مشروع وطني على طاولة وزير الثقافة

عبد الله مكسور

في التجارب التاريخية الكبرى، لا تمثّل نهاية الحروب خاتمة المأساة، وإنما بداية الاختبار الأكثر تعقيداً للمجتمعات التي عاشتها وعاصرتها؛ اختبار قدرتها على صون ذاكرتها الجماعية.

فإعادة إعمار المدن عملية هندسية يمكن إنجازها خلال سنوات بتوفر الإرادة، وإحياء الاقتصاد يستثمر في الممكن مع الخضوع لخطط وسياسات تمنع الفساد وتحاربه، واستعادة مؤسسات الدولة مسألة ترتبط بالإدارة والموارد واعتماد الكفاءات، بينما يبقى ترميم الوعي الجمعي المهمة الأطول زمناً والأشد تعقيداً في تقديري، فالذاكرة، إذا تُركت للإهمال أو للتأويلات المتعجِّلة، تتعرض للتآكل بصمت، ويضيع معها المعنى الإنساني لكل ما جرى.

مسألة التعافي الوطني

لهذا احتل الأدب عبر مختلف التجارب الإنسانية، التي أعقبت الحروب والكوارث، موقعاً مركزياً في مشروع التعافي الوطني، فالرواية والشهادة والسيرة الذاتية لم تؤدِّ وظيفة جمالية فحسب، لقد مارست دوراً معرفياً وأخلاقياً في حفظ التجربة الإنسانية من التبسيط والاختزال.

الأدب لا يغيّر ما وقع، ولا يعيد الضحايا إلى الحياة، لكنه يحول دون اختفائهم داخل الجداول الإحصائية والوثائق الباردة والتقارير المحايدة، ويعيد إليهم أسماءهم وأصواتهم وملامحهم، ليبقوا جزءاً من الضمير الجمعي، لا مجرد أرقام عابرة في أرشيف التاريخ.

هناك طبقات كاملة من التجربة السورية لن تعثر عليها التقارير القضائية، ولا أرشيفات المؤسسات، ولا الدراسات الإحصائية، لأنها تشكلت داخل الحياة اليومية للناس..

من هذه الزاوية يمكن فهم وإدراك المكانة التي احتلتها الكتابة في المجتمعات التي خرجت من الكوارث الكبرى، ألمانيا أنتجت أدباً واسعاً استعاد تجربة دريسدن وكولونيا وبرلين وغيرها، وواجهت اليابان آثار هيروشيما وناغازاكي عبر الرواية والشهادة واليوميات، وكتبت البوسنة عن حصار سراييفو، وكرّست رواندا جانباً كبيراً من إنتاجها الثقافي لتوثيق الإبادة الجماعية، لأن الذاكرة لم تكن شأناً أدبياً فحسب، وإنما ضرورة حضارية تحول دون إعادة إنتاج المأساة، فالكتابة لا تطيل عمر الجرح، إنها تمنحه موقعه الصحيح داخل الوعي الجمعي، بحيث يتحول إلى معرفة تاريخية وأخلاقية، لا إلى صدمة صامتة قابلة للتكرار.

دراسات الذاكرة الثقافية تؤكد أن المجتمعات، التي واجهت ماضيها عبر الأدب والفنون والبحث الأكاديمي امتلكت قدرة أعلى على بناء مصالحة مستقرة مع تاريخها، مقارنة بالمجتمعات التي دفعت آلامها إلى الهامش، أو تركتها أسيرة الروايات الرسمية وحدها.

فالأدب، في هذا السياق، يؤدي وظيفة تتجاوز التعبير الجمالي؛ إذ يغدو أرشيفاً للخبرة الإنسانية، ووسيلة لحماية الوعي العام من النسيان، وآلية دائمة لتنبيه الأجيال الجديدة إلى الثمن الباهظ الذي تدفعه الأمم عندما تفقد قدرتها على التعلم من ماضيها.

التجربة السورية

من هذا المنطلق، يحتاج المشهد الثقافي السوري إلى الانتقال من مرحلة توثيق الحرب إلى مرحلة تفسير أثرها العميق في الإنسان والمجتمع، فهناك طبقات كاملة من التجربة السورية لن تعثر عليها التقارير القضائية، ولا أرشيفات المؤسسات، ولا الدراسات الإحصائية، لأنها تشكلت داخل الحياة اليومية للناس، في البيوت التي أغلقت أبوابها على الغياب، وفي المدارس التي فقدت أصوات تلاميذها، في تفاصيل الانتظار الطويل والخوف المزمن والتشظي، الذي أصاب العلاقات الاجتماعية، وتحولات اللغة والذاكرة والهوية.

هذه المساحات لا تحفظها سوى الكتابة الإبداعية، لأنها تمتلك القدرة على التقاط ما يفلت من الوثيقة، وتحويل التجربة الفردية إلى جزء من الذاكرة الوطنية المشتركة.

لهذا تبدو الحاجة ملحة إلى مشروع ثقافي سوري يتعامل مع الأدب باعتباره مؤسسة للذاكرة، لا نشاطاً موازياً للحياة العامة. فالرواية، والسيرة، واليوميات، والشهادة الأدبية، تمتلك جميعها قدرة استثنائية على صيانة التفاصيل الصغيرة التي يتشكل منها التاريخ الحقيقي للمجتمعات.

وحين تنجح الثقافة في حفظ تلك التفاصيل، فإنها لا تصون الماضي فحسب، وإنما تؤسس وعياً عاماً أكثر قدرة على فهم ما جرى، وأكثر استعداداً للحيلولة دون تكراره. فالذاكرة التي يعيد الأدب بناءها لا تقتصر على استعادة الوقائع، إنها في مكانٍ ما تعيد أيضاً الاعتبار للإنسان الذي عاشها، وتمنحه مكانه المستحق في السردية الوطنية.

زمن ما بعد الكارثة

لا تُقاس قيمة الكتابة التي تولد في زمن الكارثة بقدرتها على ملاحقة الحدث، فهذه مهمة تقترب كثيراً من العمل الصحفي والتوثيقي وقد جرّبته في ثلاث روايات عاصرت السنوات الأولى للثورة السورية.

القيمة الأدبية الأعمق تتجلى عندما يصبح الكاتب قادراً، بعد انقضاء السنوات، على العودة الواعية إلى المكان الذي شهد انكساره الشخصي أو الجمعي، ليقرأه بعين أكثر اتزاناً، ويمنحه معنى يتجاوز الصدمة الأولى، فالمسافة الزمنية لا تضعف الذاكرة، وإنما تمنحها فرصة للتأمل وإعادة الفهم، وتحول التجربة من فعل معايشة إلى فعل معرفة.

ولعل هذا ما يفسر حضور العودة إلى الأمكنة المنكوبة في أبرز الأعمال الأدبية التي أعقبت الحروب والنزاعات، فالعودة لا تستهدف استرجاع الجغرافيا بقدر ما تنطوي على مواجهة مع الذات التي تشكلت تحت ضغط الخوف والفقد والعزلة والحرب.

يعود الكاتب إلى الشوارع نفسها ليكتشف أنها تغيّرت، ويعود أيضاً ليكتشف أن التغيير الأكبر حدث في داخله بسقوط فكرة الخوف. عند تلك اللحظة تبدأ الكتابة الحقيقية، لأنها لا تستعيد المكان كما كان، وإنما تكشف العلاقة الجديدة التي نشأت بين الإنسان وذاكرته، وبين الماضي وصورته في الوعي.

وفي الحالة السورية، تكتسب هذه العودة قيمة ثقافية تتجاوز التجربة الفردية. فكل كاتب يملك الشجاعة للوقوف مرة أخرى أمام الأمكنة التي صنعت مأساة محيطه، ويحول تلك المواجهة إلى عمل أدبي رصين، يضيف لبنة جديدة إلى الذاكرة الوطنية، لأن الأوطان لا تستعيد نفسها عبر إعادة بناء الحجر وحده، وإنما عبر إعادة بناء السردية التي تحفظ ما جرى من التبسيط والنسيان، وتمنح الأجيال المقبلة فرصة لفهم الماضي بعيداً عن ضجيج الاستقطاب السياسي، وقريباً من الإنسان الذي عاش الحكاية بكل ما حملته من ألم وأمل، ولم يسأله أحد ماذا رأى، وماذا فقد، وكيف استطاع أن يكمل حياته بعد كل ذلك.

من هنا تبدأ القيمة الحقيقية للأدب؛ لأنه يمنح الكلام لمن لم يجد منصة، ويعيد الوجه لمن اختفى خلف الشعارات.

يمكن القول هنا إن الأدب العظيم لا يصف الكارثة، إنه يجعلها تجربة إنسانية لا يمكن نسيانها، ويجب ألا يُفهم هذا الكلام بأن المطلوب أن تتحول سوريا إلى بلد يكتب عن الحرب إلى الأبد، إنها إشارة لضرورة العمل على خلق جيل يعرف كيف يكتب مرة واحدة عنها بطريقة تجعل الأجيال اللاحقة غير مضطرة إلى خوضها مجدداً، فالكتابة بهذا المعنى تصبح استثماراً في المستقبل، وفي ذات الوقت سيلة لتغيير التاريخ وليس التعليق عليه.

وهذا يقودني للحديث عن توسيع مفهوم الذاكرة الوطنية، فكل تفصيل صغير ضاع في السنوات الماضية يستحق أن يجد مكانه في صورة من صور الأدب، وأخطر ما يمكن أن يحدث بعد انتهاء الأزمات أن تتولى السياسة وحدها كتابة الرواية الوطنية.

السياسة تبحث دائماً عن نسخة متماسكة ومريحة من الماضي، بينما الأدب يرفض الراحة، ويصر على كشف التناقضات والأسئلة المؤجلة والحقائق المزعجة. لهذا كانت الروايات في كل المجتمعات الخارجة من الحروب أكثر صدقاً من الخطب، وأكثر قدرة على حماية الذاكرة من التبسيط والاختزال.

مشروع وطني لحفظ الذاكرة

إذا توفرت الإرادة السياسية وكان المشهد الثقافي السوري مقبلاً على مرحلة تأسيس جديدة، فإن أولى أولوياته ينبغي أن تتمثل في بناء مشروع وطني لحفظ الذاكرة، يتجاوز النشر الأدبي إلى إنشاء بنية مؤسساتية قادرة على صيانة المادة الخام التي يولد منها الأدب.

فالتجارب المقارنة في أوروبا وأميركا اللاتينية والبلقان وغيرها، تشير إلى أن الروايات الكبرى لم تُكتب من الفراغ، وإنما استندت إلى أرشيفات واسعة ضمت الشهادات الشفوية، واليوميات، والمراسلات الشخصية، والصور، والمذكرات، والتسجيلات الصوتية، وسير الحياة التي وثقت التجربة الإنسانية من داخلها، هذه المواد لم تكن مجرد مصادر للباحثين، لقد أصبحت الخزان الذي استمدت منه الأجيال اللاحقة فهمها لتاريخها الثقافي والاجتماعي.

وفي الحالة السورية، تكتسب هذه المهمة طابعاً ملحاً، لأن الزمن يعمل ضد الذاكرة. فكل يوم يمر يحمل معه احتمال فقدان شاهد جديد، ومع كل شاهد يرحل تختفي طبقة كاملة من التفاصيل التي لم تجد طريقها إلى الكتابة بعد.

تبدو الحاجة ماسة إلى إطلاق برامج وطنية لجمع الرسائل والصور والوثائق الشخصية، بالتوازي مع دعم الرواية والبحث الأدبي. فحماية الذاكرة ليست عملاً توثيقياً فحسب، وإنما استثمار طويل الأمد في مستقبل الثقافة السورية نفسها وتصديرها إلى العالم..

يحمل الإنسان في ذاكرته ما يشبه مكتبة كاملة من الحكايات والصور والأسماء والوجوه واللغة اليومية، وهي عناصر يستحيل استعادتها بعد غياب أصحابها، لذلك فإن التأخر في جمع الشهادات وتوثيق السير الذاتية واليوميات الشخصية لا يعني خسارة وثيقة واحدة، وإنما خسارة جزء من التاريخ الاجتماعي والثقافي لسوريا، وهذا ما يجب أن تقوم به المراكز الثقافية المنتشرة في المدن والقرى والأرياف السورية.

ومن هنا، تبدو الحاجة ماسة إلى إطلاق برامج وطنية لجمع الرسائل والصور والوثائق الشخصية، بالتوازي مع دعم الرواية والبحث الأدبي. فحماية الذاكرة كما قلت ليست عملاً توثيقياً فحسب، وإنما استثمار طويل الأمد في مستقبل الثقافة السورية نفسها وتصديرها إلى العالم، فما يُحفظ اليوم سيصبح بعد عقود المادة المرجعية التي يستند إليها الأدباء والمؤرخون والباحثون وربما الساسة لفهم هذه المرحلة، أما ما يُترك للنسيان، فلن تستطيع أي محاولة لاحقة تعويضه، لأن الذاكرة لا يمكن إعادة تشييدها بعد أن تغيب أصوات أصحابها.

وفعل هذا يضمن إجابة البشرية جمعاء عن سؤال: كيف تمكن السوريون الذين عاشوا كل ذلك الخراب من حرب وتشظي ومنفى وهزائم، مِن استعادة القدرة على صناعة المستقبل وليس فقط تخيّله.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى