
كانت تونس على موعد مع التاريخ في بداية العشرية الثانية من هذا القرن، حين اختبرت السياقاتُ والمصادفات في هذا البلد بالذات مقولةَ الانتقال الديمقراطي، أو ما يرادفها من مقولات أخرى جرى تأويلها كثيراً، على غرار التحوّل الديمقراطي أو الدمقرطة، على الرغم من أنّ بعضهم يحترز من استعمال هذا المعجم كلّه المتناسل من الديمقراطية وصيغها، ويعتبر مقولاته ليبراليةً مموَّهة، ويفضّل عليها قاموساً آخرَ ينهل من الثورة، ويعتبر ما جرى مساراً ثورياً التُفّ عليه ووُئِد مبكّراً، وهي أطروحات ظلّ طيف من اليسار الراديكالي يردّدها على الرغم من صوته المبحوح. تجلّت هذه الاختلافات في محطّات عديدة وضعت النُّخب أمام خيارات متعدّدة وتسميات مختلفة، لعلّ من أهمها: مجلس لحماية الثورة أم هيئة عليا للإصلاح السياسي، محاكمات شعبية أم عدالة انتقالية، مجلس تأسيسي أم لجنة خبراء لكتابة دستور جديد أو تعديل الدستور القديم (دستور 1959)، قانون عزل شامل أم إجراءات محدودة لمنع رموز نظام زين العابدين بن علي من الترشُّح للانتخابات. توهّمت نخب العشرية تلك أنّها وضعت نهايةً لمقولات الاستعصاء الديمقراطي (أو هكذا خُيّل إلينا آنذاك)، وإلى الأبد. غير أنّ ذلك كلّه تفكّك لاحقاً وبشكل درامي محيّر، وعدنا إلى مربّع الاستعصاء الديمقراطي مجدّداً.
في نصّه المنشور أخيراً، وهو طويل يتضمّن تقييماً للمرحلة السابقة من لحظة اندلاع الثورة إلى اللحظة الراهنة، يشير حمّة الهمّامي (الأمين العام لحزب العمّال، الحزب اليساري الراديكالي)، إلى أنّه عارض جلّ الأنظمة، وسُجن جراء ذلك مراراً، وظلّ معارضاً لجلّ حكومات مرحلة عشرية الانتقال الديمقراطي، إلى تلك التباينات كلّها التي اخترقت الطيف السياسي التونسي، وتحديداً نُخب الثورة في تلك المحطّات، مبيّناً سلامة موقفه. وبقطع النظر عن صلابة ما قاله ودقّته، خصوصاً في ما يتعلّق بالمراجعات الضرورية التي دعا إليها، ويحصرها تقريباً في تحميل من حكموا المسؤولية وحدهم، فإنّ الأمر في الحالات كلّها مهمّ على أكثر من صعيد.
إذا افترضنا قبول قوى الدولة العميقة بالانسحاب إلى حدود ما قبل 25 يوليو، فإنّ الأمر لن يحلّ المشكلة، إذ يطرح على القوى التي استعادت ديمقراطيتها المفكّكة سؤالاً أصعب: من أين نبدأ؟
وعلى افتراض قبول الجميع بإجراء مراجعات عميقة وتقاسم الفرقاء مسؤولية الإخفاق بمقادير متفاوتة، بحسب ما ارتكبه كلّ طرف من أخطاء، وبحسب مساحة السلطة والموقع الذي احتلّه في منظومة الحكم السابقة، لن يحلّ هذا الأمر، على عظمته وأهميته، المشكلةَ التي ستبقى قائمةً، ذلك أنّ المسألة (في اعتقادي) أكثر تعقيداً ممّا يتوهّم بعضهم، وذلك لاعتبارات عديدة لعلّ أهمّها المساحات التي استحوذت عليها قوى الدولة العميقة بعد 25 يوليو (2021)، وسيكون من الصعب جدّاً التنازل عنها، خصوصاً أنّ تلك المناطق ليست مجرّد فضاء سلطوي، بل هي مصالح وموارد مادّية ورمزية منحتها مكانةً لم تكن تحلم بها لدواعٍ مختلفة أهمّها أنّ الأنظمة السياسية التي تعاقبت على حكم البلاد منذ الاستقلال كانت مجافيةً تماماً لأيّ قوى أخرى يمكن أن تنافسها على السلطة. لقد احتكر الفاعل السياسي، سواء أكان حزباً أم مركّباً يتألف من الحزب والإدارة والعائلة، النفوذ والسلطة والهيمنة. لم تخسر تونس انتقالها الديمقراطي، بل خسرت الجغرافيا السياسية الواضحة التي وزّعت المهام ورسمت الحدود وحدّدت طبيعة الفاعلين وهُويّاتهم. كانت هناك قواعد للعبة يبدو أنّها أصبحت عصية على الضبط.
وعلى افتراض قبول قوى الدولة العميقة بالانسحاب إلى حدود ما قبل 25 يوليو، فإنّ الأمر لن يحلّ المشكلة، إذ يطرح على القوى التي استعادت ديمقراطيتها المفكّكة سؤالاً أصعب: من أين نبدأ؟ وهذا السؤال لا يتعلّق بسلّم الأولويات الذي يحدّد لنا ما سنختار من مهام عاجلة ومؤكّدة لا تقبل التأجيل، بل يتعلّق بالمحطّة التي علينا أن ننطلق منها في مسار لم يكن مطلقاً خطّياً، ولم تكن نقطة انقطاع الطريق فيه واضحةً أيضاً. هل أُوقف المسار الديمقراطي حقيقة أم لفظ أنفاسه، وما الإجهاز عليه سوى إطلاق رصاصة الرحمة وإن بصورة سافرة غليظة؟
هذه أسئلة علينا الإجابة عنها إن كنّا معنيين باستعادة الديمقراطية حقيقةً. يجيب بعضهم، ومنهم عيّاض بن عاشور، عن بعض تلك الأسئلة بالقول إنّ تاريخ الثورات طويل ومتقطّع، ولا يخلو من ارتدادات وانتكاسات، ولكن يمكن تماماً أن تستأنف الشعوب ونُخبها تلك المسارات. أمّا بعضهم الآخر فيقول إنّ الانتقال الديمقراطي، بمساراته المختلفة، وفي نسخته التي جرّبناها في تونس، غدا “محروقاً”، ولا يمكن له، بوصفه معجماً أو خيالاً سياسياً أو عاطفةً ومشاعر ومهجة، أن يجمع الناس مجدّداً، وقد قاطعوه وانفضّوا من حوله، حتّى إنّهم كرهوا الديمقراطية والديمقراطيين والحقوقيين ومن لفّ لفّهم. لذلك، فإنّ تبسيط المسائل والحديث عن استعادة الديمقراطية بمجرّد رحيل النظام، وهو مُستبعَد في المدى المنظور، سيكون من قبيل المغالطات الواهمة.
لهذه الأسباب كلّها، تبدو بعض المبادرات السياسية القائمة منشغلة، في الوقت نفسه، بالمراجعات الضرورية والإجابة عن تلك الأسئلة المتعلّقة عموماً بسؤال: من أين نبدأ؟
المصدر: العربي الجديد






