واحة الراهب لـ”المدن”: العودة لا تكتمل بلا أمان وعدالة

مصطفى الدباس

تحضر واحة الراهب في المشهد السوري كممثلة ومخرجة وكاتبة، وفي الوقت نفسه كفنانة تقاطع مسارها المهني مع موقف سياسي واضح دفعها إلى مواجهة مبكرة مع النظام السوري.

تنتمي الراهب إلى جيل دخل الدراما والسينما السورية منذ ثمانينيات القرن الماضي، وراكم حضوراً امتد لأكثر من أربعة عقود، بدأ مع فيلم “أحلام المدينة” 1984 لمحمد ملص، وتواصل عبر أعمال تلفزيونية وسينمائية عديدة، من بينها “جواهر”، و”القصاص”، و”الزيزفون”، و”أوركيديا” 2017، وصولاً إلى “الجابرية: الرحلة 422″ 2023، و”الخروج إلى البئر” 2026.

كما بنت الراهب مساراً واضحاً في الإخراج، من “جداتنا” 1991 و”الخرزة الزرقاء” 1994، إلى “رؤى حالمة” 2003، و”هوى” 2012، و”قتل معلن” 2019، وكتبت وأعدت أعمالاً درامية، منها “النقمة المزدوجة” 2007، في مسار جمع بين الحس البصري والاشتغال على النص.

ومع تضييق الخناق عليها ومنعها من العمل داخل سوريا، تحولت الكتابة الروائية وأصدرت “مذكرات روح منحوسة”، و”الجنون طليقاً”، و”حاجز لكفن”، و”غرق السلمون”.

بدايات الصورة

درست الراهب الفنون الجميلة في دمشق، إلا أنها ربطت دخولها عالم الإخراج والكتابة بلحظة مبكرة عاشتها خلال مشاركتها في فيلم “أحلام المدينة” لمحمد ملص، وقالت في حديث مع “المدن”: “اقتربت من عالم السينما ورأيت كيف يمكن للصورة أن تتحول إلى لغة كاملة قادرة على التعبير عن الإنسان والحياة، وهو ما دفعني إلى دراسة السينما في فرنسا”، وأضافت: “أنجزت فيلمي الطلابي الأول الذي فاز بالجائزة الفضية في “مهرجان قليبية” في تونس، الأمر الذي منحني يقيناً بأني لست متطفلة على هذه المهنة بعد محاولات حتى من مقربين إقناعي بذلك”.

رواياتها كانت “مشروعاً مؤجلاً”

الإخراج بالنسبة للراهب، فضاء يجمع كل أدواتها، من الأداء إلى الكتابة والموسيقى ثم الرسم، وصولاً إلى إدارة الممثلين وبناء الكادر السينمائي، ويفسر هذا التكوين المتعدد علاقتها بالحكاية والمزج بين الرواية والصورة، حيث قالت أن رواياتها كانت “مشروعاً مؤجلاً”، وأن المنع الذي طاولها في الدراما دفعها إلى تعويض الصورة بالكلمات وتحويل أفكارها المؤجلة إلى أعمال سردية يمكن تحويلها إلى أفلام أو مسلسلات.

واحة الراهب الروائية

ولا ينفصل البعد الفني في كلام الراهب عن تصورها للإنسان بوصفه محور مشروعها كله، إذ تلاحق في رواياتها التشوهات النفسية التي خلفها العنف والخوف والاستبداد في التجربة السورية. ففي “مذكرات روح منحوسة” تكتب عن روح تبحث عن الحرية في زمن القمع، وفي “الجنون طليقاً” تجعل من مشفى في دوما استعارة لخراب الحصار والطغيان، فيما تذهب “حاجز لكفن” إلى رعب المعتقل والموت المؤجل، وتقرأ “غرق السلمون” بنية العنف السوري عبر عقود طويلة، حيث تغدو مقاومة التيار شرطاً للبقاء.

وتربط الراهب تشكل وعيها بمناخ ما بعد هزيمة حزيران/يونيو 1967، والأثر الذي تركته تلك اللحظة في البيت والشارع، وفي جيل كامل تربى على خطاب رسمي ادعى النصر وأضافت: ” ثم جاءت مجزرة حماة الوحشية 1982 ما عمّق قناعتي  بطبيعة النظام والهوة بين شعاراته وممارساته وكشف لي استسلامات النظام أمام الخارج، في مقابل الاستئساد على المواطنين وحدهم”،  موضحةً كيف “أصبح ذلك جزءاً من فهمي لبنية الحكم وأدواته”.

وشاركت الراهب في تأسيس “المبادرة الاجتماعية” المعنية بقضايا المرأة، كما ساهمت في منتديات “ربيع دمشق”، ووقعت بيانات 1999 و2000 وبيان الانسحاب السوري من لبنان، وشاركت في تحركات ضد الغزو الأميركي للعراق “ما وضعني في مواجهة مفتوحة مع السلطة منذ وقت مبكر”.

وروت الراهب كيف صارت مشاريعها تُسحب من بين يديها قبل الثورة بسنوات “وصدر تعميم أمني من بهجت سليمان منعني من العمل في جميع وزارات الدولة، وعمّمه على المنتجين”.

الاستبداد في السياسة..كما في الجندر

لا تفصل الراهب بين النضال النسوي والسياسي، وتعتبر أن هذا الترابط يظهر داخل العمل الفني نفسه في اختيار الموضوعات وطريقة بناء الشخصيات وموقع المرأة داخل الحكاية مؤكدة رفضها لأي معالجة “تتعامى عن دور المرأة وإمكاناتها كقوة تشكل نصف المجتمع”، أو تقدمها بصورة مثالية منفصلة عن تعقيدها الواقعي.

وترى الراهب أن الحكام المستبدين يتركون هامشاً لاستقواء الرجل على المرأة ويحمونه بالقانون، بما يحول الصراع داخل المجتمع إلى نزاع بين نصفين، بدلاً من اتحاد قواهما في مواجهة القامع المشترك، رابطةً بين انتصار أي ثورة وقدرتها على معالجة قضايا النساء جذرياً. وهنا تشير الراهب إلى أن “المبادرة الاجتماعية” التي ساهمت في تأسيسها كان لها دور في الدفع نحو تغيير قانون رفع سن الحضانة لصالح المرأة، كما أعدت استبياناً غير مسبوق حول قوانين الأحوال الشخصية صدر في كتاب، قبل أن تحرك السلطة ضد “المبادرة” خطاباً دينياً تحريضياً وصل إلى التكفير، ثم انتهى بحل الجمعية تعسفياً.

ثمن الموقف

قالت الراهب إن إعلان موقفها المؤيد للثورة، ورفضها الظهور في إعلام النظام، تبعه تهديد بابنتها، ثم تهديدها شخصياً عبر وسائل التواصل، قبل أن تصلها معلومات تؤكد أن اسمها موجود في ملفات سرية للأمن مع المطلوب قتلهم.

وربطت الراهب هذا الوضوح في موقفها بحاجة داخلية إلى البقاء منسجمة مع ذاتها، لأن الكذب والنفاق وتزوير الحقائق لم تكن أشياء تستطيع احتمالها أو التكيف معها، مهما كان الثمن فادحاً. وأضافت: “ما رسخ هذا الوضوح هو ثقتي في الشعب السوري حين خرج  كالمارد في ثورته، محطماً كل قيود الخوف”. وتعتبر أن القطيعة مع النظام جزء من هويتها السورية، وأن العودة إلى البلاد، والتي وصفتها بأنها “عودة الروح”، لن تكتمل من دون استقرار وأمان وعدالة.

المنفى والكتابة

كان المنفى بالنسبة للراهب تجربة جمعت الخسارة بالحرية، إذ حررها البُعد من رقابة النظام ومنعه، وفتح أمامها فضاء أوسع للتعبير، فيما حمل إليها فقدان المكان والوسط الفني والحياة اليومية داخل بلد ظل حاضراً في وجدانها وكتابتها.

وقالت إنها خافت في البداية أن ينضب “منبع فيض حكاياتها” مع الابتعاد عن سوريا، قبل أن تكتشف أن الذاكرة، ومتابعة ما يجري، والهاجس الدائم بهموم الناس وأحلامهم، أبقت هذا المنبع مفتوحاً. ومن هنا، لم يتحول المنفى عندها إلى غرق في الحنين أو إلى سيرة ذاتية متواصلة، وإنما إلى مسافة أعادت من خلالها قراءة المأساة السورية بلغة تنفتح على الإنسان أكثر مما تنغلق على الجغرافيا، فيما بقيت الكتابة الوسيلة التي حفظت الصلة ومنعت الغياب من التحول إلى انقطاع.

الحريات بعد الأسد

وبدت الراهب واضحة في موقفها من القرارات التي تمس الحريات الشخصية بعد سقوط الأسد، رابطةً ذلك مباشرة بجوهر الثورة وقيمها، وأشارت إلى أن الجانب الذي أسعدها في مواجهة هذه القرارات هو أن “صوت شعبنا مازال مسموعاً”، وأن الناس خرجوا في تظاهرات مضادة لها، وهو ما قرأته بوصفه دليلاً على تمسك السوريين بشعارات الثورة الأساسية، ورفضهم لأي مسار يعيد تقسيمهم رمزياً واجتماعياً. وفي هذا السياق، وضعت الراهب مستقبل البلاد في معادلة سياسية واضحة: دولة مواطنة ديموقراطية، وقانون وفصل سلطات وحريات عامة، وأن أي مسار آخر سيقود إلى تجويع السوريين وتمزيقهم وإضعاف البلاد.

الدراما بعد التحرير

منحت الراهب السينما الوثائقية موقعاً متقدماً في تمثيل المأساة السورية خلال سنوات الثورة، بسبب قربها من الحدث وشجاعة العاملين فيها، فيما ترى أن الدراما التلفزيونية لم تستوعب بعد حجم ما جرى، ولا الدور الذي يمكن أن تؤديه في حفظ الذاكرة الوطنية.

وانتقدت الراهب محدودية التمويل وشروطه، مشيرة إلى أن بعض الأفلام الروائية الطويلة لم يجد فرصته بسبب الكلفة العالية أو بسبب تدخل جهات التمويل في السردية نفسها. وذكرت أن فيلماً عن عبد الباسط الساروت لم يسمح له بالتطرق إلى الراحلة فدوى سليمان، كما رأت أن كثيراً من الأعمال المنتجة سابقاً داخل سوريا كانت فاقدة للمصداقية لأنها خضعت لشروط النظام ورقابته.

أما مشروعها الشخصي في المرحلة المقبلة، فيتركز في تحويل رواياتها إلى أعمال سينمائية أو درامية، خصوصاً “غرق السلمون”، التي تراها أكثر نصوصها قدرة على اختزال قراءتها للسلطة والعنف وتحولات الإنسان السوري عبر عقود طويلة، وهكذا يعود كل شيء عندها إلى النقطة نفسها: “الفن، في نهاية المطاف، وسيلة لفهم ما جرى، وحفظه في الذاكرة، وإبقائه مفتوحاً على السؤال، لا مطموراً تحت ركام السياسة وحدها”.

 

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى