
كادت إيران أن تخرج من الحرب بمكاسب هامة، أهمها رفع العقوبات عنها وإعادة أموالها المحتجزة في حين بقيت المواضيع الأخرى برسم مفاوضات يمكن أن تطول أو تقصر، لكن مجرد وقف إطلاق النار وإنهاء أزمة المضيق كان يمكن أن يضع الولايات المتحدة أمام خيار طي ملف حرب إيران والانصراف لملفات أخرى ولو بصورة حذرة وتدريجية.
ما حدث أن الطرف الأكثر تشددا والأقل خبرة وحنكة في طهران أحكم قبضته على الدولة وأزاح الطرف الأكثر تعقلا وخبرة سياسية , وقام بالإجهاز على مذكرة التفاهم أو عمل كل مايلزم عمله لدفع الولايات المتحدة نحو الاجهاز عليها .
تصميمه على وضع مضيق هرمز تحت سيطرته التامة وحده واعتباره جزءا من الأمن القومي الايراني بل واعتبار السيطرة عليه أهم من الملف النووي قلب معادلات الحرب بصورة كلية .
كانت ايران بمواجهة الولايات المتحدة كدولة معتدى عليها خارج نطاق القانون الدولي ولنقل مجازا خارج النظام العالمي أو ماتبقى منه , وهكذا ظهرت الولايات المتحدة معزولة ومدانة في حربها على ايران حتى من أقرب حلفائها الذين تضرروا من ارتفاع أسعار الطاقة واعتبروا إغلاق مضيق هرمز نتيجة الحرب التي قادتها ايران وتسببت في خسائر كبيرة للاقتصاد العالمي .
وحين تم التوقيع على مذكرة التفاهم تنفس العالم الصعداء واعتبروا أن الحرب قد انتهت فعليا وأن المضيق سيفتح للملاحة الدوليةكما كان قبل الحرب .
اصرار ايران على السيطرة الكلية على المضيق ليس مقبولا من ” النظام العالمي ” ووضعت النظام العالمي بين قوسين باعتباره في أسوأ حالاته لكن ولكونه لم ينهر بعد ولكون كل من الصين وروسيا لم تتوصلا إلى اختراق ذلك النظام ولا يبدو أن ذلك على وشك الحدوث , بالتالي فمن المؤكد أنه سيدافع عن نفسه , وهو بالقوة المتبقية لديه قادر على هزيمة ايران بالتأكيد .
لن تسمح الولايات المتحدة ووراءها أوربة ودول أخرى عديدة بسيطرة أحادية ايرانية على المضيق , لقد أدخل المتطرفون ضمن النظام الايراني دولتهم بتحد الخسارة فيه مضمونة والربح فيه مستحيل .
“يمثل مضيق هرمز أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، إذ يمر عبره نحو خمس الاستهلاك العالمي من النفط، وما يزيد على ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا، إضافة إلى نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال، الأمر الذي يمنحه أهمية استراتيجية تفوق بكثير حجمه الجغرافي.
بالتالي فهو يمسك بخناق الاقتصاد العالمي وليس بخناق اسرائيل أو الولايات المتحدة .
والمسألة هنا لاتقتصر على دفع رسوم مرور بل تتسع لتصبح مسألة في صلب الاستراتيجيات الجيوسياسية العالمية .
فمن يسيطر على المضيق يمكن أن يستخدمه كسلاح يفوق السلاح النووي , وهي عبارة استخدمها لأول مرة مسؤول ايراني رفيع , لكنه لم ينتبه في أن مثل ذلك السلاح ولكونه كذلك لايمكن أن تتركه الولايات المتحدة وحلفاؤها بيد دولة مثل ايران .
لايوجد أمامنا الآن سوى سياق واحد لحرب ايران وهو التصعيد المستمر .
وإذا كانت ايران قد صمدت خلال كل تلك الفترة التي مضت على الحرب , فهي لن تستطيع الصمود لفترة غير محدودة , بينما أصبحت الولايات المتحدة في مركز سياسي داخلي وخارجي أفضل مما كانت عليه في اي وقت سابق .






