دماء في ساحة الغنم.. ذكرى مجزرة دوما الدامية

د. أمين صعب

​تتمرّ علينا الذكرى لتُعيد فتح جراح لا تُندمل، وتُوقظ في الذاكرة تفاصيل يوم أسود من أيام الأوجاع السورية، وهو يوم يضاف إلى سجل جرائم نظام الأسد الممتد منذ عام 2011، والذي اتسم بانتهاكات واسعة النطاق وثقتها التقارير الحقوقية والدولية. ففي يوم الأحد بتاريخ 16 آب 2015، شهدت مدينة دوما واحدة من أبشع مجازر النظام وأكثرها دموية في تاريخها الحديث، وهي مجزرة “ساحة الغنم” (سوق الخضار)، التي خلّفت أكثر من 110 شهداء وأزيد من 300 جريح في ساعات معدودات.

​لم تكن تلك المجزرة مجرد رقم يُضاف إلى إحصائيات الموت، بل كانت ملحمة ألم وقهر وثبات. لقد تحولت النقاط الطبية والمشافي الميدانية يومها إلى ساحات حرب حقيقية؛ فالتدفق الهائل للجرحى فاق قدرات الطواقم الطبية والمستلزمات المتاحة بأضعاف مضاعفة نتيجة الحصار الخانق الذي فرضه النظام كأداة ضغط عسكري وسياسي، مانعاً دخول الغذاء والدواء. كان المصابون يُصنفون على عجل بحسب خطورة إصاباتهم، وسط ازدحام خانق وطوفان من الأوجاع. وكثير من الجرحى ارتقوا شهداء وهم منتظرون دورهم على أبواب غرفة العمليات، صابرين محتسبين، بينما أُجبر الكادر الطبي على معالجة أعداد غفيرة من المصابين في أماكنهم على الأرض لعدم توفر الأسرة وسعة الأقسام.

​في تلك الأيام الحمراء، سُطّرت ملاحم الإنسانية بأحرف من دم ونار، في ظل سياسة القصف الممنهج وتدمير البنى التحتية والأحياء السكنية التي اعتمدها النظام كنهج ثابت. تقبل الله الشهداء قبولا حسنا، وكتب أجر كل فرد من الكوادر الطبية والتمريضية والإسعافية، وكل مرابط بذل وسعه وأنقذ روحاً أو خفّف ألمًا. أولئك الأبطال الذين وقفوا في خط النار الأول، وواجهوا آثار الاعتقال التعسفي والتعذيب الممنهج الذي مارسه النظام في سجونه، لو أنصفناهم لخلدنا أسمائهم في لوحات الشرف والجهاد الإنساني والبطولة المطلقة.

​إننا ملزمون بتوريث تلك الأيام الحمراء وتفاصيل تلك التضحيات للأجيال القادمة، فالإنسان ابن تصوراته، ووعي الذاكرة هو الحصن الذي يحمي الهوية ويحفظ دماء الأبرياء من أن تمحوها ريح النسيان أو محاولات طمس الحقائق التي يمارسها مرتكبو هذه الجرائم.

​رحم الله شهداء مجزرة دوما، وألهم قلوب الصابرين السلوان، ولتبقى دماء الأطهار بوصلةً للحق والعدالة حتى محاسبة المجرمين ونيل العدالة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى