قراءة في رواية: تلال الزعتر

عبد المجيد عرفة

احمد خميس روائي سوري متميز، من روائيي الثورة السورية، قرأت له قيامة اليتامى وخنادق الحب ومسرح العمى وكتبت عنهم.

تلال الزعتر رواية أحمد خميس التي اكتب عنها هي سبر في الواقع السوري عبر عقود سابقة من خلال شخصيات روايته المتعددة : يامن، بيلا، زهير، الملّا (الشيخ) بهاء الدين، ناصر ، ناجي، نشأت الجولاني، انطوانيت ، ماتيلدا ، البهلول ، نعيم المصطفى، حيّان ، نورة ، فلاح ، ايمي .الخ.

تعتمد الرواية أسلوب السرد بلغة المتكلم على لسان واحد من هذه الشخصيات بشكل متتابع ومتكرر عبر كل فصل، والاهم ان السرد يكون مرتبط حياتيا بالذي تعيشه هذه الشخصية في حياتها اليومية وبالعودة إلى ماضيها الخاص والعام ، يصل ذلك زمنيا الى أكثر من نصف قرن.

الجميل والمميز بالرواية ليس فقط التدفق الحياتي للشخصيات وهي تعيش عالمها وكأنها جزء من مسار يصلح أن يكون رواية كاملة تدور حول كل شخصية.

الرواية وهي تسرد حيوات ابطالها على ألسنتهم تعطينا صورة عن التاريخ المعاش والماضي المرتبط به الى وقت الرواية وما بعد ذلك.

كما أن الرواية غير منضبطة بمسار زمني صاعد بل هي تتجول في زمن الشخصيات الماضي والحاضر دون ضابط سوى إيقاع مسار الرواية .

أما عنوان الرواية تلال الزعتر فهو عنوان معبّر جدا، فمن لا يذكر مذبحة تل الزعتر لأهلنا الفلسطينيين هناك في لبنان عام ١٩٧٦م ، التي قامت بها الميليشيات المسيحية في لبنان. بصمت ورضى من الكيان الصهيوني ونظام حافظ الاسد السوري، وغطاء دولي للأسف.

بعد هذا المدخل الضروري لقراءة الرواية احاول سرد المناخ العام الذي تواجدت به الشخصيات متداخلا مع حيواتهم الخاصة.

سأعود إلى أصل المشكلة في وجود دول المشرق العربي منذ احتلال الصهاينة لفلسطين عام ١٩٤٨م. وهزيمة مصر وسورية والأردن أمام الصهاينة عام ١٩٦٧م. وتشرد اهلنا الفلسطينيين بعد الحربين ومعهم بعض السوريين اهل الجولان السوري الى سورية ودول جوار فلسطين. ورفض الفلسطينيين لهذا الواقع وبداية العمل الفدائي في فلسطين عام ١٩٦٥م وتطور هذا العمل ليكون محل صراع بين السلطات الأردنية والفدائيين في أيلول الأسود عام ١٩٧٠م. وتدخل جمال عبد الناصر وانتقال الفدائيين الى لبنان ليكون لبنان معبرا جديدا للفدائيين ليقوموا بأعمال مقاومة للكيان الصهيوني.

لبنان كان قد استقل عن الفرنسيين عام ١٩٤٦م. وتم بناء دستور في لبنان قائم على التحاصص الديني مسيحي مسلم وطائفي حسب الطوائف المسيحية والمسلمة، بحيث بقي لبنان في تاريخه كله ضحية تجاذبات دولية وإقليمية أدت في مراحل لاحقة لحصول صراعات بينية مدعومة خارجيا امتدت لعقود.

أما سورية فقد كان قد سيطر البعث على السلطة عام ١٩٦٣م. وتركزت بعد ذلك بيد حافظ الأسد بدء من عام ١٩٧٠م.

اعتمد حافظ الأسد على ادعاء قومي بعثي ظاهرا. وبنى دولة طائفية علوية عبر الهيمنة على الجيش والأمن داخليا. وصنع نموذجا لدولة استبدادية قمعية فاسدة متوحشة في الداخل السوري. واعتمد حافظ الأسد على شراء الولاء خارجيا للسوفييت وامريكا واسرائيل ضمنا، خاصة بعدما خسر الجولان في هزيمة ١٩٦٧م أو باعها للصهاينة ليثبت حكمه القادم؛ كما يشاع.

لقد عمل على تلبية المطالب الأمريكية الاسرائيلية في لبنان وغيره.

من هذه الارضية كان للنظام دور برعاية الصراع البيني اللبناني – اللبناني ضد الوجود الفدائي الفلسطيني، الذي كانت إحدى كوارثه؛ مذبحة تل الزعتر التي نفذها ميليشيات مسيحية لبنانية برعاية إسرائيلية وصمت سوري. حيث تتوج الحال اللبناني بهيمنة سورية على لبنان بالمطلق. وأصبحت كل القوى السياسية والعسكرية في لبنان تتصرف وفق الإرادة السورية. التي أنهت كل القوى الوطنية اللبنانية وبعد ذلك المسيحية وأنهت التواجد الفدائي الفلسطيني عام ١٩٨٢م. وبدأ النظام رعاية ولادة ونمو حزب الله في لبنان ليصبح بعد ذلك القوة المهيمنة على الدولة اللبنانية وهو تحت الحماية السورية الايرانية.

كما أخذ النظام السوري صلاحية أن يقضي على المعارضة السورية الوطنية الديمقراطية. و الإسلامية متمثلة بـ الطليعة المقاتلة والاخوان المسلمين. منذ اواسط السبعينات حيث بدأت الطليعة المقاتلة عمليات اغتيال طالت بعض رموز النظام، حيث استثمر النظام السوري ذلك وبدأ حربا حقيقية على التيار الإسلامي اعتقال وقتل ومهاجمة مدن أهمها حلب وجسر الشغور وحماة التي تم تدمير أحياء فيها ووقوع ضحايا بعشرات الآلاف . كما تم اعتقال اغلب رموز المعارضة الوطنية الديمقراطية وبعضهم استمر اعتقاله لعقود.

تُرك النظام السوري من قبل النظام الدولي السوفيتي – الأمريكي وبرضى إسرائيلي يفعل ما يشاء في سورية ولبنان و بشعبهما، وكان له يد وادوار في دول عربية أخرى.

أعاد حافظ الأسد صياغة المجال الديني السوري بشكل جذري بعد المذابح التي طالت التيار والشعب السوري، بحيث جعل المساجد وأئمتها مرتبطين بالنظام واغلبهم مخبرين لديه. وأنتج ما سمي معاهد الأسد لتحفيظ القرآن الكريم. وأعطى للبعثيين صلاحية الدخول إلى كلية الشريعة بأي مجموع بالبكالوريا مع إعطائهم معاش شهري طوال فترة الدراسة حتى يتخرجوا بعد ذلك مدرسين دينيين وكذلك أئمة وخطباء في المساجد السورية. كما تبنى النظام اغلب المعاهد الشرعية مثل معهد الفتح وغيره  وتبنى بعض المشايخ أصحاب الحضور بين مريديهم وكانوا نموذج لفقهاء السلطان الذين يبررون له أفعاله الوحشية مع الشعب، كما فعل الشيخ البوطي عندما افتى بمحاربة الاخوان المسلمين وأطلق عليهم اسم “خوّان المسلمين”. كما سمح لجماعة الملا بهاء الدين (الخزنوي) أن تنتشر في الشمال الشرقي السوري ؛ الرقة والمدن الاخرى عبر معهد يحوي الالاف من الطلبة الذين يتم اعادة برمجتهم وادخالهم في بنية دولة الظلم في سورية. كذلك أطلق النظام يد القبيسيات ليسيطرنّ على الفكر والسلوك الديني والمجتمعي لاغلب قطاع البنات المتدينات في سورية ويكنّ أدوات تابعة سلوكيا للنظام وتوجيهاته.

