
يتساءل مراقبون عديدون للوضع السياسي في فلسطين ما إذا كانت الأراضي المحتلّة ستشهد انتخابات تشريعية في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني، كما أُعلن في المرسوم الرئاسي الفلسطيني؟ مع أن الوضع ضبابي للغاية وهناك أسباب كثيرة قد تؤدّي إلى إلغاء الانتخابات أو تأجيلها مجدّداً، إلّا أنّني أعتقد أنّنا سنشهد انتخابات تشريعية العام الجاري.
يمكن القول إنّ فكرة إجراء انتخابات حقيقية في أراضٍ محتلّة ستمثّل تناقضاً، فكيف يمكن أن تكون الانتخابات حرّةً ونزيهةً، كما يتساءل كثيرون، في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي الذي بلغ أسوأ مراحله، وفي ظلّ قدرة إسرائيل على اعتقال المرشَّحين الذين لا يروقون لها، ومنع نقل صناديق الاقتراع، وتعطيل العملية الانتخابية بشتّى الطرائق، بما في ذلك قطع الكهرباء وحتّى الإنترنت؟
ربّما يكون القرار النهائي بشأن إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية أو تأجيلها أو إلغائها منوطاً بحركة حماس
ما سبق كلّه صحيح، وسأكون متشكّكاً للغاية في إمكانية إجراء الانتخابات الفلسطينية لو كان موعدها قبل الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر/ تشرين الأوّل. لو كان الأمر كذلك، لتسابق المسؤولون الإسرائيليون إلى عرقلة الانتخابات أو إحباطها أو منعها. فالمعروف أنّ التنافس الانتخابي في إسرائيل لا بدّ أن يتجلّى في التسابق على مَن هو أشدّ قسوةً في قمع الفلسطينيين في غزّة والقدس وبقية الضفّة الغربية.
سيكون الشهر الذي يلي الانتخابات الإسرائيلية قصيراً جدّاً، وعدم وجود حسم يفضي إلى ائتلاف فائز قد يعني العودة إلى تجارب سابقة. فإذا تعثّرت مفاوضات تشكيل الائتلاف، وإذا لم تتمكّن أيّ من الكتلتَين من حشد 61 عضواً في الكنيست، فقد نجد أنفسنا في مأزق، إذ ستبقى الحكومة الحالية حكومة تصريف أعمال، وهنا سنعود إلى موضوع المنافسة على قمع الشعب الفلسطيني، وسيكون من الصعب إجراء الانتخابات الفلسطينية في موعدها.
وإلى موضوع الانتخابات الإسرائيلية، هناك تحدّيات عديدة أخرى. وتُعدّ غزّة والقدس من بين أصعبها. صحيح أنّ الانتخابات البلدية أُجريت في دير البلح في سبتمبر/ أيلول الماضي، لكنّ إجراء انتخابات تشريعية على مستوى قطاع غزّة كلّه سيمثّل تحدّياً هائلاً، كما يُعدّ الوضع في القدس الشرقية تحدّياً مماثلاً، وهو ما أدّى إلى تأجيل الانتخابات في 2021، بسبب رفض إسرائيل السماح لسكّان القدس الشرقية بالتصويت غيابياً في ستّة مكاتب بريد بالقدس. ويتساءل بعضهم: إذا لم تُحلّ هذه المشكلة، هل ستلجأ لجنة الانتخابات إلى التصويت الإلكتروني بدلاً من التصويت الغيابي المباشر في مكاتب البريد؟
ربّما يكون القرار النهائي بشأن إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية أو تأجيلها أو إلغائها منوطاً بحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، فقد صرّح متحدّث باسمها بأنها تدرس الانضمام إلى أوسع ائتلاف ممكن، وأنّها ستشارك في الانتخابات. وبينما ستُضفي أيّ مشاركة لـ”حماس” مزيداً من الشرعية على المجلس الجديد، ليس من الواضح ما إذا كانت ستوافق على شروط الانتخابات، أي قبول جميع الاتفاقات الدولية التي وقّعتها منظّمة التحرير، بما فيها الاعتراف بإسرائيل، وما إذا كانت ستسعى للحصول على أغلبية المقاعد أم ستكتفي بالمشاركة في ائتلاف علماني/ قومي، كما أنّ كثيراً من ذلك سيتوقّف على الشخصيات التي سترشِّحها “حماس” إلى المجلس، عسكرية أو سياسية.
ومع أنّ المجلس التشريعي سيُمنح صلاحيات التشريع والرقابة، إلّا أنّ النظام السياسي الفلسطيني الحالي رئاسي. بعبارة أخرى، لن يتغيّر الرئيس الفلسطيني وأجهزته الأمنية والاستخبارية والإعلامية الحالية، بغض النظر عن نتائج انتخابات نوفمبر 2026. من المقرّر إجراء الانتخابات الرئاسية في الربع الأوّل من عام 2027، ولكن نظراً إلى عدم تحديد موعد دقيق، قد لا تُجرى إذا لم تكن الانتخابات التشريعية مُرضيةً للسلطة الحالية في المقاطعة (مقر الرئاسة في رام الله).
قد يسخر معظم المؤرّخين من فكرة إجبار شعب تحت الاحتلال على الإصلاح وممارسة الديمقراطية الليبرالية ليُعتبر جديراً بالحوار
على الرغم من التحدّيات أعلاه، أتوقّع أن تُجرى انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني لسبب مختلف، فقد تعهّد الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس في نيويورك (عبر تقنية الفيديو كونفرنس بعد رفض إدارة ترامب المؤيّدة لإسرائيل منحه وفريقه تأشيرات دخول) بإصلاحات متعدّدة، وعلى مراحل. وقد تناول الفلسطينيون قضية التمويل غير المشروط لعائلات الأسرى والشهداء، وعُولِجت قضية المناهج الدراسية، وبدأ الإصلاح الانتخابي بإجراء انتخابات بلدية ناجحة. ولذلك؛ الانتخابات التشريعية ضرورية لبقاء السلطة الفلسطينية وشرعنتها.
للأسف، اقتنع المجتمع الدولي، بما فيه واشنطن، بالحجج الإسرائيلية للتعامل مع رام الله بإجبارها على إجراء إصلاحات عميقة. وعلى الرغم من أنّ معظم المؤرّخين قد يسخرون من فكرة إجبار شعب تحت الاحتلال على الإصلاح وممارسة الديمقراطية الليبرالية ليُعتبر جديراً بالحوار، إلّا أنّ هذا هو المعيار الذي حدّدته القوى العالمية، وقد قبل الفلسطينيون التحدّي.
وعلى الرغم من أنّ قادة منظّمة التحرير وافقوا في 1993 على تبادل خطابات الاعتراف مع إسرائيل، إلّا أنّ الأميركيين وعدة دول غربية أصرّوا على استيفاء شروط إسرائيلية إضافية لحصول القادة الفلسطينيين على حقّ التحدّث مع المسؤولين الأميركيين، والحصول على تأشيرة دخول إلى نيويورك، وربّما واشنطن. لهذا الهدف تحديداً، ستبذل قيادة المنظّمة في رام الله قصارى جهدها لإجراء الانتخابات في موعدها المحدّد. وإذا كان الإسرائيليون يعرقلون هذا بوضوح، فلن يكون هذا بسبب رفض الفلسطينيين قبول إجراءات الإصلاح التي تعهّدوا بها، سيّما لفرنسا والسعودية، وعُدّت شرطاً مسبقاً للضغط على المجتمع الدولي من أجل الاعتراف بفلسطين.
المصدر: العربي الجديد






