
تعيش الأوساط الثقافية الفرنسية، منذ سنوات، موجة اهتمام متزايدة بتاريخ سوريا، وتحديداً بتاريخ دمشق على أنها إحدى العواصم الكبرى للذاكرة المتوسطية، هذا الاهتمام يصدر عن جامعيين ومؤرخين وصحافيين ومثقفين وجدوا في المأساة السورية مدخلاً جديداً لقراءة تاريخ طويل يربط فرنسا والشرق، أوروبا وبلاد الشام، الذاكرة الدينية والسياسة الاستعمارية، ثم أسئلة الحاضر حول الاستبداد والحرب واللاجئين والعدالة.
في هذا السياق يظهر كتاب جان بيير فيليو “مرآة دمشق: سوريا، تاريخنا” عملاً مهماً، لأنه يخاطب القارئ الفرنسي من داخل ذاكرته هو، ويقول له إن سوريا جزء من تاريخ العالم، وجزء من تاريخه الشخصي والثقافي أيضاً.
جان بيير فيليو مؤرخ فرنسي مختص في الشرق الأوسط، وأستاذ في معهد الدراسات السياسية في باريس، خبرته تجمع بين البحث الأكاديمي، والمعرفة السياسية، والاهتمام الطويل بالعالم العربي.
لذلك يكتب عن سوريا بعين المؤرخ الذي يتابع الحقب، وبحس المثقف الذي يرى في الكتابة موقفاً أخلاقياً، كتابه عن دمشق صدر في لحظة كانت فيها سوريا تنزف تحت الحرب، وكانت صورتها في الإعلام الغربي محصورة غالباً في الإرهاب واللجوء والدمار. أراد فيليو أن يعيد فتح الباب من جهة أخرى، جهة التاريخ العميق، والروابط القديمة، والذاكرة المشتركة.
يحتل جان بيير فيليو موقعاً خاصاً داخل حقل الدراسات الفرنسية المعاصرة للشرق الأوسط؛ فهو ينتمي إلى جيل جديد من الباحثين الفرنسيين الذين خرجوا بالاستشراق من صورته الكلاسيكية القائمة على دراسة الشرق من مسافة باردة، إلى مقاربة تاريخية وسياسية حيّة، قريبة من تحولات المجتمعات العربية وأسئلتها الحديثة.
يقرأ فيليو لحظة النبوة، ثم عصر الخلفاء، ثم الصراع على الحكم بعد مقتل عثمان، والخلاف بين علي ومعاوية، وتحول السلطة إلى ملك وراثي في العهد الأموي، دمشق هنا تصير عاصمة إمبراطورية، ومركز قرار سياسي وعسكري وثقافي..
يجمع فيليو بين صفة المؤرخ والأكاديمي والدبلوماسي السابق، والكاتب العام الذي يخاطب الجمهور الواسع، وقد درّس تاريخ الشرق الأوسط المعاصر في معهد الدراسات السياسية في باريس، وعمل على قضايا العالم العربي والإسلامي والثورات والحركات الاجتماعية والعلاقات الدولية.
مكانته تأتي من قدرته على وصل التاريخ الطويل بالحاضر السياسي، وعلى قراءة سوريا وفلسطين والعالم العربي ضمن شبكة علاقات مع أوروبا وفرنسا والذاكرة المتوسطية.
لذلك يمكن النظر إليه كأحد أبرز ممثلي الاستشراق الفرنسي الجديد: استشراق نقدي، سياسي، متورط أخلاقياً في قضايا الشعوب، ويكتب عن الشرق بوصفه شريكاً في صناعة التاريخ العالمي، لا موضوعاً غرائبياً للدرس الأكاديمي فقط Sciences Po.
اختار الكاتب عنوان “مرآة دمشق” لأنّ دمشق، في نظره، تعكس صورة العالم أكثر مما تعكس صورة السوريين وحدهم، هي مدينة تقف في مركز الطرق: طريق القديس بولس، طريق القوافل، طريق الفتوحات، طريق الحروب الصليبية، طريق الحج، طريق الإمبراطوريات، وطريق القوى الحديثة التي أعادت رسم الشرق بعد الحرب العالمية الأولى.