في هذا الفضاء تتحرك الشخصيات في رواية تلال الزعتر التي نكتب عنها : حيث سيظهر بعض المقاتلين المسيحيين إبان مذبحة تل الزعتر يساعدون على إنقاذ بعض الفلسطينيين من تلك المذبحة المروعة. وتظهر شخصيات أخرى تخترق جماعة الملا بهاء الدين وتكشف ارتباطه بالنظام السوري ودوره التخريبي في مناطق وجوده وفي آلاف الشباب الذين ينتسبون اليه تباعا.

 سيحضر في الرواية ابن الجولان الدرزي من مجدل شمس ويكون له دور إيجابي في مواجهة الصهاينة. وكذلك ابن الجولان الاخر الذي سيكون أحد مقاتلي الطليعة المقاتلة ويعتقل ويتحدث عن سنوات من عذاب الاعتقال في سجن تدمر. وكذلك عن الآخر المعتقل من التيار الوطني الديمقراطي الذي تلقى ذات التعذيب لأنه يريد للسوريين ان يعيشوا انسانيتهم بحرية وكرامة وعدالة.

تنتهي الرواية في لحظة تظهر وكأنها نصر صغير للشخصيات التي عانت من النظام المتوحش. ولكنها في الحقيقة هي ختام مرحلة حبلى بمراحل قادمة لم تقترب منها الرواية.

في التعقيب على الرواية اقول:

قرأت المئات من الروايات السورية وخاصة التي تتابع واقع الحياة السورية والثورة السورية خاصة بعد الربيع السوري في عام ٢٠١١م. هذه الرواية مختلفة بكونها تعطيك إحساس بأنك أمام نهر الحدث الروائي المتدفق المتشعب والمتنوع، بحيث تدخل في تدفقها مع إحدى الشخصيات وتتعايش معها جزئيا ثم تخرج لتدخل في فرع آخر للنهر وتعيش ذات الحالة مع شخصية أخرى وهكذا دواليك. الحدث دائما معاش بالحاضر ويتحدث به صاحبه بلغة المتكلم. ونحن كقراء نتابع هذه التنقلات لنجمع اطراف الرواية لتشكل صورتها النهائية في ختامها.

تفاعلت في القراءة مع الشخصيات وعشت معاناتها وجعها وحبّها وآمالها وطموحاتها على تواضعها. أحسست بالشغف في المتابعة أولا بأول، وانتظرت أن تكتمل لوحة الرواية رسمها مع خاتمة الرواية.

كما لفت نظري ان تكتب الرواية ونحن في اواسط عام ٢٠٢٦م بعد سنة ونصف من انتصار الثورة السورية ، وسقوط عهد الاسد الاب والابن وانطلاق سورية وشعبها إلى عصر الحرية والعدالة والبناء واعادة خلق الحضور التاريخي كما يجب لسورية وعراقتها وشعبها المضحي المبدع.

مع ذلك توقفت الرواية عند تلال الزعتر كنماذج كثيرة عن مذابح عاشها الشعب السوري في ظل النظام المجرم لعقود طويلة. تحت عنوان عريض : لكي لا ننسى.

ورغم أن ما حصل من قمع وقتل واعتقال وتشريد للشعب السوري وتدمير لسورية بعد ثورتها عام ٢٠١١م. يجعل ما حصل قبلها نقطة في بحر الظلم الذي عاناه الشعب السوري.

انتهت كتابة الرواية قبل انتصار الثورة بسنة، كما يذكر الكاتب في ختام روايته، وكأنها استدعاء لذلك الانتصار الذي حصل بعد ذلك وغير سورية إلى الأفضل بشكل مطلق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى