في سبيل برنامج للتغيير الوطني (د. جمال أتاسي – 1983)الحلقة الثانية

قلنا أن النكستين الكبيرتين اللتين كانت لهما انعكاساتهما السلبية على مشروع نهوض الأمة وثورتها في مرحلة عبد الناصر، وجاءتا دلالةً على جوانب القصور والضعف فيه، كانت نكسة الإنفصال التي قضت على أول إنجاز وحدوي ثوري، ثم هزيمة حزيران التي سجلت اندحاراً للأمة في مواجهة أعدائها.

ولقد جاء الرد على الانفصال، العمل على تجذير الثورة الوطنية في أرضها، والدفع بمهمات الثورة الاجتماعية إلى المقدمة، في محاولة لاقتلاع قوى الردة، المتمثلة في تحالف الاقطاع ورأس المال من جذورها الاقتصادية والاجتماعية وكذلك تدمير الجسور والعلاقات التي مدها ذلك التحالف للرأسمالية العالمية والهيمنة الأجنبية والتي كانت تفرض التابعية . والعمل على النهوض بالإرادة الشعبية الوطنية المُجسَدة في تحالف قوى الشعب المنتجة (تحالف قوى الشعب العامل) لتكون السائدة والمُهيمنة على بنى الدولة والمجتمع والمُقرِرَة لسياساتها والمُسيطرة على وسائل الانتاج وتوجيه التنمية الاقتصادية لما فيه تلبية حاجات الشعب وتعزيز القوة الوطنية والاستقلال الوطني . ولكن تلك الخطوات الثورية، إذا ما جاءت من خلال قيادة عبد الناصر، متجاوبة مع حاجات الطبقات الشعبية العريضة ومع مشاعرها وتطلعاتها، وإذا ما استطاعت أن تسير خطوات متلاحقة في تسييس الجماهير ونقل الشعب إلى طورٍ جديد في وعي مصالحه وقضاياه، طورٌ أصبحت للشعب فيه تطلعات موحدة ومصالح متكاملة وثقافة وطنية مشتركة، فإنها لم تتقدم كثيراً بمبادراته ولم تنهض به ممارسةً وتنظيماً إلى مواقع الهيمنة على السلطة وفرض سيادته كما كانت تقول المبادئ الدستورية والأهداف الديمقراطية المعلَنة، بل ظل نظام الحكم بيروقراطياً تهيمن فيه البيروقراطية العسكرية والمدنية والتي أخذت من خلال اتساعها وما صاغته من روابط وعلاقات ومن خلال ما أوكلَ إليها من مهمات، وما وُضع بين أيديها من مصالح طبقة سائدة، بل وعازلة بين الشعبِ وقيادته الثورية لتصبح السياسة الداخلية سياسة أجهزة دولة، والاشتراكية اشتراكية حكم، والخطط الاقتصادية والتربوية والثقافية مسيطر على تنفيذها من بيروقراطية الدولة، بل والعمل الشعبي والتنظيمات الشعبية نفسها لم تأخذ حريتها في امتلاك مبادراتها الذاتية . بل أصبحت مُسيرة ومُسيطَر عليها وعلى نشاطاتها ومبادراتها من بيروقراطية الدولة وأجهزتها الإدارية والبوليسية .

وجاءت هزيمة حزيران بمفاجآتها، لتكشف ما كان من هشاشة في البنيان الذي صنعته وموهت عليه تلك البيروقراطية، بل تلك الطبقة السائدة الجديدة الآخذة بالتبرجز والتي نمت واتسعت في ظل «اشتراكية الدولة» ودبَ فيها الفساد بحكم غياب الرقابة الديمقراطية لقوى الشعب المنتجة عليها والتي لم تؤدِ المهمة الموكلة إليها كوسيطة بين الشعب وقيادته الثورية والمجسدة في القيادة السياسية والتاريخية لعبد الناصر، بل كانت عازلاً بينهما ومموهاً عليهما، وفي أحضان تلك الطبقة الجديدة، وفي غياب الديمقراطية المباشرة، أخذت تتشكل منذ ذلك الحين مراكز الهيمنة والسيطرة وبوادر التحالف بينها وبين البورجوازية الطفيلية الوسيطة، أي القاعدة الأولى للردة وللثورة المضادة التي جاءت فيما بعد، وكانت تقوم بالردة عند الهزيمة ومنذ ذلك الحين، لولا أن حركة الجماهير كانت ما زالت حاضرة، بكل التزاماتها وإحساسها بالمسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقها، وبكل تفاعلها مع حركة الجماهير والتحامها بمصالحها وأهدافها .

وهكذا فلقد ظهرت بوادر يقظة جديدة، في أعقاب هزيمة حزيران وصدمتها الأولى، وقامت حركةُ نقدٍ ومراجعة ودفعٌ على طريق التغيير، تغييراً كان المطلوب أن يسد الثغرات التي نَفذ منها الضعف ونَفذت منها النكسات والهزائم، لتوضع الأمة من جديد في مسار مشروعها الثوري القومي الديمقراطي، ذلك المسار الذي بات واضحاً أنه لم يعد يحتمل أية نكسة أو هزيمة . فأعداء الأمة والمتربصين بها ما خططوا للعدوان إلا لتأتي الهزيمة إنهاء لمرحلة عبد الناصر وهزيمة لمشروع تحرر الأمة ووحدتها. ومن هنا جاء تصميم عبد الناصر قاطعاً، بعد أن رفعته حرمة الجماهير من جديد تحت شعار «إزالة آثار العدوان»، وأن لا بديل عن النصر في معركة الأمة هذه مع أعدائها . ولقد أعطى تصميم قيادة عبد الناصر لمعركة «إزالة آثار العدوان» ما أعطى، وما أعطاه كان كبيراً وبرزت ثماره عسكرياً وشعبياً في حرب تشرين عند بداياتها وفي أيامها الأولى وتجلت في الروح القتالية للجيوش، وفيما خلقته من روح عامة لدى الأمة العربية كلها . ولكن الأمور ما لبثت أن وُضعت في غير مجراها، لتنقلب شر منقلب، ذلك أن القيادة التي وَجهت حرب تشرين ومسارها، لم تكن القيادة التي حملت التصميم السابق، بل نقيضها التي احتلت بالخدعة والمناورة مكانها، فقوى الردة كانت قد أخذت بالهيمنة من قبل حرب تشرين وبعد غياب عبد الناصر، وكانت قد أخذت زمام المبادرة لتنقلب على ذلك المسار التاريخي كله، لتجعل من حرب تشرين، لا طريقاً إلى دحر العدوان ولا أن «نسترد بالقوة ما أخذ منا بالقوة»، ولا سبيلاً إلى تجديد تلاحم الأمة لتواصل كفاحها على طريق أهدافها الكبرى، بل جاءت تلك الحرب نتائجها، من حيث النهج الذي مشت فيه القيادة السياسية “الساداتية” الجديدة، جاءت نكبة للأمة، وجاءت ضد الأمة وضد المشروع الأصلي لثورتها وتحررها .

إن النصر الوحيد الذي تحقق في حرب تشرين منذ القبول المتواطئ بوقف إطلاق النار، وما أعقبهُ من “فصل للقوات”، وتدفق السياسة الأمريكية على المنطقة، ومعها تدفق السياسات والأموال النفطية، هو انتصار قوى الثورة المضادة ضد النهج الثوري للأمة، وانتصار الطبقة الطفيلية الجديدة الصاعدة إلى السلطة ضد الشعب والإرادة الشعبية، أي انتصار الحكام واندحار حركة الجماهير، اندحاراً لم تقوَ بعده على النهوض، وكأنها أطلقت آخر ما جعبتها في بداية حرب تشرين ثم انفضي، بعد الخيبة الكبرى وتسلط الاستبداد والقسر .

فحرب تشرين مع جملة الظروف التي تقدّمتها وأحاطت بها، وجملة النتائج التي أسفرت عنها، مصرياً وعربياً ودولياً، أثمرت نتيجتان:

أولاهما: إخراج مصر من معركة المصير العربي، ومن معركة الأمة مع أعدائها، وإسقاط دورها القيادي ومكانتها كمرتكز استراتيجي أساسي، الدور والمرتكز اللذان لا معوض عنهما للأمة في هذه المرحلة من مراحل تاريخها، ولا بديل لهما في مشروع ثورتها القومية التحررية الوحدوية .

وثانيهما: إدخال سلاح النفط قائداً وبديلاً، ذلك السلاح الذي تجنب أن يدخل معارك الأمة قبلها، ودخلها هذه المرة بكل مقوماته السياسية الموروثة، وبكل سلطانه وأمواله وعلاقاته المربوطة من كل جوانبها بعلاقات التابعية للقوى الرأسمالية والإمبريالية العالمية، وليوظف في جانب منه في خدمة صعود العلاقات البرجوازية الجديدة والتابعة إلى الحكم في أقطار الوطن العربي وتنمية استغلالها وسيطرتها، وفي الإحاطة بسياساتها وعلاقاتها، وتغذية تابعيتها اللاوطنية واللاقومية .

تحت شعار السلام وليحل الهدوء والاستقرار في ربوع المنطقة خرج السادات بمصر وذهب إلى إسرائيل وإلى «كمب ديفيد». وتحت اسم تغذية قوى الصمود في الأمة وتنمية قوة الأمة دخلت من طرف آخر أموال النفط السياسية العربية من كل أبوابها . ولكن إخراج السادات لمصر لم يأتِ بالسلم والا بالسلام، بل أجهز على كل أمل بالسلام ووضع الأمة على طريق الاستسلام . إنه وضعَ مصر في غير مكانها الطبيعي ووضعها بالقسر على طريق غير طريقها الذي مشت فيه أجيال من المناضلين، عبر تضحيات لا تُقدر، ليربطها في النهاية بمعسكر أعدائها . ولم تصل القيادة الساداتية إلى ما أوصلت إليه مصر والأمة، إلا بعد أن فرضت عقلية الفرد المُطلقة على الدولة، وبعد أن وضعت سلطات الدولة ضد الشعب ودمرت إرادة الشعب لتأخذ قوى الردة دورها الكامل في الانقضاض على كلِ ما بنته مرحلة النهوض الناصري .

أما قوة النفط وأموال النفط الموضوعة تحت تصرف الفئات والأسر الحاكمة، فهي ولو أنها رفعت شعارات مختلفة واتبعت سياسات مغايرة، فلقد وُظفت من حيث النتيجة لخدمة الأغراض ذاتها التي خدمتها السياسة الساداتية، الأغراض التي تهدف إلى تفتيت الأمة ووضعها في مسار آخر غير المسار الذي تقدمت عليه، وقطع طريق ثورتها القومية الوحدوية، لوضعها على طريق الردة والتابعية . إنها وُظفت في خدمة تسلط النظم على شعوبها وعززت إقليميتها وانقساماتها، كما وُظفت لتنمية تلك الطبقة البرجوازية الطفيلية سواء تلك المُتبرّجزة في مواقع السلطة والتي سخرت الدولة ومؤسساتها وإداراتها وأجهزتها ومواقع هيمنتها لخدمة مصالحها الخاصة واستغلالها الجشع، أو تلك الوسيطة لها المتحالفة معها، وهذا ما قاد أيضاً لتنمية وتوسيع التابعية الاقتصادية للرأسمالية الدولية وحركة سوقها ونهجها الإمبريالي في التعامل والتبادل بينما يفقد الاقتصاد الوطني شيئاً فشيئاً كل مقوماته الاستقلالية والوطنية. كما وُضعت أموال النفط وثروات البلاد بالإضافة إلى اقتطاعات كبرى من القروض والمساعدات، وأساليب استثمارها الداخلية والخارجية، في خدمة تحويل المجتمعات العربية (من مجتمعات تشق طريقها للخروج من طرُزْ انتاجها وعلاقاتها الانتاجية إلى طرُزْ إنتاجية وطنية وعلاقات انتاجية حديثة تعمل لتلبية حاجات الشعب في مجموعهِ وتبني عن طريق إصلاحها الزراعي وصناعاتها المتنامية وطرق توظيف استثماراتها، إطاراً لتكامل اقتصادها الوطني وتنميته وحمايته، ومناخاً لتضامن مصالح فئاتها الاجتماعية وطبقاتها المنتجة وتَقلُص تناقضاتها والفروق بينها … )، تحويلها إلى مجتمعات استهلاكية تسوسها وتحرك تبادلاتها الحاجات الكمالية للطبقة السائدة من قبل أن تستوفي الحاجات الضرورية لحياة جماهير شعبها، ولتُنمي بسرعة فائقة طبقة رأسمالية جديدة (طفيلية وتابعة) لم يشهد لها التاريخ مثيلاً في جشعها واستغلالها، وفي فسادها وإفسادها واستباحتها لكل الوسائل، وفي نمو ترفها وتضخم ثروتها وامتداد تأثيرها وآثارها، وانعكاسات ذلك على البنى الاقتصادية والثقافية والأخلاقية للمجتمع، وعلى الدولة ومؤسساتها وإدارتها وخدماتها، ليتعمم الفساد ويسري إلى كل المصالح والعلاقات ويفعل فعلهُ في تفكيك الروابط الاجتماعية بل وإلى إفساد البيئة والطبيعة، فلقد تنامى وتعاظم معها الاستبداد، وتملكت قوى السلطة والحكم كل الوسائل المادية للسيطرة والتحكم في حياة الشعب ومعاشه ورزقه، كما أخذت بكل الوسائل التكنولوجية المتاحة للدعاية والإعلام، ولقهر العقول والأبدان، وإحكام الرقابة والتجسس على المواطنين، وتنظيم وسائل وأدوات الإرهاب السلطوي .

هذا بالنسبة للطبقات الحاكمة، وعلى صعيد الدولة، السلطة التي لم تعد إلا نظُم تسلط واستغلال، دول تحولت ضد الشعوب وأن يكون لهذه الشعوب إرادة فاعلة وحرة، أي ضد أن تصبح هذه الشعوب أمة، ودول سلطة تضع مصلحتها الفئوية فوق مصلحة الأمة ولتصبح دولة بلا أمة . أما على صعيد المجتمع المدني وعلى المستوى الشعبي، فإن الشعب الذي فتحت أمامه مرحلة النهوض، أبواب التقدم ليخرج من مواقعه التقليدية الراكدة التي كان يحتمي بها ضد الهيمنة الأجنبية وضد التمثل، ليتوجه باتجاه أن يصبح أمة ناهضة بين الأمم الحديثة، فهو ومن معاناته من هذا القسر والقهر والاستغلال السلطوي الجديد، وأمام صعود هذا النهج في السيطرة والتحكم، عاد القهقرى إلى روابطه التقليدية والقديمة ليدافع عن نفسه من مواقعها التي فات أوانها، وأصبح هذا الشعب وفي كثير منه، لا يرفض النظم الراهنة ومعطياتها فحسب، بل ويرفض كل معايير التقدم التي تدعيها، بل ويمضي إلى التشكيك بمعايير المرحلة السابقة وشعاراتها، إذ هي معايير وشعارات مازالت ترفعها النظم القائمة وتزين بها إيديولوجياتها الطوباوية ولو أنها تمارس نقائضها .

وهكذا ففي ظل حكم طبقة ربها المال، ونهجها التسلط والاستغلال، وهويتها التابعة للقوى الدولية والرأسمالية العالمية، وفي ظل نظم تمارس نمطاً استعمارياً داخلياً في حكم شعوبها فإن قوى الديمقراطية التي وقفت في معارضة النظم، أو ظلت خارج أطر هيمنتها والولاء والتابعية لها، قد مُزقت بشتى الوسائل ووُضعت في السجون المؤبدة وشُتت، أو وُضعت بالإرهاب والقسر على هامش الحياة السياسية وعُزلت عن الشعب، وانكفأت أكثر القواعد الشعبية إلى روابطها القديمة، ونكصت في علاقاتها الاجتماعية وتعبيراتها الإيديولوجية إلى علاقات وتعبيرات المجتمع ما قبل القومي، بل وما قبل الوطني وما قبل الطبقي، أي إلى العشائرية والعائلية والطائفية . ثم أن هذه الأوضاع والانقسامات ذاتها لا تفتأ تلك النظم الشبه مملوكية، تغذيها وتستغل عصبياتها وتناقضاتها، لتقطع الطريق أمام أي تلاحم وطني أو نهوض شعبي في مواجهتها، وأمام أي دفع من الشعب لحركة تغيير تزعزع أركان هيمنتها واستمرارها .

إن هذه الحالة من الارتداد والتردي، ومن تحكم الأقلية والاستبداد والظلم وتراجع الحركة الشعبية والنضال القومي، تختلف ولا شك بين قطر وآخر، ولكن من حيث الدرجة فقط، والأقطار التي كانت أشد دفعاً على طريق التحرر والتقدم والوحدة، هي التي اتخذناها نموذجاً وكان تركيزنا عليها أكبر، لأن ارتدادها كان أخطر، كما تسود فيها أشد النظم استبداديةً وأفحشها قسراً للشعب وظلماً.

– الجزء الأول

المصدر: صفحة عبد الباسط حمودة

1
1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى