
التعليم في سوريا بعد الحرب.. بين توحيد المناهج واستيعاب التنوع الثقافي واللغوي
بعد اندلاع الحراك الشعبي ضد نظام الأسد وما أعقب ذلك بسنوات من حرب وانقسام جغرافي وسياسي، يجد قطاع التعليم في سوريا نفسه أمام مهمة تتجاوز ترميم المدارس أو تحديث الكتب، لتصل إلى إعادة بناء منظومة تعليمية قادرة على استيعاب مجتمع متعدد اللغات والثقافات والمكونات. فقد أدت سنوات الصراع إلى تفكك النموذج التعليمي المركزي الذي كان سائداً قبل عام 2011، وظهور مناهج وأنظمة تعليمية مختلفة تبعاً لمناطق السيطرة، ما خلف تحديات تتعلق بالمناهج والشهادات وحق الطلاب في الانتقال بين الأنظمة التعليمية المختلفة.
وفي المرحلة الراهنة، تبرز مسألة صياغة منهج وطني جديد بوصفها واحدة من أكثر الملفات حساسية، خصوصاً مع تنامي النقاش حول كيفية تمثيل التنوع السوري داخل الكتب المدرسية، ولا يقتصر الحديث على اللغة، بل يمتد إلى كيفية تقديم التاريخ والهوية الوطنية والمكونات الدينية والقومية، بما يضمن الاعتراف بالتعدد من دون أن يتحول إلى عامل جديد للانقسام.
وبالتوازي مع ذلك، تواجه العملية التعليمية تحديات مادية كبيرة، في ظل تضرر آلاف المدارس وخروج ملايين الأطفال من التعليم خلال السنوات الماضية، فضلاً عن نقص الكوادر والمواد التعليمية والبنية التحتية. وبين الحاجة إلى توحيد النظام التعليمي والحفاظ على التنوع، تبدو مهمة الحكومة أكثر تعقيداً، إذ يتعين عليها بناء نموذج تعليمي حديث يقوم على التفكير والتحليل، ويضمن تكافؤ الفرص، ويعيد تعريف المدرسة بوصفها مساحة جامعة لكل السوريين.
وفي هذا الإطار، يؤكد الكاتب الصحفي أحمد مظهر سعدو، على وجود تحديات كثيرة في هذا المضمار، ولا سيما في إطار التشنج والتعصب القومي، سواء لدى الكرد أو العرب أو التركمان أو أي إثنية أخرى في الواقع السوري. حيث من الممكن تجاوز هذه المسألة مع الوقت، فمثل هذه التحديات لا يمكن معالجتها دفعة واحدة، وإنما تحتاج إلى وقت وتدرج.
ويضيف لـ”963+”: “إننا، كسوريين، سنحتاج إلى استيعاب هذه التحديات والتعامل معها إلى أن نصل إلى حالة من التعاضد والتآلف المجتمعي القادرة على استيعاب الجميع من دون استثناء، صحيح أن الأكثرية في سوريا هي عربية، لكن لا ضير في وجود إثنيات ومكونات أخرى، فهم سوريون بالتأكيد، ولهم حقوقهم الثقافية واللغوية بكل تأكيد”.
وفي ما يتعلق بإمكانية استيعاب المناهج التعليمية للتعدد اللغوي والثقافي، يقول سعدو إن عملية الاستيعاب أمر طبيعي، فالمجتمع السوري متنوع، ويضم لغات متعددة وإثنيات مختلفة، وهذا التنوع واضح ولافت.
ويلفت إلى أن هذا التنوع لا ينبغي أن يُنظر إليه على أنه عامل يؤثر سلباً في طبيعة تكوين المجتمع السوري الموحد، مؤكداً أن المجتمع السوري واحد، وأن الوطنية السورية واحدة. إذ لا يمكن أن تقوم هذه الوطنية إلا على أساس استيعاب هذا التعدد، ولا ضير في أن يعكس المنهج التعليمي هذا الواقع، لأن التعدد أمر طبيعي في الحياة، واحترام ثقافات الشعوب مسألة مهمة جداً، ولا سيما في الإطار الوطني السوري، ومن جانب السوريين والحكومة السورية.
وفي الوقت نفسه، يؤكد أن المناهج بحاجة إلى التطوير والتحديث، كما أنها تحتاج إلى العمل عليها بصورة جدية خاصة أن هذا الملف يمثل جزءاً مهماً مما أوصلت الثورة السورية السوريين إليه، وبالتالي لا بد من العمل حالياً على إعادة كتابة المناهج وإعداد مناهج مختلفة وجديدة ومتطورة.
ويضيف أن المطلوب هو القطع مع الماضي السيئ، الذي قام على التنافي والتنافر بدلاً من التآزر والتضافر. مشيراً إلى أن نظام البعث، وكذلك نظام بشار الأسد ووالده، عملوا وأسهموا في تكريس هذه الحالة.
ويشدد الكاتب الصحفي على أن المناهج المدرسية يفترض أن تعكس جميع هذه التنوعات والهويات الموجودة في سوريا، لافتاً إلى أن البلاد تضم هويات ومكونات متعددة. ومؤكداَ في الوقت نفسه أن التركيز في النهاية يجب أن يكون على الهوية الوطنية السورية الجامعة والموحدة، التي تستوعب هذا التنوع وتحافظ على وحدة المجتمع السوري.
وفي السياق نفسه، يقول الصحفي نبيل شوفان لـ “963+”، إنه قبل عام 2011، كان التعليم السوري شديد المركزية، إذ كانت وزارة التربية تحدد المناهج والكتب والامتحانات، فيما كانت العربية الفصحى لغة التعليم الرسمية، وبُني جزء كبير من الهوية المدرسية على مفاهيم القومية العربية والدولة المركزية.
ويضيف: “وثقت دراسات أكاديمية حديثة كيف أن مناطق السيطرة المختلفة أنشأت مناهج وبرامج تعليمية خاصة بها، بدءاً من حكومة نظام البعث، مروراً بالإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، والحكومة السورية المؤقتة، وحكومة الإنقاذ في إدلب، وصولاً إلى تنظيم “داعش” الذي أنشأ، خلال فترة سيطرته، منظومته التعليمية الخاصة.
ويشير شوفان، إلى أن الوضع يشهد اليوم تحولاً مهماً، لكنه لم يصل بعد إلى نظام وطني متكامل ومتعدد اللغات والثقافات، لافتاً أن أبرز التغييرات حدثت في عام 2026، مع بدء تنفيذ المرسوم رقم 13، والاعتراف بالكردية لغةً وطنية وإدخالها رسمياً إلى التعليم.
ويوضح أن الترتيبات توسعت لاحقاً من تدريس الكردية كمادة دراسية إلى ثلاث حصص أسبوعياً، مع احتساب علامتها، وإتاحة دراسة التاريخ والجغرافيا والدراسات الاجتماعية والفلسفة بالعربية أو الكردية خلال المرحلة الانتقالية، معتبراً أن ذلك يعني الانتقال، ولو جزئياً، من مجرد تعليم اللغة إلى التعليم باللغة.
وفي السياق ذاته، يضيف شوفان أن الحكومة السورية الجديدة ورثت نظاماً تعليمياً مجزأً إذ وثقت اليونيسف وجود مناهج حكومية وكردية ومناهج للمعارضة وبرامج تعليم بديلة، إلى جانب مشكلات تتعلق بالاعتراف بالشهادات وإمكانية انتقال الطلاب بين الأنظمة التعليمية المختلفة.
ويؤكد أن إدخال الكردية يمثل تقدماً واضحاً، لكنه لا يكفي، حتى الآن، للقول إن سوريا تمتلك سياسة تعليمية متكاملة ومتعددة اللغات والثقافات. مشيراً إلى أن الاختبار المقبل يتمثل في تحويل الاعتراف بالتنوع إلى نظام وطني شامل يحدد مكانة مختلف اللغات، ومتى تُدرس كمادة، ومتى تُستخدم لغةً للتعليم، مع الحفاظ على العربية لغةً مشتركة بين السوريين.
وفي ما يتعلق بالمناهج، يقول الصحفي السوري المقيم في فرنسا إن المناهج الحالية تبدو واقعة في منطقة انتقالية بين نموذجين فقد أزالت الحكومة السورية الجديدة جزءاً كبيراً من السردية البعثية وتمجيد بشار الأسد، وأدخلت ثورة عام 2011 وجرائم النظام السابق إلى الرواية التاريخية، مضيفاً أن الاعتراف الرسمي بالكردية في عام 2026 جاء ليكسر أيضاً جزءاً من المركزية اللغوية التي ميزت التعليم السوري لعقود.
ويؤكد شوفان أنه لا يمكن القول حتى الآن إن الحكومة السورية أنشأت منهجاً تعددياً، كما لا يمكن القول إن نموذجاً أحادياً جديداً قد استقر بالفعل. مضيفاً أن النقاش انتقل، في المقابل، إلى مستوى أكثر جوهرية، وأصبح يدور حول مضمون التعددية نفسها. بالتالي فإن الحكومة تواجه تحديين متلازمين: أولهما توحيد نظام تعليمي قسمته الحرب، وثانيهما ضمان ألا يتحول هذا التوحيد إلى فرض هوية واحدة.
ويتابع: “التوحيد يفتح مباشرة قضية الهوية: من سيكتب التاريخ الجديد؟ وكيف سيمثل الكرد والسريان والأرمن والآشوريون والطوائف والمكونات المختلفة؟ وهل ستضع الوزارة المنهج بصورة منفردة، أم ستشارك في صياغته لجان تضم مؤرخين وتربويين وممثلين عن المكونات والمجتمع المدني؟”.
ويلفت إلى أن وزارة التربية تقول من جانبها إنها تريد الانتقال من الحفظ والتلقين إلى التفكير والتحليل والاستنتاج، إلى جانب تطوير الامتحانات وطرائق التدريس، مشدداً على أن هذه الأهداف تصطدم بتحديات كبيرة على مستوى الموارد والإمكانات، إذ ما تزال آلاف المدارس متضررة، وملايين الأطفال خارج التعليم، فيما تعاني البلاد نقصاً في المدرسين والمواد التعليمية والبنية التحتية. وبحسب أرقام وزارة التربية، هناك نحو 2.4 مليون طفل خارج التعليم، بينما تشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 40 في المئة من المدارس متضررة، وأن نحو 8,000 مدرسة تحتاج إلى إعادة تأهيل.
وفي ختام حديثه، يؤكد شوفان أن نجاح السلطات الجديدة سيُقاس بقدرتها على إنتاج نظام تعليمي موحد في الحقوق والمعايير، ومتعدد في اللغات والذاكرة الثقافية، ويمنح جميع الطلاب شهادة متساوية القيمة وفرصًا تعليمية متكافئة.
المصدر: 963+






