
لابد أن تمر فترة زمنية قبل أن يخف الشحن المرتبط بإثارة التعصب القومي لدى فئة من إخوتنا الأكراد , ذلك الشحن الذي جوهره ربط مظلومية تاريخية لعموم أكراد المنطقة في ايران وتركيا والعراق وسورية كقومية لم تتمكن من ايجاد دولة تعبر عنها كما أسفرت عنها التوازنات الدولية وإرادة القوى الدولية الكبرى في العالم بعد الحرب العالمية الأولى , والحقيقة أن العرب خاصة بلاد الشام لحقها أيضا ظلم تمثل في تجزئتها وتسليم فلسطين للحركة الصهيونية واقتطاع أجزاء أخرى منها إضافة لاحتلالها تحت مسمى الانتداب فنحن كنا موضوعا للظلم التاريخي أيضا .
هذا الشعور بالظلم القومي العام تم دمجه مع حالة استثنائية محدودة في الزمان والمكان وجدت في سورية في جزء من الجزيرة السورية تمثل بعدم منح الجنسية السورية لفئة من الأكراد ضمن دعوى كونهم مهاجرين جدد دخلوا لسورية على موجات بعد ثورة الشيخ سعيد بيران التي اختلط فيها ما هو قومي كردي بما هو اسلامي تقليدي في ديار بكر والتي قمعها أتاتورك بطريقة عنيفة بعد أن أعدم الشيخ سعيد .
في الواقع لم تكن الحدود الدولية واضحة وقتها كما هي عليه الآن , وكان ثمة وجود لبعض القبائل الكردية على جانبي الحدود مماسهل لجوء أكراد ديار بكر وغيرها للاراضي السورية , وهناك شكوك بأن سياسة الاحتلال الفرنسي كانت تشجع ايجاد تنوع ديموغرافي إضافة للتنوع الطائفي في سورية . على اية حال كان يجب على الحكومات السورية المتعاقبة حل هذه المسألة بطريقة انسانية وفق القوانين الدولية ومنح الجنسية السورية للأكراد الذين مر على إقامتهم فترة طويلة .
هذه المظلمة المحدودة في الزمان والمكان تم دمجها مع المظلمة الكردية التاريخية الكبرى ومع حالة التأخر الاجتماعي التي كانت تعيشها الجزيرة السورية بعربها وكردها وجميع من فيها , ومن ذلك الخليط جاء حزب العمال الكردستاني التركي بعقيدته الماركسية الرثة والتي اختلطت فيها بطريقة متخلفة وغير مفهومة الماركسية بطبعتها الستالينية مع تعصب قومي شوفيني بينما كان ستالين في الحقيقة عدو التعصب القومي تماما . وبينما الماركسية تقف ضد الدعوات القومية على طول الخط .
حزب العمال الكردستاني هذا بخلطته الايديولوجية وتبنيه العمل المسلح ضمن مرحلة السبعينات من القرن الماضي وهي مرحلة الفكر الثوري والتنظيمات المسلحة أصبح رمز كثير من الشباب الكردي في تركيا ولا حقا في سورية , وبعد انهيار المد القومي الاشتراكي بنهاية السبعينات لم يعد يجد ـأمامه سوى السلفية التي كانت في مرحلة صعود , وهكذا صار يعطي لنفسه طابعا تقدميا مقابل السلفية التي تمثل أكثر تيارات الفكر الاسلامي تشددا وجمودا .
أيضا فقدمثل هذا الحزب وحلفاؤه بديلا سياسيا للشباب الكردي بمقارنته مع نظام الأسدين الذي ارتدى عباءة الفكر القومي العربي ومارس حكما بوليسيا وحشيا وطائفيا في الوقت ذاته .
هذا الواقع التاريخي أسفر عن تمدد فكر حزب العمال داخل البيئة الكردية بمستويات مختلفة , وتم تتويج تلك العقيدة المختلطة بفكرة روج آفا باعتبارها جزءا من كردستان التاريخية , بدون إعطاء أي أهمية للتاريخ أو لحقيقة الوضع الديمغرافي للجزيرة السورية , وحين تحررت الجزيرة السورية من سلطة عصابات قسد ظهر أن حلم روج آفا قد سقط وهو قد سقط فعلا , وأحدث ذلك صدمة معرفية نالت التعصب القومي الذي تم شحنه من قبل حزب العمال وبعض الأحزاب القومية الكردية بنوع من الصدمة القاسية .
سوف يحتاج الأمر لبعض الوقت للتخلص من آثار تلك الصدمة ووعي موقع الأكراد الحقيقي ضمن الوطنية السورية مع الاحتفاظ بهويتهم القومية.
لكن ذلك مرتبط أيضا بابتعاد المثقفين والنشطاء السوريين في حقل الاعلام عن استفزاز المشاعر القومية الكردية، وإظهار المشاعر الوطنية السورية تجاه شركائنا التاريخيين في الوطن.