من هنا يصبح النظر إلى دمشق نظراً إلى تاريخ المسيحية والإسلام، وإلى صراع الإمبراطوريات، وإلى نشوء الدولة الحديثة، وإلى لحظة الاستبداد السوري المعاصر.
يبدأ الكتاب من العمق الحضاري لبلاد الشام، من دمشق وحلب كمدينتين ضاربتين في القدم، ومن موقع سوريا في قلب التجارة والحروب والتحولات الدينية، ويستعيد فيليو حضور المسيحية الأولى، والقديسين بولس وبطرس، وتحول المسيحية من دعوة مضطهدة إلى دين إمبراطوري في زمن قسطنطين ابن هيلانة الحمصية، ثم يتوقف عند الانقسامات المسيحية الكبرى، ونشوء الكنائس الشرقية والغربية، وصعود القسطنطينية كقوة روحية منافسة لروما.
هذه الفصول تمنح القارئ الفرنسي إحساساً بأن تاريخ الإيمان المسيحي مرّ من هذه الأرض، وأن المشرق السوري كان مختبراً مبكراً لصراعات العقيدة والسلطة.
ثم ينتقل الكتاب إلى الإسلام بوصفه قوة تاريخية أعادت تشكيل المنطقة والعالم، يقرأ فيليو لحظة النبوة، ثم عصر الخلفاء، ثم الصراع على الحكم بعد مقتل عثمان، والخلاف بين علي ومعاوية، وتحول السلطة إلى ملك وراثي في العهد الأموي، دمشق هنا تصير عاصمة إمبراطورية، ومركز قرار سياسي وعسكري وثقافي. ومع مأساة كربلاء، يفتح الكاتب باباً على الجرح الشيعي السني، وعلى الطريقة التي تحولت بها الذاكرة الدينية إلى مادة سياسية قابلة للاستثمار عبر العصور.
يعالج فيليو أيضاً تعاقب الدول والإمبراطوريات: الأمويون، العباسيون، الفاطميون، المماليك، العثمانيون، ثم الحضور الأوروبي المتزايد، يضع الحروب الصليبية ضمن مسار طويل من الصراع على المشرق، ثم يستعيد صورة صلاح الدين الأيوبي، وما تمثله في المخيلة الأوروبية والعربية معاً، في هذه المقاطع، تبدو سوريا مسرحاً لعالم كامل، لا رقعة جغرافية محدودة. كل قوة كبرى مرّت من هنا، وكل مشروع إمبراطوري ترك أثراً في المدن والذاكرة والعلاقات بين الجماعات.
أحد محاور الكتاب الأشد أهمية هو تمدد الغرب الحديث في الشرق. يشرح فيليو كيف دخلت فرنسا وبريطانيا وروسيا إلى الولايات العثمانية عبر التجارة، ثم عبر حماية الطوائف، ثم عبر السياسة المباشرة. فرنسا رعت الموارنة، وروسيا رعت الأرثوذكس، والقوى الأوروبية استخدمت الأقليات والمصالح التجارية والدينية لبناء نفوذها.
من هذا الباب يقرأ الكاتب أحداث 1860 في جبل لبنان ودمشق، ودور الأمير عبد القادر الجزائري في حماية المسيحيين ومنع توسع المذبحة. هذه الحادثة تمنح الكتاب لحظة أخلاقية مضيئة، لأنها تكشف أن التاريخ السوري حمل أيضاً نماذج شجاعة في حماية العيش المشترك.
ثم يصل الكتاب إلى لحظة الحرب العالمية الأولى وسقوط السلطنة العثمانية، هنا تظهر اتفاقية سايكس ـ بيكو، ووعد بلفور، وخديعة الشريف حسين، ودخول فرنسا إلى سوريا، يقرأ فيليو الانتداب الفرنسي بوصفه مرحلة تأسيسية في تشظية الدولة السورية الحديثة. حاولت فرنسا تقسيم البلاد إلى كيانات طائفية ومناطقية، وبنت جيشاً يعتمد على توازنات الأقليات، واستخدمت القوة لقمع الثورات الوطنية، ومع ذلك، خرجت من تلك المرحلة حركة وطنية سورية صلبة، انتهت إلى الاستقلال في نيسان 1946 بعد قصف دمشق والبرلمان وسقوط الضحايا.
في النصف الثاني من الكتاب، ينتقل فيليو إلى سوريا المعاصرة. يرسم مسار الدولة بعد الاستقلال: الحياة البرلمانية القصيرة، الانقلابات، الوحدة مع مصر، الانفصال، انقلاب البعث، ثم صعود الجناح العسكري، وصولاً إلى حافظ الأسد.
يقدّم الأسد الأب كصانع دولة أمنية مركزية، ربط الجيش والمخابرات والحزب والعائلة بمنظومة واحدة، حرب 1967، اتفاق فك الاشتباك عام 1974، التدخل في لبنان، العلاقة مع كيسنجر، التحالف مع إيران، إدارة الورقة الفلسطينية، كلها عناصر في بنية حكم حافظ الأسد كما يقرأها فيليو: سلطة تستخدم الإقليم كي تثبت الداخل، وتستخدم الداخل كي تفاوض الإقليم.
أما بشار الأسد فيظهر في الكتاب امتداداً أكثر تدميراً لهذه البنية. انتقال السلطة جرى عبر تعديل دستوري سريع، ثم جاءت وعود الإصلاح في بداية عهده لتفتح وهماً عابراً، قبل أن تعود الدولة الأمنية بوجه أكثر قسوة.
ومع ثورة 2011، يصف فيليو انفجار العنف الرسمي على نطاق واسع: القتل، الاعتقال، التهجير، تدمير المدن، استدعاء الحلفاء الإيرانيين والميليشيات، ثم التدخل الروسي، وخاصة في حلب عام 2016، هنا تبلغ “مرآة دمشق” ذروتها: سوريا تكشف وجه العالم الحديث حين يسمح للطغيان أن يحطم شعباً كاملاً تحت أنظار الجميع.
لذلك تبدو “مرآة دمشق” عملاً ضرورياً للقارئ الفرنسي والعربي معاً، لأنها تعيد لسوريا مكانتها كبلد مؤسس في التاريخ، وكجرح مفتوح في الحاضر، وكامتحان دائم لمعنى الثقافة والمسؤولية
كتب فيليو هذا الكتاب كي يواجه اللامبالاة الغربية تجاه سوريا عبر التاريخ، أراد أن يقول إن اختزال سوريا في الإرهاب والهجرة خطأ معرفي وأخلاقي، لذلك عاد إلى بولس وبطرس، إلى قسطنطين، إلى الأمويين، إلى صلاح الدين، إلى عبد القادر الجزائري، إلى سايكس-بيكو، إلى الانتداب، إلى الأسدَين وإجرامهما. هذا البناء يمنح القارئ سلسلة طويلة من المرايا: مرآة دينية، مرآة استعمارية، مرآة سياسية، ومرآة أخلاقية.
قيمة الكتاب أنه يقرأ سوريا كجزء من التاريخ العالمي، وكجزء من الضمير الفرنسي أيضاً. هو كتاب في الذاكرة بقدر ما هو كتاب في السياسة، يضع دمشق في قلب السردية، ويجعلها شاهدة على صعود الأديان، وصراع الإمبراطوريات، وبناء الاستبداد الحديث، وانهيار النظام الدولي أمام مأساة شعب، لذلك تبدو “مرآة دمشق” عملاً ضرورياً للقارئ الفرنسي والعربي معاً، لأنها تعيد لسوريا مكانتها كبلد مؤسس في التاريخ، وكجرح مفتوح في الحاضر، وكامتحان دائم لمعنى الثقافة والمسؤولية.
ترجمت الكتاب : ديمة شكر وصدر عن مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر.
المصدر: تلفزيون سوريا






