
انطلقت الحملة الانتخابية لاقتراع 23 سبتمبر/ أيلول الجاري في المغرب وسط دوّامة من الأسئلة الحارقة الممزوجة بحالة جلية من التحفّظ السياسي. فمشاركة 28 تشكيلاً سياسياً عبر 1850 لائحة تضمّ 7288 ترشيحاً لا تُقرأ، بالضرورة، دليلاً على ديناميكية ديمقراطية، بقدر ما تشير إلى تضخّم عددي ينعكس سلباً على القيمة النوعية للبرامج ومستويات الثقة الشعبية. ففي هذا الاستحقاق التشريعي، تبدو العملية الانتخابية أقرب إلى إعادة إنتاج الآليات السائدة وتوازنات المشهد التقليدي، في وقت تواجه فيه البلاد تحدّيات اقتصادية وتغيّرات إقليمية متسارعة، ما يجعل من الصناديق أداةً لتثبيت التوازنات القائمة لا مدخلاً لإحداث تحوّل سياسي ملموس.
تراجعت الأحزاب عن أن تكون مؤسّسات تتنافس بناءً على برامج محكومة بمرجعيات وأيديولوجيات، لتصبح دكاكين توزع التزكيات الانتخابية على أصحاب المال والنفوذ المحلّي
بيد أن تحميل الأحزاب كامل المسؤولية يبقى تحليلاً قاصراً يُغفل الهندسة البنيوية للسلطة، فالمخزن (الحكم) المهندس الأوّل للمشهد السياسي عبر التحكّم في قواعد اللعبة الانتخابية، وتفصيل الدوائر، وإدارة مفاتيح الريع، ضمن استراتيجية تقوم على تفتيت الفاعلين، وتفادي ظهور قطبية سياسية وازنة تعبّر عن إرادة شعبية مستقلّة. عملياً، أفضت هذه السياسة إلى تدجين الأحزاب، وتحويل أغلبها إلى مجرّد دكاكين موسمية، لتُجرّد المؤسّسات المُنتخَبة من سلطة القرار الفعلي لصالح الإدارة، بينما انحصر دور الأحزاب في وساطة شكلية تتنافس على الهامش، وتمنح المنظومة مشروعية إجرائية لا أكثر. ولم تكن مخرجات هذه الهندسة خافيةً في المحطّة الحالية، وذلك ما تثبته المعطيات الميدانية، من خلال الأرقام المُعلَنة من وزارة الداخلية بشأن القوائم النهائية للمسجَّلين، أو عبر الآلية التي أدارت بها بعض الأحزاب تزكياتها وقوائم الترشّح، فسيطر الأعيان وأصحاب المال على حساب المعايير السياسية والديمقراطية.
ويكشف مؤشّر المسجَّلين في اللوائح الانتخابية، عقب المراجعة الاستثنائية أخيراً، انكماشاً حادّاً في الكتلة الناخبة، إذ تراجع الرقم إلى 15.8 مليون ناخب مقارنة بـ17.9 مليوناً في انتخابات عام 2021. ويعكس هذا الفقدان لنحو مليوني مواطن من الوعاء الانتخابي انحساراً متزايداً في ثقة المواطن بالعملية السياسية. وتزداد الصورة وضوحاً حين ندرك أنّ المغاربة البالغين سنّ الرشد القانوني (18 عاماً) يناهزون 26 مليون نسمة، ما يعني أن أكثر من عشرة ملايين مواطن باتوا خارج المعادلة الانتخابية قبل انطلاقها، ما يضع مشروعية التمثيل السياسي برمّتها على المحكّ.
تزداد هذه الأزمة إلحاحاً عند تفكيك التركيبة العمرية للمسجَّلين، إذ تنكشف الفجوة الحادّة في مشاركة الشباب (18 – 24 عاماً)، الذين لم يتجاوز عدد المسجَّلين منهم 474 ألفاً من أصل كتلة شبابية تُناهز 3.9 ملايين نسمة، وهو ما لا يتعدّى 3% فقط من إجمالي الهيئة الناخبة. في المقابل، يهيمن كبار السنّ على الخريطة الانتخابية، بشغل من تبلغ أعمارهم 60 عاماً فأكثر لنحو 29% من المسجلين (زهاء 5 ملايين ناخب)، ما يعكس اختلالاً هيكلياً يبسط فيه كبار السنّ نفوذهم الانتخابي على حساب قطاع شبابي مغيّب سياسياً.
لا يعني هذا الطرح، بطبيعة الحال، تجريد الانتخابات من شرعيتها القانونية؛ فالأنظمة الانتخابية عالمياً لا تشترط نسب مشاركة قياسية لإسباغ الشرعية الدستورية على المؤسّسات. لكن شتّان بين شرعية إجرائية صمّاء وتمثيلية سياسية حيّة تعبّر عن نبض المجتمع. فالفجوة هنا ليست مجرّد تفاوت طبيعي بين الأجيال، بقدر ما هي انقلاب كامل للهرم الديمغرافي، حيث يختار الماضي المستقبل. وحين تضيق دائرة المشاركة إلى هذا الحدّ، يثار سؤال جوهري: أيّ مغرب تعكسه العملية الانتخابية؟
على الجانب الآخر، تجهض الممارسة الحزبية ما تبقّى من ثقة لدى المواطن، وتعمّق حالة العزوف عن العملية السياسية برمّتها، بعدما أضحى الترحال السياسي سلوكاً طبيعياً يغيّر فيه المرشَّح لونه الحزبي بسهولة تغيير ثيابه. وفي مشهد سوريالي يتنافى مع أصل فكرة الأحزاب، تراجعت الأحزاب عن أن تكون مؤسّسات تتنافس بناءً على برامج محكومة بمرجعيات وأيديولوجيات، لتصبح دكاكين توزع التزكيات الانتخابية على أصحاب المال والنفوذ المحلّي.
لقد تابع المغاربة، قبل الحصر النهائي لقوائم الترشيح، موسماً جديداً من هجرة الأعيان بين الأحزاب (التي كانت سبباً في حرب كلامية بين قطبي الائتلاف الحكومي، التجمّع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة)، إذ يعرض هؤلاء رصيدهم من النفوذ على قيادات الأحزاب، التي تفضّل بوابة الأعيان باعتبارها أقصر الطرق لضمان المقاعد في الخريطة البرلمانية والحكومية. لقد ولّى زمن تجنيد القواعد وصناعة المناضلين داخل الهياكل الحزبية لصالح الرهان على وجهاء الانتخابات، بوصفهم الخيار الأقلّ تكلفة، ما جعل الأحزاب أقرب إلى أندية رياضية تشتري جاهزية اللاعبين بدل الاستثمار في تأهيلهم.
تعكس التركيبة العمرية للمسجّلين في اللوائح الانتخابية اختلالاً هيكلياً يبسط فيه كبار السنّ نفوذهم الانتخابي على حساب الشباب
تجاوز هذا التردّي حدود الحالات الفردية، ليتّخذ أبعاداً عائلية براغماتية، يتحوّل معها الفعل السياسي إلى مجرّد مناورة، فتجد الأب في حزب، والابن في آخر، والبنت في كيان ثالث، في توزيع مدروس للنفوذ والمصالح يشبه إدارة “محفظة استثمارية” بغية تقليل المخاطر وتأمين المكاسب. بهذا تنحرف الاستحقاقات الانتخابية عن غايتها الجوهرية بوصفها آليةً ديمقراطيةً لتجديد الشرعية، وتتحوّل إلى عملية تجارية محضة تقتصر على إعادة توزيع المرشَّحين الجاهزين.
لم تعد معظم الأحزاب اليوم، بما فيها أحزاب الحركة الوطنية، مهتمّة بكيفية إقناع الناخب أو كسب ثقته عبر البرنامج الانتخابي، بقدر ما بات محور اهتمامها يتلخّص في كيفية استقطاب الوجهاء والأعيان في المناطق. فالرهان لم يعد قائماً على التغلغل في المجتمع وتشكيل النُّخب وتأطير المواطنين، وإنّما على استيراد شبكات انتخابية جاهزة وعائلات نفوذ، تختار لنفسها رمزاً حزبياً جديداً مع كلّ موسم انتخابي.
لا تكمن الخطورة الحقيقية لما يجري في المشهد في استنزاف ما تبقّى من مصداقية التعدّدية الحزبية فحسب، بل في تحويل الانتخابات من آلية للتغيير والتداول الديمقراطي إلى مجرّد “تمرين إجرائي” لتثبيت الأمر الواقع، والاستعاضة عن الشرعية الشعبية المفقودة بشرعية قانونية شكلية. ينذر هذا المسار بانتخابات بلا روح، تعمّق أزمة التمثيل وتوسّع الفجوة بين الدولة والمجتمع، إذ ستظلّ الصناديق تُنتج البرلمانات والحكومات، لكنّها حتماً لن تصنع تحوّلاً ديمقراطياً يعيد للمواطن ثقته بالسياسة، ولا للوطن قدرته على مواجهة تحدّياته المصيرية.
المصدر: العربي الجديد





