ضربات تحت الحزام ! (رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين)|| عيد ميلادي الثلاثون !

محمد خليفة

    لا استطيع أن أنسى ما حييت ليلة 14 ـ 15 سبتمبر 1982 . كانت تلك ليلة عيد ميلادي الثلاثين ، قضيتها ساهراً لم يغمض لي فيها جفن ، ولا النهار التالي ، وزاد على ذلك قدر هائل من الخوف والألم والشعور بالهوان !

 في تلك الليلة كانت بيروت كلها تنام تحت الاحتلال الإسرائيلي الغادر الذي جاء إثر هجوم غادر ومفاجئ شنه وزير الدفاع أرئيل شارون على المدينة الباسلة ليكسر أسطورة صمودها في وجه قواته ومقاومتها البطولية طوال خمسة وسبعين يوما ، وكان الهجوم الغادر والاحتلال الجبان قد تما بعد نهاية الحرب وخروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت وتسليم القوى الوطنية اللبنانية لأسلحتها للحكومة تنفيذا لاتفاق رعته الولايات المتحدة ووضع المدينة وسكانها المدنيين في حماية القوات المتعددة الجنسيات ، ولكن إسرائيل كعادتها غدرت وخانت الاتفاق .

قلت إن بيروت نامت تلك الليلة تحت الاحتلال الذي سيطر عليها كلها باستثناء مربع صغير يقع في المصيطبة استعصى عليها نتيجة المقاومة الشجاعة التي أبداها رجل اسمه عمر حرب كان القائد العسكري للاتحاد الاشتراكي وكان معه بضع عشرة مقاتلا فقط فلم تتجاسر القوات الإسرائيلية الضخمة على دخول هذا المربع الصغير خوفا من القتال وجها لوجه ، وطلبت التفاوض مع عمر حرب لكنه رفض أي تفاوض ، وقال لهم : لن تدخلوا إلا بثمن باهظ … وصدق الرجل ما عاهد الله عليه حينها . وشاء قدري أن ان أكون متواجدا في ذلك المربع المقاوم لأن مجلة الشراع التي كنت أعمل فيها تقع في قلب الشارع الممتد من كورنيش المزرعة إلى حي اللجا ، وفي هذا الشارع يقع بيت وليد جنبلاط ودارة صائب سلام رحمه الله . كنت أقيم في بيت يقع في الطابق الخامس من بناية عالية في ذلك الشارع ولها شرفة واسعة تطل على مساحة واسعة من بيروت الجنوبية حيث مخيم صبرا ، والمدينة الرياضية ومستديرة الكولا والسفارة الكويتية . عندما أرخى الليل سدوله على المدينة الحزينة وغطى العتم الشديد كل شيء لعدم وجود كهرباء ، أعددت فنجان قهوة وجلست على الشرفة أرشفه وحيدا ، وتركت العنان لخواطري وأفكاري ومشاعري تتداعى بحرية لا يقطعها سوى عقلي الذي كان مشغولا في التفكير بما سيحل غدا عندما تقرر القوات الإسرائيلية اقتحام هذا الشارع المستعصي ، والمعركة الطاحنة التي ستدور من حولنا من بيت إلى بيت … وبينما أنا على هذا النحو وكان الليل قارب على الانتصاف أخذت أصوات انفجارات مدوية وقنابل ضوئية متلاحقة تصدر من مخيم صبرا الفلسطيني ، فشدت جوارحي وأخذت أتابعها بدهشة لأنني أعلم أنه ليس هناك ما يكفي من السلاح والمقلتلين لخوض معركة مع قوات العدو ، وكنت أعلم أن هناك كتيبة صغيرة من الجيش اللبناني تتمركز عند مدخل المخيم وكنها غير مستعدة للقتال ولا يتصور منها أن تتطوع لمعركة من هذا النوع … ولم يمض وقت طويل حتى استطعت أن أدرك حقيقة ما يجري من خلال القنابل المضيئة التي كانت تنير سماء المخيم وتجعله كملعب كرة قدم كبير يشهد مباراة حاسمة في الليل ! كانت القوات الإسرائيلية قد أدخلت كلابها وذئابها العميلة من القوات اللبنانية إلى المخيم لذبح وقتل أكبر عدد من الشباب والرجال والأطفال والنساء .. كنت أسمع الأصوات وأشاهد القنابل وأرى بعض التحركات ولكني لا أتبين تفاصيلها ، بيد أني ادركت تماما ما يحدث .

عند الساعة السادسة جاء من رجال عمر حرب من يطلب من المدنيين القلائل الباقين في المربع المحرر محاولة الخروج منه استعدادا للمعركة مع الإسرائيليين وتقليلا للخسائر البشرية ، فغادرت البناية محاولا الانتقال إلى منطقة الحمراء حيث بيت الصديقين الياس وسليم سحاب لأقيم عندهما أو بالأحرى لأختبأ لأن قوات الاحتلال كانت تترك اللبنانيين أما إذا عثرت على سوري مثلي أسرته ونقلته إلى فلسطين المحتلة ، وفي طلعة يزبك صادفت امرأة تسير بمحاذاة البنايات وهي تتلفت حولها وقد عقد الذعر لسانها وجعل عينيها تجحظان كأنهما تريدان الفرار من محجريهما ، وكانت شبه عارية ، لا يستر جسدها إلا ثوب نوم رقيق ، وكانت حافية وشعرها اشعث أغبر ، اقتربت منها أسألها ما بها فأفهمتني بصوت خافت متهدج أنها استطاعت بما يشبه المعجزة الفرار من مخيم صبرا ، وأخذت تحكي لي ما حدث فيه طوال الليل ، فعلمت بالتفصيل ما كنت شاهدته وتفرجت عليه طوال الليل مجملا ومبهما ، شعرت بالصدمة والانسحاق وتمنيت الموت ، خصوصا أني بعد أمرت المرأة بالابتعاد عن الشارع الذي سيشهد معركة حاسمة بعد قليل ، وتابعت طريقي نحو الحمراء مررت بدوريتين إسرائيليتين ، ورأيت للمرة الأولى ( العدو ) عن قرب وجها لوجه وكلمني وكلمته ، ولكنه لحسن الحظ لم يطلب أوراقي وظنني لبنانيا ، وفي طريقي الذي حسبته طويلا كطريق الألف ميل مررت ببيوت وبنايات عديدة وقد رفع سكانها الأعلام البيض علامة الاستسلام !

كان ذلك يوم عيد ميلادي الثلاثون !!

 

المصدر : صحيفة الراية القطرية
تاريخ :19/09/2000

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى