بين التفاوض والضغط الميداني.. هل تتجه الأمور نحو تفاهم أمني أم نحو مزيد من التصعيد؟ بعد عدة اجتماعات واتصالات بين الجانبين السوري والإسرائيلي، وبرعاية أميركية، لم يتمكن الطرفان حتى الآن من التوصل إلى اتفاق أمني يضع حداً للاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على الأراضي السورية، أو يحدد قواعد واضحة تمنع تكرارها. وتجد دمشق نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد.
فالحكومة السورية منشغلة بتثبيت الأمن والاستقرار، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، ومعالجة آثار سنوات طويلة من الحرب عاشتها البلاد في ظل النظام البائد، وهي تدرك أن فتح مواجهة عسكرية جديدة في هذه المرحلة لن يخدم مصالح سورية. وفي المقابل، لا يمكن للحكومة أن تتجاهل استمرار الاعتداءات أو أن تقبل بأن تتحول الأراضي السورية إلى ساحة مفتوحة للعمليات الإسرائيلية. السؤال الذي يفرض نفسه هنا: إلى أين يتجه المسار بين سورية وإسرائيل إذا استمر تعثر المفاوضات؟
الاحتمال الأول هو استمرار المسار الدبلوماسي بالتوازي مع التوتر الميداني. فتعثر المفاوضات لا يعني بالضرورة انهيارها، خصوصاً مع استمرار الدور الأميركي في محاولة إيجاد صيغة أمنية تمنع التصعيد وتحافظ على قنوات الاتصال بين الطرفين. وقد تحتاج هذه المفاوضات إلى وقت أطول، لأن الملفات المطروحة لا تتعلق بترتيبات أمنية محدودة فحسب، وإنما ترتبط أيضاً بمسألة السيادة والوجود العسكري الإسرائيلي في الأراضي السورية.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل ما يجري في الجنوب السوري، حيث تتكرر الاعتداءات والتدخلات الإسرائيلية، بالتزامن مع حالة من القلق والتوتر بين السكان. ويرى مراقبون أن إسرائيل قد تستخدم هذه التطورات كوسيلة للضغط على دمشق، بهدف دفع الحكومة السورية إلى تقديم تنازلات في المفاوضات وتحقيق شروط أمنية أكثر ملاءمة لها.
وإذا صح هذا التقدير، فإن الهدف لا يكون فقط تحقيق مكاسب عسكرية محدودة، وإنما إرباك الحكومة السورية والضغط عليها من الداخل في مرحلة تحتاج فيها إلى تركيز جهودها على تثبيت الدولة واستعادة الاستقرار. فكلما ازدادت الضغوط الأمنية في الجنوب، ازدادت الأعباء التي تواجهها دمشق، وربما يصبح التفاوض تحت الضغط أكثر صعوبة وأقل توازناً.
غير أن سياسة الضغط هذه قد تأتي بنتيجة عكسية؛ فمحاولة توتير الجنوب وإثارة الخوف بين المواطنين يمكن أن تعزز التمسك بوحدة الدولة ورفض أي ترتيبات تنتقص من السيادة السورية. كما أن استقرار الجنوب لن يكون شأناً محلياً فقط، بل سيبقى عاملاً أساسياً في أي تفاهم أمني مستقبلي.
ومن هنا قد يكون السيناريو الأكثر واقعية هو التوصل إلى تفاهم أمني مرحلي، يبدأ بخفض التصعيد ووقف الاعتداءات، وإنشاء قنوات اتصال واضحة، ووضع ترتيبات تمنع الاحتكاك، قبل الانتقال إلى الملفات الأكثر تعقيداً، وفي مقدمتها الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية.
أما السيناريو الأخطر، فهو أن يؤدي استمرار التصعيد إلى حادث كبير يخرج عن السيطرة، ويفتح الباب أمام ردود متبادلة قد تقود إلى مواجهة لا تريدها سورية في هذه المرحلة، ولا تخدم الاستقرار الإقليمي.
بالنسبة إلى دمشق، تبدو الأولوية واضحة: لا تريد الحرب، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تجعل تجنب الحرب مرادفاً للتنازل عن السيادة. لذلك فإن استمرار المسار الدبلوماسي، رغم صعوبته، قد يكون الخيار الأكثر واقعية. فالدبلوماسية لا تقاس دائماً بسرعة الوصول إلى اتفاق، وإنما بقدرتها على حماية المصالح الوطنية ومنع الخلافات من التحول إلى صراع مفتوح.
وقد لا يكون المطلوب في المرحلة المقبلة اتفاقاً شاملاً دفعة واحدة، بل خطوات تدريجية توقف التصعيد، وصولاً إلى تفاهم أمني يحفظ أمن المنطقة ويؤكد في الوقت نفسه سيادة سورية ووحدة أراضيها. ففي مرحلة إعادة بناء الدولة، تحتاج سورية إلى الهدوء أكثر من حاجتها إلى جبهة جديدة، وإلى الدبلوماسية أكثر من حاجتها إلى المغامرة العسكرية. وربما تكون قدرة دمشق على إدارة هذا الملف بهدوء وثبات، مع الحفاظ على ثوابتها الوطنية، هي الاختبار الحقيقي لمرحلة سورية الجديدة.
المصدر: صحيفة الثورة السورية






