لم تبدأ تضحيات كوادر حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي مع الثورة السورية المجيدة، بل إنهم كانوا أصحاب مواقف معارضة لحكم آل الأسد قبل عام 2011، وعرفوا الملاحقة الأمنية والاعتقال والتهديد، لكنهم لم يغيّروا قناعاتهم عندما تحولت المطالبة بالإصلاح والحرية إلى ثورة شعبية. ومن بين هؤلاء كان الشهيد المهندس صبحي عبد الله خبية (أبو ماجد).
وُلد في مدينة دوما بتاريخ 2 كانون الثاني 1961، وتابع دراسته حتى نال شهادة في الهندسة الميكانيكية. جمع بين حياته المهنية واهتمامه بالشأن العام، وظلّ حاضراً في النشاط السياسي لسنوات طويلة، حتى أصبح من الوجوه المعروفة في أوساط المعارضة الوطنية في مدينته.
انتمى إلى حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي عن قناعة، وكان من الكوادر التي رأت في العمل السياسي مسؤولية مستمرة، لا ترتبط بظرف أو مناسبة. ومع مرور السنوات، بقي ثابتاً على موقفه المعارض للاستبداد، ولم يتراجع رغم ما كانت تفرضه تلك المرحلة من مخاطر وملاحقات.
ولم تبدأ معاناته مع أجهزة الأمن مع انطلاق الثورة بل سبقتها بسنوات طويلة. فقد تعرّض للاعتقال مرتين، الأولى في عهد حافظ الأسد بسبب نشاطه السياسي المعارض، والثانية في عهد بشار الأسد قبل اندلاع الثورة السورية، في رسالة واضحة بأن أصحاب الرأي الحر كانوا مستهدفين مهما تبدلت الوجوه وبقيت طبيعة السلطة على حالها. ومع ذلك لم تدفعه الاعتقالات إلى الانكفاء أو الصمت، بل زادته تمسكاً بقناعاته وإيماناً بحق السوريين في الحرية والكرامة.
وكان أبو ماجد مثقفاً واسع الاطلاع، شغوفاً بالقراءة واقتناء الكتب. امتلك مكتبة كبيرة ضمّت عدداً من أمهات الكتب والمراجع الفكرية والسياسية والتاريخية، وكان يرى أن المعرفة جزء أساسي من معركة التغيير، وأن الوعي هو السلاح الأول في مواجهة الاستبداد. لذلك لم يكن حضوره السياسي منفصلاً عن ثقافته، بل كانت قراءاته العميقة تنعكس في مواقفه ونقاشاته ورؤيته للشأن العام.
ومع انطلاق الثورة السورية في آذار عام 2011، كان أبو ماجد من أوائل المنخرطين فيها. لم يكتفِ بالمشاركة في الحراك، بل ساند الجهود الإنسانية التي رافقت المظاهرات، وساهم في إسعاف المصابين وتقديم ما يستطيع من دعم، مؤمناً بأن الوقوف إلى جانب الناس واجب لا يقل أهمية عن أي نشاط سياسي.
في الرابع والعشرين من نيسان عام 2012، داهمت قوات النظام مشفى حمدان في مدينة دوما، واعتقلت المهندس صبحي خبية أثناء وجوده هناك لمعالجة المصابين من المتظاهرين. ومنذ تلك اللحظة انقطعت أخباره، ليبدأ فصل جديد من المعاناة لعائلته، التي وجدت نفسها تواجه الغياب القسري دون أن تعرف إلى أين اقتيد أو ماذا ينتظره.
عندما اعتُقل، كان قد ترك خلفه زوجته وأطفاله الأربعة، وكانت ابنته الكبرى ميار، المولودة عام 1999، لا تزال في الثالثة عشرة من عمرها. كبر الأبناء على أمل أن يعود والدهم يوماً، لكن السنوات مضت وهو مغيّب في سجون النظام، بعد أن صدر بحقه حكم عن إحدى المحاكم الميدانية، في واحدة من المحاكمات التي افتقدت إلى أبسط معايير العدالة.
لم تتوقف المأساة عند حدود الاعتقال. ففي السابع من تشرين الثاني عام 2015، استشهد ابنه مهند، وهو طفل لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره، نتيجة القصف الذي نفذه الطيران الروسي على مدينة دوما. رحل الطفل قبل أن يرى والده مرة أخرى، وبقي حلم لقائه معلقاً حتى لحظة استشهاده.
أما أبناؤه الآخرون، فقد واصلوا طريقهم رغم ما حملته السنوات من فقدٍ وألم. تدرس ابنته ميار الطب البشري، كما يدرس ابنه أمجد الطب البشري، بينما يتابع ابنه مؤيد دراسة الهندسة المدنية، في صورة تعكس إصرار هذه الأسرة على التمسك بالحياة رغم ما تعرضت له من خسائر قاسية.
يجسد المهندس صبحي عبد الله خبية نموذجاً لكثير من المناضلين الذين جمعوا بين العمل السياسي والواجب الإنساني، فكانوا هدفاً للاعتقال والإخفاء بسبب مواقفهم، لا بسبب ارتكابهم أي جرم. لقد اختار أن يكون إلى جانب أبناء مدينته في أصعب الظروف، فكان الثمن سنوات طويلة من الغياب داخل سجون النظام.
وإذ يستذكر حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي أحد كوادره، فإنه يؤكد أن سيرة المهندس صبحي عبد الله خبية ستبقى جزءاً من ذاكرة الحزب، وشاهداً على مرحلة دفعت فيها أجيال كاملة أثماناً باهظة دفاعاً عن الحرية والكرامة. وسيظل اسمه حاضراً بين رفاقه وكل من عرف صدقه والتزامه، حتى وإن طال الغياب.
المصدر: صفحة حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي






