باب المندب.. حين تصبح الجغرافيا سلاحاً

  صفوان جمّو

لماذا تعود النار إلى باب المندب في هذا التوقيت؟ وهل ما يجري في الساحل الغربي لليمن مجرد فصل جديد من الحرب اليمنية، أم أنه جزء من صراع أوسع يعيد رسم معادلات القوة في الشرق الأوسط؟

التطورات الأخيرة تفرض السؤال بقوة. فقد تمكن الحوثيون خلال أيام من السيطرة على مدينة وميناء المخا، والتقدم نحو ذباب والوصول إلى جزيرة ميون عند مدخل باب المندب، مع امتداد العمليات إلى مناطق وجزر أخرى في البحر الأحمر. وبذلك انتقل الصراع من جبهات يمنية داخلية إلى منطقة تمس أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

أهمية المخا لا تكمن في المدينة وحدها، وإنما في موقعها. فالجغرافيا هنا تتحول إلى جزء من السلاح. والاقتراب من باب المندب يمنح الطرف المسيطر قدرة أكبر على مراقبة حركة الملاحة وتهديدها، وإن كانت السيطرة على الساحل أو ميون وحدها لا تعني القدرة على إغلاق المضيق. فتهديد الملاحة يحتاج إلى منظومة من الصواريخ والطائرات المسيّرة وأسلحة مضادة للسفن والاستطلاع وغيرها.

لكن حتى من دون إغلاق المضيق، يكفي ارتفاع مستوى الخطر لكي ترتفع تكاليف التأمين والنقل، وتضطر شركات الشحن إلى تغيير مساراتها. وهذا ما حدث بالفعل خلال السنوات الماضية، إذ تراجعت حركة الملاحة في البحر الأحمر بصورة كبيرة نتيجة هجمات الحوثيين. وتشير تقديرات حديثة إلى انخفاضها بنحو 60 في المئة منذ بدء الهجمات أواخر 2023.

وتزداد خطورة المشهد لأن أزمة باب المندب تتزامن مع أزمة مضيق هرمز. والمضيقان، وإن كانا منفصلين جغرافياً، يمثلان عقدتين أساسيتين في شبكة الطاقة والتجارة التي تربط الخليج بالأسواق العالمية. وإذا اجتمعت المخاطر فيهما، فإن التأثير لن يبقى محصوراً في اليمن أو السعودية أو إيران، بل قد يصل إلى أسعار الطاقة والنقل والتأمين وسلاسل الإمداد العالمية.

وهنا تظهر الورقة الإيرانية. فطهران لا تحتاج إلى السيطرة المباشرة على باب المندب كي تستفيد من الضغط عليه؛ وجود حليف قوي لها بالقرب من هذا الممر يمنحها ورقة إضافية في مواجهة خصومها. ومن هذه الزاوية يصبح اليمن جزءاً من صراع إقليمي أوسع، تتداخل فيه الجغرافيا مع السياسة والطاقة والأمن.

لكن السؤال الأكثر إلحاحاً هو: إلى أي مدى تستطيع السعودية تحمل هذا الضغط؟

المملكة لا تواجه تهديداً من الجنوب فقط، بل أصبحت طرق تصدير النفط أيضاً جزءاً من دائرة الخطر. وقد أغلقت الرياض مؤقتاً خط أنابيب الشرق–الغرب بعد هجوم بطائرات مسيّرة، وهو مسار مهم لتصدير النفط بعيداً عن هرمز، فيما تحدثت تقارير عن تراجع صادرات النفط السعودية خلال التطورات الأخيرة.

أما واشنطن، فتبدو أمام معادلة صعبة. فهي لا تريد، وفق المعطيات الحالية، فتح جبهة عسكرية مباشرة جديدة مع الحوثيين، وتتركز مساعدتها للسعودية على تبادل المعلومات الاستخبارية والدعم غير المباشر.

هذا الحذر الأميركي مفهوم في ظل اتساع رقعة الحرب، لكنه يطرح سؤالاً أكبر: ماذا لو أصبحت الولايات المتحدة أقل استعداداً لخوض الحروب نيابة عن حلفائها؟ وهل تستطيع دول المنطقة بناء منظومة أمن لا تعتمد بالكامل على المظلة الأميركية؟

من هنا تكتسب اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان أهمية خاصة. الاتفاق الموقع في أغسطس/آب ينص على أن أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد اعتداءً عليها جميعاً، وقد بدأت الدول الثلاث لاحقاً في بناء آليات مؤسساتية لتطوير التعاون الدفاعي.

لكن قيمة الاتفاق ستتحدد عندما يُختبر في الواقع، لا في البيانات. فهل يتحول إلى نواة لمنظومة أمن إقليمية حقيقية، أم يبقى إطاراً سياسياً يحتاج إلى وقت طويل حتى يتحول إلى قدرة عسكرية فعلية؟

ويبقى السؤال الأكثر حساسية: هل يؤدي استمرار الضغط على السعودية، من اليمن والبحر الأحمر إلى منشآت الطاقة، عملياً إلى إبقاء المنطقة في حالة استنزاف دائم؟

ليس من المنهجي الحديث عن «تواطؤ» بين واشنطن وإسرائيل وإيران من دون أدلة تثبت وجود تنسيق مشترك. لكن تقاطع المصالح ممكن حتى بين أطراف متناقضة. والسؤال هنا ليس من يتآمر على من، وإنما: من يستفيد من بقاء القوى العربية الرئيسية منشغلة بأمنها المباشر، ومن تأخر بناء منظومة أمن إقليمية مستقلة؟

ما يجري في اليمن، إذن، ليس معركة يمنية فقط. إنه اختبار للتحالفات الجديدة، ولقدرة السعودية على حماية مصالحها، ولمدى استعداد واشنطن لمواصلة دورها الأمني التقليدي.

من هرمز إلى باب المندب، تبدو المنطقة أمام مرحلة يصبح فيها البحر جزءاً من المعركة السياسية. فحين تتحول الجغرافيا إلى سلاح، لا تعود السيطرة على الأرض وحدها هي القضية، بل السيطرة على ما يمر عبرها.

وقد تكون المخا وميون مجرد بداية لفصل جديد من صراع الشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى