رئيس وزراء قطر: الحل الدبلوماسي بين واشنطن وطهران ممكن

رئيس وزراء قطر: أي اتفاق يجب أن يراعي مصالح دول المنطقة

أكد رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، وجود فرصة كبيرة للتوصل إلى تسوية دبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران، رغم التباعد الواضح في مواقف الطرفين، مشدداً على أن أي اتفاق محتمل يجب أن يراعي مصالح دول المنطقة ويحفظ استقرارها وأمنها.

وفي مقابلة مع “العربي الجديد”، أوضح رئيس الوزراء القطري أن المنطقة بحاجة إلى صيغة تقوم على التعايش واحترام سيادة الدول وحسن الجوار، مع رفض أي ممارسات تمس أمن واستقرار الأطراف المختلفة. كما شدد على أن سيادة دولة قطر تمثل خطاً أحمر لا يمكن التهاون فيه تحت أي ظرف.

وجدد الشيخ محمد بن عبد الرحمن رفض بلاده استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط في الصراعات الإقليمية، معتبراً أن أمن الملاحة والطاقة يجب أن يبقى بعيداً عن التجاذبات السياسية والعسكرية.

كما أكد أن المنشآت المدنية والحيوية لا ينبغي أن تكون أهدافاً لأي نزاع، واصفاً إياها بأنها تمثل مصدر رزق للشعوب وركيزة أساسية لاقتصادات المنطقة، إضافة إلى دورها المحوري في أمن الطاقة العالمي.

وحول التداعيات الاقتصادية الناتجة عن الاعتداءات الإيرانية الأخيرة التي استهدفت منشآت حيوية داخل قطر، أشار رئيس الوزراء إلى أن الاقتصاد القطري أثبت خلال السنوات الماضية قدرته على امتصاص الأزمات والتعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية. وأضاف أن الدولة تمتلك احتياطيات مالية قوية وخططاً مرنة تساعدها على مواجهة التحديات لفترات طويلة، لافتاً في الوقت ذاته إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد خطوات إضافية لتعزيز كفاءة الإنفاق العام وترشيده.

وفي الشأن الخليجي، اعتبر الشيخ محمد بن عبد الرحمن أن التطورات الأخيرة أثبتت أن أمن دول مجلس التعاون الخليجي مترابط ولا يمكن فصله، مؤكداً أن مواجهة التحديات المشتركة تتطلب مزيداً من التكامل والتنسيق بين دول الخليج بما يتناسب مع حجم المخاطر القائمة.

وعن العلاقات مع الولايات المتحدة، نفى رئيس الوزراء القطري وجود توجه لمراجعة التعاون العسكري مع واشنطن، موضحاً أن العلاقة بين البلدين تقوم على شراكة استراتيجية طويلة الأمد ومصالح متبادلة وتفاهمات راسخة تشمل ملفات سياسية وأمنية واقتصادية متعددة.

وفي ما يلي النص الكامل للمقابلة:

توقّفت الحرب في المنطقة، ولكن الأزمة مستمرّة، والمواقف والتصريحات من واشنطن وطهران لا تزال متباعدة… بتقديركم، ومن اتصالاتكم ومتابعاتكم، أين نقف الآن؟

نراقب الأوضاع، ونتواصل مع جميع الأطراف، ونجد أن هناك، على الرغم من التباين في المواقف في كل من طهران واشنطن، إمكانية عالية لإيجاد حلٍّ دبلوماسي. وبالتأكيد يعتمد هذا على الظروف التي تتغيّر يومياً. لكننا، في دولة قطر، بالتنسيق مع الأشقاء في دول الخليج، نحاول إعطاء مساحة للدبلوماسية، حتى نصل إلى حلٍّ يضع حدّاً لهذه الأزمة، ويفتح مضيق هرمز، فهذه أولويتنا. ويشجعنا أن تقدّماً إيجابياً يحدُث في تبادل الرسائل بين واشنطن وطهران، وهناك مؤشّرات على هذا. ونحن على تواصلٍ مع الوسيط الباكستاني الذي يبذل جهوده في هذا الخصوص. ونقول هذا بحذر، فالذي يجري من توتر في مضيق هرمز يجعلنا نتأنّى في أحكامنا وتوقّعاتنا، لكننا، في كل الأحوال، نأمل انفراجاً، ونعمل مع غيرنا على هذا.

يصرّ المسؤولون الإيرانيون على إبقاء الملاحة في مضيق هرمز ورقة بأيديهم. ماذا في وسع دول الخليج العربي فعله؟ هل تفكرون في الدوحة جدّياً بطرق بديلة من هرمز لصادراتكم ووارداتكم؟

اسمحوا لي أن أبدأ من نقطة مهمة: العالم كلّه يدفع ثمن إغلاق مضيق هرمز. ومنذ اليوم الأول للأزمة، أعلنّاها بوضوح: نرفض استخدام هذا الممر ورقةَ ضغطٍ في أي صراع، سياسياً كان أو عسكرياً. حرّية الملاحة مبدأٌ ثابت من مبادئ القانون الدولي، ولا مساومة عليها. وفي كل لقاءاتنا، قلناها بصراحة لكل الأطراف: إغلاق المضيق لن يحلّ شيئاً، بل سيُعمّق الأزمة. وسيُعرّض مصالح دول المنطقة لمخاطر جسيمة. وأثره سيمتدّ إلى إمدادات الطاقة والغذاء عالمياً، وإلى استقرار الأسواق.

أما ماذا تستطيع دول مجلس التعاون أن تفعل، فأكتفي بالإشارة إلى التوجيه السامي الصادر عن أصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس في قمتهم التشاورية بجدّة الأسبوع الماضي. وجّه القادة الأمانة العامة للإسراع في استكمال متطلبات الترابط بين المشاريع المشتركة كافة، ومنها المضي قُدماً في مشروع أنابيب نقل النفط والغاز. وهذا توجيهٌ يعكس إرادة جماعية حقيقية لتحصين مصالحنا الاستراتيجية، وضمان أمن إمداداتنا.

قدّمتم عدة رسائل إلى الأمم المتحدة في ما يتعلق بالاعتداءات الإيرانية التي استهدفت بأكثر من 66 صاروخاً ومسيّرة منشآت مدنية في قطر ومشاريع الطاقة في راس لفان ومسيعيد. وأعلنتم القبض على جواسيس لإيران في الدولة. وعلى الرغم من هذا، لم تسحبوا السفير في طهران، ولا طلبتم مغادرة السفير الإيراني، بل ما زالت اتصالات هاتفية بينكم وبين المسؤولين الإيرانيين متواصلة. إلى ماذا يعود هذا الحرص لديكم على إبقاء العلاقات طبيعية مع إيران؟

موقفنا قبل بداية الحرب كان واضحاً، وأعلنّاه أمام الجميع: نحن ضد أي تصعيد، ومع الحوار سبيلاً وحيداً لمعالجة الخلافات. واتصالاتنا مع كل الأطراف لم تنقطع لحظة، حرصاً منّا على الحيلولة دون انفجار الأوضاع، ودعماً لكل جهدٍ يُبعد المنطقة عن المواجهة. وحين وقعت الاعتداءات غير المبرّرة علينا، مع كوننا دولة ذات سيادة ليست طرفاً في الحرب، أعلنا إدانتنا الصريحة وحقّنا في الدفاع عن النفس وفقاً للقانون الدولي، فسيادتنا خط أحمر لن يتم التهاون فيه يوماً. وفي الوقت نفسه، نحن وإيران دول جوار، تجمعنا جغرافيا واحدة، ومصالح شعوبٍ متشابكة. ولا بدّ أن نجد صيغةً للتعايش، تقوم على احترام السيادة، وحُسن الجوار، وعدم المساس بأمن أيّ طرف. هذا هو الطريق الوحيد لاستقرار المنطقة.

لوحظ في استعراض بشوارع طهران تحديد مشروع “راس غاز” في قطر هدفاً مستقبليّاً للاعتداءات الإيرانية في ما لو عادت الحرب… كيف قرأتم هذا الأمر؟

قطر تُدين أي اعتداءٍ على المنشآت المدنية، وأياً كان مصدره. هذه المنشآت ليست أهدافاً، هي مصدر رزقٍ لشعوبنا، وعصب اقتصادنا، وجزءٌ من أمن الطاقة في العالم. وننتظر من الجانب الإيراني أن يلتزم بالمبدأ نفسه، وألا تتحوّل منشآتنا المدنية إلى ورقةٍ في أي صراع. هذا هو السلوك المسؤول الذي يحفظ لنا جميعاً أمن المنطقة.

قررت القمة الخليجية التشاورية “تكثيف التكامل العسكري ما بين دول المجلس، والإسراع في إنجاز مشروع منظومة الإنذار المبكّر ضد الصواريخ الباليستية”. وكنّا قد سمعنا عن احتمالات إحياء منظومة الدفاع الخليجية المشتركة. هل هناك فعلاً نية جدّية بتفعيل هذه المنظومة؟ هل أولوياتكم في دول الخليج اليوم تعزيز منظوماتكم الدفاعية المشتركة؟

التطورات الأخيرة في المنطقة، وما أفرزته من تحدّيات غير مسبوقة، أكّدت حقيقة لا جدال فيها: أمن دول مجلس التعاون ككل لا يتجزأ. ومواجهة الأخطار المشتركة تتطلب تكاملاً خليجياً حقيقياً، يرقى إلى مستوى التحديات. تكاملٌ يُترجم الإرادة السياسية الموحدة لقادتنا إلى منظومات فاعلة على الأرض.

وجاءت قرارات القمة الخليجية التشاورية في جدّة لتؤكّد هذا التوجه. شدّدت على تكثيف التكامل العسكري بين دول المجلس، والإسراع في إنجاز منظومة الإنذار المبكّر ضد الصواريخ الباليستية. وهاتان ركيزتان أساسيتان لتحصين أمننا الجماعي. ولردع أي محاولة للمساس بسيادتنا أو استهداف مقدراتنا. أما التفاصيل التشغيلية والترتيبات الفنية، فستُعلَن في حينها عبر الأمانة العامة لمجلس التعاون.

هل من مراجعة يمكن أن تُجروها في قطر للعلاقات العسكرية مع الولايات المتحدة، وبوجود القاعدة الأميركية في قطر، بالنظر إلى أن هذه القاعدة لم تؤدّ أي دور في الدفاع عن قطر، في أثناء الاعتداءات الإيرانية في حزيران/يونيو وآذار/مارس الماضيين، وفي صد الاعتداء الصاروخي الإسرائيلي على الدوحة في ايلول /سبتمبرالماضي؟

بدايةً، لا بدّ أن نُذكّر بعمق علاقاتنا الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. هي علاقات تستند إلى شراكة شاملة، ومصالح مشتركة، وتفاهمات راسخة. وكما تعلمون، يتم استعراض سبل تعزيز علاقاتنا الدفاعية والأمنية بشكل سنوي، عبر الحوار الاستراتيجي القطري – الأميركي، الذي يغطي مجالات التعاون كافة.

وفي النسخة السابعة من هذا الحوار، التي عُقدت في واشنطن في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، جدّد البلدان تأكيد متانة الشراكة الدفاعية والأمنية. واتفقنا على تعزيز قدرات الردع الإقليمي، وتطوير القدرات الدفاعية المشتركة، ودعم النمو الاقتصادي عبر الاستثمارات الدفاعية. وأودّ الإشارة إلى مباحثاتي مع نائب الرئيس الأميركي (جي دي فانس) ووزير الدفاع (بيت هيغسيث) ووزير الخزانة (سكوت بيسنت)، خلال زيارتي لواشنطن في نهاية مارس الماضي. تناولنا التعاون بين البلدين، وسبل تعزيزه في مختلف المجالات، وعلى رأسها الشراكة الدفاعية. وذلك في ظلّ الظروف الاستثنائية التي تشهدها المنطقة، وبما يخدم مصالحنا المشتركة.

هل تخشَون من صفقةٍ يبرمها الرئيس دونالد ترامب مع القيادة الإيرانية تأتي على حسابكم في الخليج، خصوصاً في ما يتعلق بمضيق هرمز، كأن تتقاسم أميركا وإيران رسوم مرور في المضيق مثلاً؟ وهل تلقّيتم في قطر ضمانات أميركية بأخذ مصالح بلدان الخليج في الحسبان في أي اتفاق محتمل مع إيران؟

نحن نتطلع إلى اتفاقٍ بين واشنطن وطهران، يضع حلولاً دائمة لكل القضايا العالقة بين البلدين. ويجب أن يراعي هذا الاتفاق مصالح دول المنطقة، والعالم بأسره، الذي تضرّر مباشرةً من إغلاق مضيق هرمز. ولعلكم اطّلعتم على الرفض القاطع الذي عبّرت عنه القمة الخليجية التشاورية للإجراءات الإيرانية غير القانونية. رفضٌ لإغلاق المضيق، وعرقلة الملاحة فيه، وتهديد أمنه. ورفضٌ لأي إجراء يؤثر سلباً في الملاحة، ومن ذلك فرض رسوم لعبور السفن، تحت أي مسمّى. وأقولها بوضوح: أمن المنطقة وحرية ملاحتها خطوط حمراء لا تقبل المساومة في أي مفاوضات، وأياً كانت أطرافها.

كيف ترى قطر طبيعة الاتفاق بين واشنطن وطهران، الذي يعالج مصادر قلق دول الخليج وينهي الحرب في المنطقة ويعزّز الأمن والاستقرار فيها، ولا سيما أنه يُقال إن مصالح دول الخليج غير مطروحة في المفاوضات بين واشنطن وطهران وفي الوساطة الباكستانية. هل هذا صحيح؟ وماذا تقصدون بالحل السياسي الشامل بين إيران وأميركا وإسرائيل ودول الخليج، الذي كثيراً ما تتحدّثون عنه؟

تواصل قطر التنسيق مع شركائنا الإقليميين والدوليين، دعماً لجهود الوساطة التي تبذلها جمهورية باكستان الإسلامية. هدفنا تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة. ويحدونا الأمل أن تنجح هذه الوساطة، وأن تجمع واشنطن وطهران في أقرب وقت، وأن نصل إلى اتفاقٍ شامل، يُنهي التوتر، ويُجنّب المنطقة أي تصعيدٍ جديد.

والسلام الشامل والدائم لا يتحقق إلا بشروط واضحة. أولها: طرح كل القضايا الخلافية على طاولة التفاوض. وثانيها: التوصّل إلى حلول تتوافق عليها أطراف النزاع، وتُلبّي مطالب دول المنطقة. هذا هو الطريق الوحيد لأمنٍ مستدام، ولاستقرارٍ حقيقي، ولآفاقٍ جديدة من التعاون الإقليمي البنّاء.

كيف يؤثّر وقف تصدير الغاز القطري المُسال في الموازنة العامة للدولة، وفي المشاريع الاستراتيجية المزمعة وخطّة دولة قطر 2030، وهل تأثرت المشاريع التنموية الكبرى بالأزمة؟

الحقيقة، وكما لمستم بأنفسكم، قطر مرّت بمحطات صعبة كثيرة، آخرها جائحة كوفيد 19، وفي كل مرّة أثبت اقتصادنا أنه قادر على استيعاب الصدمات والتعامل معها. لدينا خطط واضحة، واستراتيجيات مرنة، واحتياطيات مالية تكفينا لفترات طويلة، وهذا ما يجعلنا نواصل تنفيذ مشاريعنا الكبرى ورؤية قطر الوطنية 2030 من دون أن يتأثر المواطن أو المقيم بتداعيات الأزمة الراهنة.

بطبيعة الحال، المرحلة المقبلة سنشهد فيها إجراءات لتعزيز كفاءة الإنفاق العام وترشيده، وحزمة سياسات لتمكين القطاع الخاص ودعم النمو الاقتصادي، وسنُسرّع كذلك تنفيذ استراتيجية التنويع الاقتصادي. هذا خيارٌ وطنيّ ثابت بالنسبة إلينا، ولا تراجع عنه.

ماذا لديكم من جديدٍ بشأن مجلس السلام الذي أنشأه الرئيس ترامب من أجل غزّة بشكل أساسي، وقطر عضوٌ فيه، وخصّصت مليار دولار دعماً لجهوده؟ وهل تعتبرون أن المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار أنجزت بالفعل، وبالتالي وجب الانتقال إلى المرحلة الثانية الخاصّة بنزع سلاح حركة حماس وبقية البنود؟

نعمل في قطر، بالتنسيق مع شركائنا، على ضمان تنفيذ خطة الرئيس ترامب لوقف إطلاق النار في غزّة. هدفنا تثبيت التهدئة، وتحسين الأوضاع الإنسانية في القطاع.

وبحكم وجودنا في مجلس السلام، نؤكد دعمنا الكامل لتنفيذ مهمته بوصفه هيئة انتقالية. هدفنا تثبيت وقف النار بشكل دائم، والمضي في إعادة الإعمار، والدفع نحو سلامٍ عادلٍ ودائم، يستند إلى حق الشعب الفلسطيني الشقيق غير القابل للتصرف في تقرير المصير. وفي إقامة دولته المستقلة على حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.

 

المصدر: المدن

تعليق واحد

  1. حوار صريح ورؤية موضوعية شاملة للوضع في المشرق العربي والخاليج ، والعلاقة مع إيران والولايات المتحدة ألمريكية ، والحرب الأمريكية الإSرائيلية على ا]ران ، نعم يمكن الإتفاق الأمريكي الإيراني ولكن يحتاج لرؤية موضوعية للحدث .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى