنّها لا تحلّ المشكلة ما لم تتغيّر قواعد اللعبة في التعامل مع المعلومات بعدّها حقّاً للجمهور وأساساً لمواجهة الشائعات والتضليل والأخبار الزائفة.
في زمن الحروب والأزمات، تتعقّد المشكلات أكثر، وتحتاج الدولة أن يثق المواطن في روايتها حين يعجّ الفضاء الافتراضي بانفجار معلوماتي يعمّق حالة التضليل واللايقين، ولا يزيد المعرفة، ولا يقرّب الناس من الحقيقة.
في كلّ ساعة، يأتيك مستخدمو منصّات التواصل ليقدّموا لك معلوماتٍ شاع أنّها حقيقة، والمشكلة أنّهم لا يقبلون أن تجادلهم في مدى صدقيتها، ولا أن تراجعهم في مصادر معلوماتهم، فتصبح في نظرهم زنديقاً وكافراً.
في زمن الحرب، وحين تعجّ السماء بالمسيّرات والصواريخ، يصبح كثيرٌ من الأسئلة والأجوبة البديهية قيد التشكيك، والسؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا يحدث هذا؟ لماذا تكثر المعلومات ويتراجع الوصول إلى الحقيقة؟
باختصار، وعلى أرض الواقع وفي العالم الافتراضي تتدفّق المعلومات، رواية هنا، ونقيضها هناك، وتصريحات متضاربة، وفيديوهات حقيقية تُقدَّم أنّها راهنة، ولكنّها من زمن آخر، وشهود عيان يطلّون علينا أنّهم شهود الحقيقة، وهم يسوّقون رواياتٍ كاذبةً، ويصبح المسرح مزدحماً بالسرديات، تشاهد القصف بأمّ عينك، وتكاد تشكّ في ما ترى وتعرف، فالتزييف العميق الذي يسود في زمن الذكاء الاصطناعي يجعلك كفيفاً وأنت مُبصر!
العالم يتغيّر أسرع من قدرتنا على استيعاب التحوّلات، ففي فضاء “السوشيال ميديا” يتكرّس عالم لا يمكن الوثوق به، ويصبح التسليم بالحقائق أمراً صعباً، ويصبح الفضاء الرقمي ميداناً للمعركة يوازي (إن لم يكن أكثر أهمّيةً من) الحروب بالصواريخ والطائرات، فكسب هذه المعركة انتصار مظفّر يوازي ساحات القتال، وقد يزيد.
يتكرّس في فضاء “السوشيال ميديا” عالم لا يمكن الوثوق به
الحقيقة التي نصمت عنها، أو لا نجرؤ على المجاهرة بها، أنّ منصّات التواصل الاجتماعي ليست بريئةً من هذا العبث، وكلّ ما تحاول أن تقوله عن الجهد الذي تبذله لمكافحة التضليل والحضّ على العنف والكراهية يصبح موضع تشكيك، إذا ما ثبت أنّ الخوارزميات التي تعتمدها تُبنى على اقتصاد الانتباه، وهو ما يعزّز ربحيتها، والحقيقة التي يدركها القائمون على إدارة هذه المنصّات أنّ “اقتصاد الكراهية”، إن جاز التعبير، محرّك أساس وجاذب للجمهور، فالإثارة تستقطب الحضور، والصور الصادمة تجتذب عيون المشاهدين، والكراهية تبثّ الحماسة في جمهور غاضب يريد وسيلةً للتنفيس.
إذن، وسط هذه التحوّلات كلّها، تبدو الحقيقة الضحية الأساسية في الفضاء الرقمي، ويتحوّل الذكاء الاصطناعي عند “الأشرار”، وهم متعدّدون ومتنوّعون، إلى أداة للفتنة تشعل الحرائق بين جمهور ضخم يضمّ مليارات المستخدمين، وتصبح “فرح” الأردنية يتيمة في مرمى النيران، إذ تركتها الحكومة وحيدة توزّع الابتسامات من دون أنياب لتواجه الجمهور بالمعلومات والحقائق.
المصدر: العربي الجديد






