ما بعد السفارة… عن تركيا والعالم العربي ووحدة المصير

محمد مصطفى كوكصو

بعد ستّ سنوات قضيتها سفيراً لبلادي في دولة قطر، أجد نفسي، وأنا أستعدّ لاختتام مهمّتي، أفكّر في سؤال يبدو بسيطاً، لكنّه رافقني طوال هذه السنوات: ماذا يعني أن تكون سفيراً لتركيا في دولة عربية؟ الجواب الذي وصلت إليه لا يتعلّق فقط بالسياسة، ولا بعدد الاتفاقات التي وُقّعت، ولا بالزيارات الرسمية التي نُظّمت، ولا حتّى بحجم التجارة والاستثمارات التي نمت بين البلدَيْن. هذه كلّها عناصر أساسية في عمل أي سفير، لكنّها لا تختصر التجربة.
أن تكون سفيراً في دولة عربية يعني، قبل كلّ شيء، أن تتحمّل مسؤولية توسيع مساحات الفهم والتواصل بين مجتمعَيْن، وأن تعمل على تعميق الروابط بينهما، مستنداً إلى ما راكمته الجغرافيا والتاريخ والثقافة من مشتركاتٍ واسعة. وقد علّمتني سنواتي في الدوحة أنّ الدبلوماسية، مهما نجحت على مستوى المؤسّسات، تصبح أكثر رسوخاً حين تمتدّ إلى المجتمع، فالعلاقات بين الدول تحتاج إلى اتفاقات ومصالح وإرادة سياسية، والعلاقات بين الشعوب تحتاج إلى ما يعزّزها ويمنحها عمقاً إضافياً: المعرفة المتبادلة.
… بين تركيا والعالم العربي تاريخ طويل، وجغرافيا متّصلة، ومصالح متشابكة، وقيم اجتماعية وثقافية كثيرة مشتركة. وهذه الروابط تمنحنا باستمرار فرصاً جديدة لأن نعرف بعضنا بعضاً بصورة أعمق وأكثر مباشرة، فالتاريخ يمكن أن يُقرأ من زوايا متعدّدة، والسياسة تسلّط الضوء في كلّ مرحلة على أولويات مختلفة، والإعلام يختار بطبيعته جوانب محدّدة من صورة أكبر. ومن هنا تبرز أهمية التواصل المباشر الذي يضيف إلى ما نعرفه، ويوسّع إدراكنا لتجاربنا المختلفة. ولهذا كنت أؤمن دائماً بأنّ إحدى مسؤوليات الدبلوماسي الحقيقية توسيع هذه المساحات، وفتح مزيد من قنوات المعرفة والتواصل.

نحن أبناء منطقة واحدة، بتنوّعها واختلافاتها وتاريخها وإمكاناتها، وبيننا من المشتركات ما يكفي لكي نبني مستقبلاً أكثر تعاوناً وتكاملاً

ليس المطلوب أن نتطابق، ولا أن نتجاهل خصوصياتنا. الاختلاف طبيعي، وهو مصدر ثراء أيضاً. والمطلوب أن نفهم هذا التنوّع في سياقه الصحيح، وأن نجعله عنصراً إضافياً في بناء علاقة أكثر معرفة وعمقاً.
خلال سنوات عملي في قطر، حاولت أن أعرف المجتمع الذي أعيش فيه من داخله، لا من التقارير التي تصل إلى مكتبي فقط. دخلت المجالس، والتقيت الأكاديميين والإعلاميين والمثقّفين ورجال الأعمال والطلّاب، وتحدّثت مع أجيال مختلفة.
ومع كلّ لقاءٍ كنت أكتشف أنّ مساحة المشترك أوسع بكثير ممّا يمكن أن تختصره الملفّات السياسية اليومية.
في الأسرة، وفي احترام الضيف، وفي قيمة الصداقة والوفاء، وفي حضور الدين والثقافة والتقاليد، وفي نظرة الناس إلى محيطهم، تجد بين المجتمعات التركية والعربية كثيراً ممّا يسمح ببناء علاقات طبيعية وعميقة، إذا أحسنا اكتشافه والبناء عليه.
اللغة ليست أداة ترجمة فقط
ومن أهم ما تعلمته في عملي الدبلوماسي أنّ اللغة ليست مجرّد أداة نتبادل بها الكلمات. اللغة مدخلٌ إلى طريقة تفكير مجتمع كامل. حين تتعلّم لغة شعب آخر، فأنت لا تتعلّم كيف تسأله عن الطريق، أو كيف تدير معه اجتماعاً فقط؛ بل تبدأ تدريجياً في فهم نكاته وأمثاله وحساسيته تجاه الكلمات، وطريقته في التعبير عن الحزن والفرح، والأشياء التي لا يمكن للترجمة الحرفية أن تنقلها. ولهذا أرى أنّ تعلّم اللغة يجب أن يكون جزءاً رئيساً من أي مشروع جادّ لتعميق التقارب بين تركيا والعالم العربي. نحتاج إلى مزيد من الأتراك الذين يتقنون العربية ويتعاملون مباشرة مع الإنتاج الفكري والثقافي العربي، كما نحتاج إلى مزيد من العرب الذين يعرفون اللغة التركية، ويقرؤون تركيا من مصادرها ومجتمعها، بما يضيف مزيداً من العمق إلى المعرفة المتبادلة. فكلّما اتّسعت مساحة التواصل المباشر، أصبح فهم بعضنا بعضاً أكثر دقّة وثراءً.
والمسألة هنا ليست لغوية فقط. إنّنا نتحدّث عن بناء جيل يستطيع أن يفهم المنطقة من داخلها؛ دبلوماسي يعرف لغة المجتمع الذي يعمل فيه، وباحث يستطيع قراءة المصادر الأصلية، وصحافي يمتلك القدرة على الاطلاع المباشر على تركيا والعالم العربي من مصادرهما. عندها نصبح أكثر قدرة على أن نروي قصّتنا بأنفسنا، وأن نفهم بعضنا بأنفسنا، لهذا السبب كنت أرى في الجامعات ومراكز الدراسات والمؤسّسات الثقافية جزءاً أساسياً من العمل الدبلوماسي، لا نشاطاً مكمّلاً له.
العلاقات السياسية تتطوّر باستمرار وفق المتغيّرات والأولويات، والظروف الدولية تتبدّل، والأولويات الاقتصادية يُعاد ترتيبها. أمّا طالب درس سنوات في بلد آخر، أو باحث عمِل مع زملاء من مجتمع مختلف، أو أستاذ جامعي بنى شبكة علمية عابرة للحدود، فإنّه يصنع نوعاً آخر من العلاقات يمتدّ أثره لسنوات طويلة.
خلال فترة عملي في قطر، حرصنا على توسيع التواصل مع الجامعات والمؤسّسات الأكاديمية، وتشجيع التبادل الطلّابي والعلمي، وبناء صلات بين الباحثين والمؤسّسات في البلدَيْن. كنت أرى كلّ طالب تركي يدخل جامعة عربية، وكلّ طالب عربي يذهب إلى الدراسة في تركيا، باعتباره استثماراً طويل الأمد في العلاقة بين مجتمعاتنا. فالطالب الذي يعيش في بلد لسنوات لا يعود إلى وطنه بشهادة جامعية فقط. يعود وهو يعرف المجتمع، ولديه أصدقاء، ويفهم تفاصيل الحياة اليومية، ويستطيع بعد ذلك أن ينقل صورة أكثر ثراءً وواقعية عنه.

من المهم أن ننظر إلى مجتمعات المنطقة بما تمتلكه من تنوّع وخصوصية. فنحن لسنا نسخاً متطابقة

ولعلّ من الأمثلة العملية على ما أتحدّث عنه تجربة التعاون الأكاديمي مع معهد الدوحة للدراسات العليا، حيث أُتيحت الفرصة لعدد من الدبلوماسيين الأتراك للاستفادة من برامجه التعليمية والتدريبية. وأرى في هذا النوع من التبادل المعرفي استثماراً بعيد المدى في العلاقات بين البلدَيْن، لأنّه يساهم في بناء جسور بين نخب ستشارك مستقبلاً في صياغة هذه العلاقات وتطويرها. ولهذا نحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى زيادة برامج التبادل الأكاديمي، والمشاريع البحثية المشتركة، وتعزيز تواصل مراكز الدراسات، وبرامج تعليم اللغات، وحركة الأساتذة والطلّاب والباحثين بين تركيا والعالم العربي. ونحتاج أيضاً إلى أن يكون الحوار الثقافي مستمرّاً ومؤسّسياً، وألّا يبقى مرتبطاً بفعالية أو مناسبة بعينها، فالدول تستطيع توقيع اتفاقية في يوم واحد، أمّا بناء المعرفة المتبادلة فهو استثمار طويل الأمد يتراكم مع السنوات.
… حين نتحدّث عن التقارب بين تركيا والعالم العربي، أرى أنّ من المهم أن ننظر إلى مجتمعات المنطقة بما تمتلكه من تنوّع وخصوصية. فنحن لسنا نسخاً متطابقة، ولا ينبغي أن نكون. لدينا لغات وتجارب وطنية وتقاليد سياسية وخصوصيات اجتماعية مختلفة، وحتى داخل العالم العربي نفسه هناك تنوّع كبير، لكنّ هذا التنوع لا ينفي وجود قاعدة واسعة من المشترك، بل يمنحها مزيداً من الثراء.
وما نحتاج إليه أن نولي هذه المشتركات ما تستحقّه من اهتمام، وأن نستثمرها في توسيع التعاون والتواصل. برأيي، الدبلوماسية الجيدة تعترف بالتنوّع، وتبحث في الوقت نفسه باستمرار عن المساحات التي يمكن البناء عليها. وقد وجدت في تجربتي في قطر أنّ الوصول إلى هذه المساحات لا يحتاج دائماً إلى اجتماعات سياسية كبيرة. أحياناً يبدأ الأمر من لقاء بين جامعتَيْن، أو مشروع ثقافي، أو ترجمة كتاب، أو طالب يتعلّم لغة، أو صحافي يزور البلد الآخر، أو حوار بين باحثين ينظر كلّ منهما إلى القضية نفسها من زاوية مختلفة. هذه الجسور الصغيرة، حين تتكاثر، تصنع في النهاية علاقة كبيرة.
… هناك أيضاً حقيقة سياسية لا يمكن تجاهلها: دول منطقتنا مرتبطة ببعضها البعض أكثر ممّا توحي به الحدود السياسية أحياناً.
فما يحدث في دولة يترك أثره، بدرجات مختلفة، في محيطها. الحرب والهجرة والطاقة والأمن الغذائي والتجارة والمياه والإرهاب والتحوّلات الاقتصادية كلّها قضايا عابرة للحدود. ولهذا تؤمن تركيا بأنّ استقرار المنطقة مسؤولية مشتركة، وأنّ مستقبلها يقوم على ازدهار دولها وتعاونها، لا على تنافس يضعف أحدها لمصلحة الآخر.
وحين نتحدّث عن وحدة المصير، فإنّنا لا نعني تطابق السياسات أو غياب تباين الأولويات، فلكلّ دولة مصالحها وحساباتها، وهذا طبيعي، لكنّ وحدة المصير تعني أن ندرك أنّ أمن أي دولة واستقرارها يرتبطان، بدرجات مختلفة، بأمن محيطها واستقراره، وأنّ الحروب والأزمات تمتدّ آثارها إلى الجميع، وأنّ التنمية المستدامة تصبح أكثر رسوخاً كلّما اتّسعت دائرتها في المنطقة. وهي تعني أيضاً أن تتحمّل دول المنطقة مسؤولية أكبر عن قضاياها.
لقد أثبتت أزمات السنوات الماضية أنّ منطقتنا تحتاج إلى مزيد من الحوار بين عواصمها، وإلى قدرة أكبر على إدارة قضاياها بأدواتها الدبلوماسية، وتعزيز التعاون الإقليمي بما يمنح دولها دوراً أكبر في صياغة مستقبلها. ومن هنا أرى أهمية التجربة التي بنتها تركيا وقطر في الحوار والتنسيق في عدة ملفّات. فكلّ دولة تحتفظ بخصوصيتها ورؤيتها، وفي الوقت نفسه أدرك البلدان قيمة إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، ومواصلة البحث عن الحلّ السياسي حتّى في أصعب الأزمات.
ولا شكّ أنّ العلاقة المباشرة والوثيقة بين الرئيس رجب طيّب أردوغان وأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني شكّلت أحد أهمّ عوامل تطوّر العلاقات بين تركيا وقطر خلال السنوات الماضية، فقد وفّر مستوى الثقة والتفاهم بين القائدين إرادة سياسية واضحة انعكست على مؤسّسات البلدَيْن، وساهمت في توسيع مجالات التعاون، وتعزيز التنسيق في مختلف الملفّات.

وظيفة السفير ليست أن يمثّل بلده فقط، بل أن يساعد أيضاً بلده والمجتمع الذي يعمل فيه على أن يفهم أحدهما الآخر

بعد ستّ سنوات في الدوحة، أغادر بقناعة ربّما أصبحت أكثر رسوخاً لديّ ممّا كانت عليه يوم وصلت إليها: أقوى علاقة يمكن أن تبنى بين دولتَيْن هي التي تتجاوز الحكومتَيْن إلى مختلف شرائح المجتمع. حين يصبح للجامعة والباحث والطالب والصحافي ورجل الأعمال والفنّان والمترجم والمجتمع المدني دور فيها؛ تصبح العلاقة أوسع وأعمق وأكثر قدرة على الاستمرار. وحين يتعلّم الشابّ التركي العربية لأنّه يريد أن يفهم المنطقة، ويتعلّم الشاب العربي التركية لأنّه يريد أن يعرف تركيا من داخلها، نكون قد أضفنا أساساً مجتمعياً ومعرفياً قوياً إلى ما تبنيه الدول والمؤسّسات. وحين يقرأ كل منا أدب الآخر، ويتعرّف إلى جامعاته ومفكّريه، ويزور مدنه، ويستمع إليه بلغته، تصبح المعرفة المتبادلة أعمق، ويصبح الحوار أكثر سهولة وطبيعية.
لهذا، إذا كان لي أن أختصر ما تعلّمته من تجربتي سفيراً في دولة عربية مثل قطر، فسأقول إنّ وظيفة السفير ليست أن يمثّل بلده فقط، بل أن يساعد أيضاً بلده والمجتمع الذي يعمل فيه على أن يفهم أحدهما الآخر بصورة أفضل. لقد جئت إلى قطر ممثّلاً لتركيا، وأغادرها وقد تعلّمت أنا أيضاً كثيراً عن العالم العربي، وعن أهمية أن نواصل توسيع معرفتنا ببعضنا.
نحن أبناء منطقة واحدة، بتنوّعها واختلافاتها وتاريخها وإمكاناتها الكبيرة. وبيننا من المشتركات ما يكفي لكي نبني مستقبلاً أكثر تعاوناً وتكاملاً، إذا واصلنا الاقتراب والتعارف والاستماع إلى بعضنا البعض. وربما تكون البداية أبسط مما نتصوّر: أن نتعلّم لغات بعضنا، وأن نفتح جامعاتنا ومراكزنا الثقافية أمام بعضنا، وأن يقرأ كلٌّ منّا الآخر من مصادره الأصلية، وأن نتيح لأنفسنا مزيداً من فرص التواصل المباشر. فالجسور بين الشعوب لا تُبنى في يوم واحد، لكنّها حين تُبنى جيّداً، تمنح العلاقات بين الدول عمقاً واستمرارية تتجاوز تغيّر الظروف السياسية. وهذه، بعد ستّ سنوات في قطر، واحدة من أكثر القناعات رسوخاً التي سأحملها معي أينما ذهبت.
وفي ختام هذه التجربة، أتوجّه بالشكر إلى صحيفة “العربي الجديد” على إتاحة هذه المساحة، وعلى ما عهدناه منها طوال فترة عملي في قطر من انفتاح على الحوار وتبادل الرؤى. فمثل هذه المساحات جزء من الجسور التي نحتاجها في منطقتنا؛ إذ لا تصنع السياسة وحدها بالتقارب، بل أيضاً بالكلمة والمعرفة وحسن الإصغاء.
وأغادر مهمّتي في قطر أكثر إيماناً بأنّ مستقبل العلاقة بين تركيا والعالم العربي سيُبنى بقدر ما ننجح في توسيع هذه المساحات المشتركة، وأن نبقى قريبين من بعضنا لغة وثقافة ومعرفة وإنسانياً.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى