
(ننقله هنا عن الأستاذ خالد كبارة)
في خضم قراءة التاريخ السياسي الحديث للبنان، تبرز محطات دمويّة بالغة التعقيد طبعت مسار الصراع على القرار الوطني والميداني. ولعلّ واحدة من أبرز هذه المحطات هي مسار استهداف قادة ومفكري ومقاومي الحزب الشيوعي اللبناني وقوى اليسار، في سياق تقاطع مصالح إقليمية ومحلية سعت لتدجين أو إلغاء أي مشروع مقاوم ذي قرار وطني مستقل.
وفيما يلي توثيق أبرز تلك المحطات والاغتيالات التي رسمت ذلك المشهد:
1. حسين مروة (17 شباط 1987)
دخل ثلاثة ملثمين شقةً في الرملة البيضاء وأفرغوا رصاصهم في رجل بلغ الثمانين، راقدٍ مرضًا في سريره. هو حسين مروة؛ طالب العلوم الدينية في النجف سابقاً، والذي خلع العمامة ليصبح أشهر فيلسوف ماركسي في العالم العربي وعضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني.
2. مهدي عامل (18 أيار 1987)
بعد ثلاثة أشهر فقط من اغتيال أستاذه، جاء دور تلميذه الدكتور مهدي عامل (المحاضر في الجامعة اللبنانية والمفكر والكاتب الماركسي وعضو اللجنة المركزية للحزب). حين وقف يؤبّن أستاذه حسين مروة، نشرت مجلة «العهد» (الناطقة باسم حزب الله) مقالاً يحمل تهديداً صريحاً بأن الرجل الذي أبّن مروة سيرى قريباً أن دوره قد أتى. تروي زوجته إيفلين الفرنسية أنه ناولها الجريدة ضاحكاً وقال: “إليكي حكم موتي”. وفي 18 أيار 1987، أُطلق عليه الرصاص في شارع الجزائر أثناء توجهه إلى الجامعة. ولاحقاً، رفضت مراجع شيعية الصلاة عليه لكونه شيوعياً، فصُلّي عليه في مسجد سنّي في منطقة الطريق الجديدة.
3. جذور المواجهة: انطلاقة “جَمّول” ورفض الوصاية
لا تقتصر القصة على المفكرين وحدهم، فالمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي في لبنان انطلقت يسارية الجذور؛ ففي 16 أيلول 1982، أعلن جورج حاوي ومحسن إبراهيم تأسيس «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» (#جَمّول)، مباشرة بعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت.
4. الدور السوري-الإيراني المشترك في هندسة التصفية
يُظهر المسار التوثيقي حجم التقاطع والتنسيق الميداني والأمني بين الأجندة الإيرانية والنظام السوري البائد (وأجهزته الأمنية في لبنان، وعلى رأسها غازي كنعان رئيس فرع الأمن والمعلومات السوري) في تنفيذ حملة ممنهجة لتصفية قادة ومفكري ومقاومي اليسار.
تمثلت “الخطيئة الكبرى” بنظر النظام السوري البائد وأدواته في رفض جبهة المقاومة الوطنية تسليم برنامج عملها وتفاصيل عملياتها الأمنية والعسكرية لغازي كنعان، مما أطلق شارة البدء لحملة “التأديب” والتصفية المنظمة التي تمثلت في:
* ميشال واكد (4 كانون الأول 1985): القيادي في الحزب الشيوعي الذي خُطف من بئر العبد على بعد أمتار من مركز أمني لحزب الله، لتظهر جثته المشوهة لاحقاً على شاطئ عين المريسة في 6 شباط 1986.
* خليل نعّوس (20 شباط 1986): عضو المكتب السياسي ومسؤول منظمة بيروت، الذي اغتيل في طريقه من منزله إلى مركز الحزب في بيروت الغربية.
* سهيل طويلة (24 شباط 1986): رئيس تحرير جريدة «النداء» الناطقة باسم الحزب، خُطف من بيته في المبنى نفسه الذي تشغله المستشارية الإيرانية عند جسر برج أبي حيدر (إثر اشتباك مع حزب الله سقط فيه أربعة من عناصره)، وعُثر عليه بعد 24 ساعة مصاباً بست رصاصات في رأسه وعين مقتلعة على مكب النورماندي.
5. التضييق والتهجير في الجنوب
لم تقتصر التصفية على الرصاص الصامت والعلني في العاصمة؛ فقد هُجّر أكثر من 600 شيوعي من قراهم جنوباً على يد حلفاء الإقليم، واعتقل مقاومون حقيقيون كانوا يقاتلون الاحتلال الإسرائيلي وعُذّبوا لمنعهم من مواصلة عملياتهم المستقلة خارج العباءة المرسومة، وبعضهم طالته يد الاغتيال.
6. اغتيال جورج حاوي (21 حزيران 2005)
فوق نعش مهدي عامل، أطلق جورج حاوي جملة تختصر عقداً كاملاً من الصراع: “أصبح المشهد مملاً، يا رفاق… ليس شيخا ولا سيدا من يقتل المقاومين الشيوعيين، بل هو حاخاماً”.
وفي 21 حزيران 2005، بعد أيام من انتخابات هزمت الوصاية السورية الأسدية وعلى وقع اغتيال رفيق الحريري وسمير قصير، انفجرت عبوة ممغنطة تحت مقعده في وطى المصيطبة. وعلى عكس سابقاتها، ترك هذا الملف مساراً قضائياً؛ ففي 16 أيلول 2019 ثبتت المحكمة الخاصة بلبنان قراراً اتهامياً في ملف اغتياله بحق سليم جميل عياش (عضو حزب الله المُدان في اغتيال رفيق الحريري)، إلا أن المحاكمة توقفت وأُغلقت المحكمة نهائياً في 31 كانون الأول 2023 وبقي الملف معلقاً بلا حكم نهائي.
7. الخاتمة
على إثر هذا المسار الدموي الطويل والتكامل الميداني والاستخباراتي بين طهران ودمشق أيام حكم الأسد وأدواتهما المحلية، تم تقويض مشروع «جمّول»، ليتحول مصطلح «المقاومة» تدريجياً ويصبح ملكاً حصرياً لطرف واحد مرتبط بالمحور السوري-الإيراني، وهو الطرف الذي خرج دوماً مستفيداً ومسيطراً من تداعيات تلك الجنازات.
المصدر: صفحة د- امين صعب






