السوق الكوني الكروي: خطابات حركية متنافسة

نبيل عبد الفتاح

تبدو مباريات كأس العالم كفضاءات للحرية متعددة الأبعاد، حيث تعبر الشعوب الفقيرة، والمتوسطة عن أصواتها التي تبدو بعضها خرساء في عالم مفتوح، لكن عبر بواباته النيوليبرالية، ومراكز القوى عند قمة النظام الرأسمالي الرقمي النيوليبرالي، الممتدة حتى شبكات اللعبة، والفرق، وشركات انتاج الملابس وأدوات التدريب والإعلانات، واللاعبين، والمدربين، وإنتاج السلع الرياضية، وتحويلها إلى سلع في الأسواق الرياضية الكونية. تبدو الفرق القادمة من الجنوب، وكأنها تحاول التحرر من نسيان العالم الأكثر تقدما لها في الشمال لها. ويحاول بعض اللاعبين إبراز مواهبهم، وكفاءاتهم في سياق المنافسات للظهور، والشراء للأنضمام للفرق الأوروبية الكبرى. عديد الملاحظات السوسيو- نفسية والمشهدية للمباريات حتي دور الثمانية، يمكن ايجاز بعضها فيما يلي :

1- الكرة الساحرة، كطقس مشهدي، وفضاء للحرية للجمهور ،وتعبير الجموع الغفيرة عن مشاعرهم في الملاعب، ووراء شاشات التلفازات، والألواح الرقمية، والهواتف المحمولة، بالهتافات الصاخبة، والتشجيع، والرقص والموسيقي في أداءات مسرحية حيناً،  ومنظمة ، وبعضها عفوي رهين لحظات في زمن المباراة.

تطور التشجيع للفرق القومية في المسابقات الإقليمية والقارية والكونية من العضوية إلى التنظيم، وجماعات الألتراس في بعض الفرق في عديد بلدان العالم .

2- حالة كرنفالية كونية، من أعلام الدول والفرق والأناشيد والرقصات القومية، والعلامات، والرموز، الجامعة للطبقات والفئات الاجتماعية، في لحظة تعبير هوياتية جامعة، تتجاوز تصدع وانهيار السرديات الكبرى وتقلصات ما بعدها ، والحروب الهوياتية القاتلة -بتعبير أمين معلوف- لاسيما في المجتمعات الانقسامية، وتبدو وكأنها محاولة لتماسك هوياتي لحظي وجماعي، في ظل تفككات طالت حتى الروابط الاجتماعية -كالأسرة والصداقة في الدول الأكثر تقدمًا في شمال العالم-، لحظات تحاول خلالها جماهير كل دولة وفريق قومي مشارك تناسي الفجوات الطبقية، ومشاكل الحياة اليومية، وهمومها.

3- الطقس الكروي الكوني، يبدو مجالاً لتفريغ الغضب الاجتماعي، ومعاناة هموم وضغوط تفاصيل الحياة اليومية ، في عديد بلدان دول الجنوب بل، في مواجهة حالة البطالة كما في حال بريطانيا في بعض المراحل في عقود نهاية القرن الماضي من خلال طقس التشجيع، وتناول المسكرات، بل والعنف في الملاعب. بعض الجمهور يبدو عنصرياً كما لدي بعض الأرجنتينيين تجاه الأفارقة – والمصريين بعد فوزهم علي الفريق المصري في دور ال ١٦ – ، وغير الأوروبيين ، مثلهم مثل بعض المتطرفين من اليمين الأوروبي ، وواحدة من السياسيين في الباراغواي – عضوة مجلس الشيوخ البارغويانية السيدة سيليست  أماريا -كان خطابها عنصري تجاه المهاجم الفرنسي كيليان امبابي ، الذي وصفته في رسالة علي موقع إكس / X  بأنه : ” كاميروني نتاج الاستعمار ، يحاول يأساً التظاهر بأنه فرنسي ، ناقم ، حديث الثراء ، متغطي وقبيح . كان متوتراً ومرعوباً طوال المباراة ، تماما مثل فريقه بأكمله ، لم يتمكنوا حتي من تسجيل هدف واحد ، لقد فازوا بضربة حظ ” ! ورد كيليان مبابي في رسالة علي موقع  X/ اكس ” السيدة سيليست أماريا أنت امرأة حقيرة وغير جديرة بمنصبك . أنت لاتمثلين الباراغواي  ، البلد الذي أظهر شغفا وشرفا طوال البطولة . بسبب تهورك وعنصريتك الصارخة ، نسّي العالم بأسره المسيرة والجهد التاريخي الذي بذله لاعبوك خلال هذه البطولة ولم يتبقي سوي أمرأة غير كفؤه تسئ إلي سمعة بلدها ” ” لن اسمح أبدا لأمثالك بنشر كراهيتهم وعنصريتهم في جميع انحاء العالم ” . عبرت ماريا فيراري وزيرة الرياضة الفرنسية عن استياءها الشديد من تصريحات أماريا ووصفتها بأنه ” عنصرية وبغيضة ” . ( المصدر موقع سكاي نيوز عربية دوت كوم في ٧/٧/٢٠٢٦ ).

لاشك ان هذه التصريحات العنصرية من عضوة مجلس الشيوخ في البارغواي ليست سوي بعض من النزعة العنصرية العرقية تجاه التعدديات العرقية ، والحضور الأفريقي الأسود والعربي في تشكيل بعض المنتخبات القومية الأوروبية وفي أمريكا الشمالية ، وتداخل السياسة في الطقس الكروي الكوني ، وهو مايشير الي تراجع مستويات غالبُ السياسيين مابعد الحرب الباردة ، من حيث مستويات خطاباتهم السياسية ، وغلبة السمتُ اليميني علي توجهاتهم ، والعنصرية العرقية لدي بعضهم ، والمثير ان بعضهم من دول جنوب العالم كالارجنتين ، والبارغواي !

4- التضافر والتكامل بين الهتافات والموسيقي والرقص – علي سبيل المثال قرع اللاعب النرويجي إيرلينغ هالاند الطبل في استعادة لإرث اجدادهم محاربي الفايكنج –  في حالة مشهدية سوسيو – نفسية لإشاعة بهجة ما ولو مؤقتة في عالم مضطرب، وأزمات اقتصادية متلاحقة ، ومستقبل غائم فرديا وجماعيا.

5- المشهدية الكروية الكونية لم تُعد حكرًا فقط على الفرق القومية الكبرى ذات التاريخ، والمشاركات في كأس العالم، وإنما تشهد تغيرات كبرى، وصعود فرق ولاعبين من أفريقيا، وأمريكا اللاتينية وآسيا، لأنها باتت صناعة، وتخطيط، ونظم تدريب ، وتطور مهارات وكفاءات بوصف كرة القدم جزءًا من عالم الرأسمالية وتطورها الي النيوليبرالية، وتداخلها في كرة القدم، بل والمرجح أنها من المهن التي لن تندثر في عالم الروبوتات، بل قد لا تحل محلها، لأنها ستكون من أكثرالالعاب ، والرياضيات الأكثر التصاقا بالإنسان حتى في عصر ما بعد الإنسانية.

6- المشهديات الكروية الكونية ، تمثل حالات مشهدية  متعددة ، حيث تتجلي في مشهدية الملعب حيث التنافس الضاري بين اللاعبين وراءهم المدربين، حيث التخطيط، والقوة  العضلية والجسدية، وإبراز المهارات، وبعض العنف في كافة المواقع ، حيث كل لاعب يحاول إبراز أفضل ما لديه من قدرات. هي خطاب حركي وأدائي موجه لتعبئة الجمهور، ورفع معدلات حماسه القصوي ، وهو خطاب موجه لإدارات الأندية الأوروبية الكبرى، والممولين، والشركات الرأسمالية العاملة في المجال الرياضي، وإنتاج السلع والخدمات للتفاوض المستقبلي مع اللاعبين على الأجور المكافآت واستخدامهم في الإعلانات عن السلع والخدمات ..الخ.

7- ثمة خطاب حركي وأدائي موجه من اللاعبين والمدربين إلى النوادي الأخرى في سوق المنافسة على شراء اللاعبين البارزين، وانتقالهم من نادي لآخر في الفرق الأوروبية الكبرى.

8- خطاب حركي من اللاعبين الأفارقة، ومن أمريكا اللاتينية المتجنسين في أوروبا، هو خطاب وجودي، يتمثل في إثبات ان تجنسه، أو الجنسية بالميلاد في الدول الأوروبية، إنها استحقاق وعن جدارة، وهو خطاب سوسيو-نفسي، ودفاعي وهجومي في مواجهة اليمين  المتطرف، واليمين العرقي، وضد الصور النمطية العرقية واللونية للأفريقي الأسود المهاجر، الذي بات يمثل أبرز نجوم الفرق الأوروبية، والقومية في هذه البلدان.

9- خطاب حركي وإبداعي وامتنان من اللاعبين العرب والأفارقة إزاء الأمهات والآباء رقيقي الحال الذين صارعوا الحياة من أجل أبناءهم الذين تحولوا إلى نجوم كونيين في كرة القدم.

10- بعض مشهدية الفرحة الجماهيرية، يمكن أن نطلق عليها المشهدية القلقة، والنظرات الوجلة بين تحركات الكرة، وتمريراتها، وصدّها ، وابعادها عن منطقة المرمي .. الخ ، تؤدي إلى التشتت والقلق والتداخل مابين حالات الفرح والدهشة، والمخاوف والقلق والصراخ والهتاف ، والضحك وتقطيب الوجوه والوجوم بل والبكاء من بعضهم حالة الهزيمة – مثل دموع النجم البرتغالي الشهير لوناردو بعد فوز إسبانيا علي البرتغال،  ونهاية دوره كلاعب مع فريق بلاده في مسابقة كأس العالم – ، بل والأنتصار علي الفريق المنافس ، إنها مشهدية لجغرافيا المشاعر المضطربة والقلقة، والفرحة والغاضبة ! خذ علي سبيل المثال تحولات الجماهير المصرية من حالة الفرح والنشوة الغامرة بالخروج في الشوط الأول من المباراة مع الأرجنتين ، والتحول الي حالة رفضوقلق وحزن ، وهياج لبعض أخطاء الحكم الفرنسي ، إزاء هدف لم يحتسبه لصالح الفريق المصري ، وعدم احتساب ضربة جزاء ، ثم التحول الدرامي للمباراة خلال العشر دقائق الأخيرة التي أدت الي فوز الفريق الأرجنتيني بثلاثة أهداف مقابل هدفين للفريق المصري . تحولت حالة الجماهير من الفرح الي الهزيمة ، وسرعان ما انتابتها هي واللاعبين مشاعر متداخلة مع الهزيمة اتسمت ببعض من الزهو، والفخار لوصول الفريق المصري الي دور ال ١٦ لأول مرة في تاريخ كرة القدم المصرية.  والأداء الذي اعتبر جيداً ، ومشاعر الذهول في مصر من حالة النصر الي الهزيمة ، وفراغ شوارع المدن ليلا من الجماهير التي انتشت بالهدفين ورفعت الإعلام وهتافاتها علي مقاهي المدن المصرية ، والعاصمة القاهرة ، ثم انتابتهم حالة النكوص والهزيمة ، والانكسار ،  ثم بعدها الحديث عن أخطاء الحكم الفرنسي ، ومعه الفيفا وانحيازات بعض الحكام ، ثم الحديث من قلة عن بعض أخطاء المدرب وتغييراته وتكتيكاته ، في الدقائق العشر الأخيرة التي هاجمت فيها الفرقة الأرجنتينية وأحرزت ثلاث أهداف . تحولاتي الشعور الجمعي للمشاهدين دالة علي اثر التوتر والخوف والهياج الشعوري ، ما بين احراز أهداف لفريق ثم النكوص للتوترات والخوف ، والهزيمة بعد تحقيق الخصم لاهداف مضادة ثم النصر ! انها كما وصفت صحيفة ” لا غازيتا ديلو سبورت ”  La Gazzetta Dello Sport   ، المباراة بين مصر والأرجنتين بأنها ” دراما مونديالية حقيقية ” ، وان ماحدث من التحكيم ” شذوذ تكنولولوجي وتحكيمي غريب ” ، وفي تقييمها لأداء الحكم منحته ٥ من ١٠ ، واعتبرت أنه  ” فقد السيطرة علي المعايير البدنية للمباراة في الشوط الثاني ”  ، وان ثمة سقطة لبروتوكول ال VAR )  ) في هذه المونديال . ( انظر صفحة سلام كواكبي  Salam Kawakiwi   ) . بقطع النظر عن بعض أخطاء التحكيم ، إلا ان تحولات الشعور شبه الجمعي للجماهير علي اختلاف مكوناتها الاجتماعية ، تشير الي تقلبات الحالة الشعورية لها اثناء الطقس الكوني ، وهي مشاعر محمولة علي أوضاعهم السيو نفسية المأزومة والقلقة قبل المباريات ، ثم تهيمن في لحظات القلق اثناء طقس الفرجة .

11- مع التحول من مستوى لآخر في تصفيات كأس العالم، وخروج فرق، وصعود أخرى، ترتفع مستويات أداء بعض الفرق، ومعها العنف الجسدي، والقوة العضلية والجسدية، وذلك على الرغم من تطور تقنيات المراقبة بالكاميرات، والذكاء الاصطناعي، مع الحكام داخل المباراة، وخارجها.

الإعاقات من خلال القوة الجسدية من بعض لاعبي الفرق المشاركة بات متزايداً ، وراءها تكمن الرغبة العارمة في الحد من قدرات الخصم، والانتصار بالتخطيط، والقوة، ، وهي ظاهرة تتزايد من كاس عالم لآخر، لاسيما الدورة الحالية .

12- تبدو السياسة في دخائل كرة القدم، مثل رفع علم فلسطين من بعض الجماهير، أو المدربين، علامة رفض لسياسة الإبادة الجماعية الإسرائيلية للشعب الفلسطيني. وتشجيع بعض الجماهير العربية، للفريقين المصري والمغربي، حيث ترتفع مشاعر الحس العروبي، في مواجهة حالة التفكك والصراعات، والهزائم العربية السياسية في إقليم مضطرب ، وبدت السياسة وتدخلاتها في طلب ترامب من رئيس الاتحاد الدولي إيفانتينو مراجعة قرار البطاقة الحمراء التي حصل عليها لاعب الهجوم في الفريق الأمريكي ( فولارين بالوغون ) ، وقرر الاتحاد تعليق الإيقاف ، في تدخل صارخ !

 ١٣- من المثير ملاحظة تنامي نفوز الفيفا كونياً ، خاصة مع بعض من تماسها مع السياسة ، وايضاً نفوذها المالي مع ازدياد إيراداتها المتوقعة من المونديال التي تقدر ب ٩ مليارات دولار بزيادة تقارب من ملياري دولار عن نسخة مونديال قطر ٢٠٢٢ .

١٤- بعض السياسيين والفنانين والإعلاميين لاسيما في الدول المتخلفة – المثال المصري – يحاولون توظيف مباريات فريقهم ، وصعودهم لدور السادس عشر لإثبات حضورهم وسط الجماهير الفرحة بهذا الإنجاز ، وخاصة علي وسائل التواصل الاجتماعي ، بقطع النظر عن كونهم من مشجعي اللعبة أم لا ؟ لأنهم يربطون بين هذا التشجيع الرقمي ، وبين الحالة الوطنية المحمولة علي ارتقاء فريقهم الي مرحلة اعلي في المسابقة الكونية .

الطقوس الكروية الكونية، هي لحظات وجودية إنسانية، وقومياتيه، وفرح، وحزن، وقلق، وبحث عن لحظة جماعية يتم اقتناصها من صخب الحياة وعنفها وتفاصيلها ، في عالم تتفكك روابطه، وعلاقاته الإنسانية، في مرحلة التحول إلى ما بعد الإنسانية وغموض بعضها ومخاوفها التي تتناسل من بين ما يتسرب من مختبرات الذكاء الاصطناعي التوليدي وعالم الروبوتات وتطوراته فائقة السرعة والتلاحق .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى