إسرائيل بين القوة واستحالة الشعور الدائم بالأمن

    أحمد الجندي

                                                                 

عادةً ما تتزامن الحروب التي تخوضها إسرائيل مع عودةٍ إلى سؤال جوهري عن العلاقة بين القوة والأمن، وفي ظلّ الحرب الحالية يُطرح السؤال القديم عن معنى الأمن في التجربة الإسرائيلية، ويتجدّد النقاش بشأن قدرة القوة العسكرية وحدها على تحقيق الأمن. تفيد البيانات المختلفة بأن إسرائيل تمتلك واحداً من أكثر جيوش العالم تطوّراً، وهي في الوقت نفسه صاحبة الجيش الأكثر تفوّقاً عسكرياً وتكنولوجياً في المنطقة، لكنّها، على الرغم من ذلك، ما زالت تبحث عن حالة أمن لا تتحقّق. هنا المفارقة واضحة، وتتعلّق بطبيعة مفهوم الأمن نفسه، وعدم القدرة على توظيف تفوّقها العسكري والتقني في التخلّص من حالة القلق الدائم الملازمة للكيان الصهيوني منذ لحظة نشأته الأولى. فالأمن ليس حمايةً مادّيةً من المخاطر فحسب، بل هو إحساس نفسي واجتماعي داخلي بالطمأنينة والاستقرار، قبل أن يكون إحساساً خارجياً. وهذا يعني أن امتلاك القوة لا يُترجم بالضرورة إلى شعور بالأمن.
يتحدّث الكاتب الأميركي جون ت. هاميلتون في كتابه “الأمن… السياسة، الإنسانية وفلسفة القلق” عمّا يحمله مصطلح الأمن نفسه من مفارقة عميقة، إذ تعني الكلمة اللاتينية “securitas” التي أُخذ منها التعبير الإنكليزي فيما بعد “التحرّر من القلق”، لكن السعي المفرط إلى تحقيق الأمن قد يفشل في الحصول عليه، بل قد يصبح هذا السعي نفسه مصدراً دائماً للقلق. وينتقد هاميلتون الطرق التي أدّى بها هوس المجتمع المعاصر بالأمن إلى نتائج متناقضة، وإلى شعور بالتهديد حتى في لحظات الاستقرار، واعتبر المبالغة في التركيز على الأمن سبباً يمكن أن يُفضي إلى المخاطر نفسها التي يراد منعها.

التهدئة التي تحقّقها إسرائيل نتيجة عمليات التطبيع مع الحكومات فترات هدوء مؤقّتة

يظهر هذا التوتّر الذي يجمع بين المتناقضين، القوة والشعور بالخطر، بوضوح في حالة إسرائيل، خصوصاً أن المشكلة لا ترتبط بطبيعة التهديدات العسكرية التي تواجهها الدولة، بل بطبيعة البيئة النفسية والاجتماعية والجغرافية التي يعيش فيها المجتمع، فضلاً عن البنية الثقافية والخلفيات الأيديولوجية لمكوّناته، وحالة الصراع الأبدي التي واكبت نشأة الكيان الصهيوني، والتي لا يتوقّع الإسرائيليون لها نهاية، فالإسرائيليون لا يواجهون عدواً واحداً، بل إن بعض النظريات التي اعتمدوا عليها في تكوين تحالفات لم يُكتب لها الاستمرار، والأكثر من ذلك أن بعض الأصدقاء الذين أنتجتهم هذه النظريات صاروا يُصنَّفون اليوم بين العداء والتهديد. فنظرية المحيط التي قامت على فكرة التحالف مع إيران وتركيا وإثيوبيا لمواجهة العالم العربي في عهد ديفيد بن غوريون، تحوّل بعض أطرافها إلى أعداء، كحال إيران، أو إلى تهديد، كحال تركيا. ويعني هذا أن إسرائيل تعيش في بيئة معقّدة، تتداخل فيها الصراعات، وتتقلّب فيها أحوال الشعوب، فيتحوّل الحلفاء خصوماً وأعداءً، فلا تدوم لإسرائيل صداقة في المنطقة. وعلاوة على ذلك، يدرك الإسرائيليون حجم الاختلاف بين العلاقات الرسمية مع الأنظمة والموقف الشعبي الرافض، وأن فترات التهدئة التي تحقّقها نتيجة عمليات التطبيع مع الحكومات هي فترات هدوء مؤقّتة معرضة للزوال مع أيّ موجة تغيير تضرب العالم العربي وتستدعي العودة إلى حسابات الخوف في إسرائيل، مثلما حدث في سنوات “الربيع العربي”.
لا تتعلق المشكلة فقط بالسياسة أو الجغرافيا، بل أيضاً بالبنية النفسية للمجتمع الذي يعيش حالة صراع طويل. وعادة ما يستخدم علماء الاجتماع السياسي مفهوم “عقلية الحصار” لوصف الحالة الذهنية التي تشترك فيها جماعة من الناس، حيث تمتزج لديهم مشاعر الاضطهاد مع الدفاع عن النفس، ويعتقدون أنهم يتعرّضون باستمرار للهجوم أو القمع أو العزلة في مواجهة النيات السالبة لبقية العالم، من دون البحث عن الأسباب التي تؤدّي إلى ذلك. ورغم أن هذه الظاهرة جماعية في الأساس، تنطبق على الأفراد أيضاً، وفي الحالتين ينتج منها خوف مفرط من البيئة المحيطة، وموقف دفاعي عنيد.
وقد وظّف متخصّصون نفسيون هذا المفهوم في محاولة لفهم الحالة الإسرائيلية؛ ففي دراسة عنوانها “عقلية الحصار في إسرائيل”. يشير أستاذ علم النفس السياسي في جامعة تل أبيب، دانيال بار تال، إلى تأصّل عقلية الحصار في فكر اليهود الإسرائيليين، ورسّخها، بحسبه، تاريخ طويل من الاضطهاد والكراهية في أنحاء العالم، ونتيجة لذلك لعبت دوراً مهماً في الأيديولوجية الصهيونية، وتجسّدت في الأدب والسينما والتعليم والصحافة ولدى السياسيين، وصارت جزءاً من الهُويّة الإسرائيلية. بل إنها صارت المدخل لفهم الطريقة الإسرائيلية في إدارة الصراع في الشرق الأوسط، واستيعاب أسباب المواقف السياسية المتطرّفة والحساسية المفرطة للجوء إلى ما سمّاه “أعمال الدفاع عن النفس”. صحيح أن هذه الحالة النفسية لا تعني بالضرورة أن المخاوف غير واقعية، لكنّها تؤشّر إلى أن الشعور بالخطر يصبح جزءاً من الهُويّة السياسية نفسها. وبمعنى آخر، قد يصبح الإحساس بالتهديد عنصراً دائماً في طريقة فهم المجتمع لنفسه وللعالم.
ومن المفيد هنا التمييز بين نوعين من الأمن، القومي والفردي؛ إذ يتعلّق أولهما بقدرة الدولة على حماية حدودها وردع خصومها، بينما يتعلّق الآخر بإحساس الفرد العادي بالطمأنينة في حياته اليومية، وهذا يعني أن الدولة يمكن أن تكون قويةً بينما يبقى الشعور الفردي بالأمان أقلّ استقراراً. في هذا السياق، ترى دراسات نفسية أن الإحساس بالأمن الفردي ليس مجرّد نتيجة مباشرة للظروف المادية وحدها، بل نتيجة عوامل مختلفة. وهنا يُستحضر تعريف بعض العلماء للأمن النفسي “حالة يشعر فيها الفرد بتلبية احتياجاته الأساسية مثل: الحماية والانتماء وتجنّب عوامل التوتر في البيئة التي يعيش فيها”. ومن الطبيعي أن تفضي حالة الصراع الطويل والمتجدّد التي يتعرّض لها مجتمع ما، كالمجتمع الإسرائيلي في حالتنا، إلى تأثيرات سلبية في مستوى الشعور بالأمن، وزيادة حالات اضطرابات ما بعد الصدمة، وارتفاع معدّلات الانتحار، وتفاقم المشكلات الأسرية، وغيرها من مظاهر نفسية واجتماعية سلبية تتواكب عادةً مع ارتفاع حدّة الصراعات التي تخوضها الدولة. في هذا السياق، كانت صحيفة جيروزاليم بوست قد نشرت في يونيو/ حزيران الماضي مقالاً بعنوان “الإسرائيليون يفقدون الثقة في الحكومة بسبب فشل السياسة الأمنية”، عرض لنتائج دراسة أُجريت على يهود إسرائيل، وكشفت علاقةً قويةً بين تراجع مستوى الثقة داخل المجتمع الإسرائيلي واستمرار الحرب والتهديدات الأمنية، وأكّدت أن التعرّض المتكرّر للهجمات والصدمات لا يؤدّي فقط إلى الخوف من العدو الخارجي، بل قد يولّد أيضاً غضباً وإحباطاً تجاه مؤسّسات الدولة إذا اعتقد المواطنون أنها فشلت في توفير الأمن. وأوضحت الدراسة أيضاً أن الذين لديهم تجربة شخصية قريبة مع ضحايا هذه الهجمات قد يصبحون أكثر ميلاً إلى دعم العنف ضدّ المسؤولين أو قوات الأمن، نتيجة شعورهم بفقدان السيطرة والثقة، ويمارسون ضغطاً سياسياً أكبر للمطالبة بردود حاسمة تعيد الشعور بالسيطرة.

تؤدّي حالة الخطر الدائم التي يعيشها الإسرائيليون إلى تمركز السياسة حول فكرة الدفاع والبقاء

وتعكس مثل هذه المطالبات مشكلةً أعمق؛ إذ إن الأمن حينما يصبح الهدف المركزي للسياسة، يصبح تحقيقه عمليةً لا تنتهي وقبضاً للريح، ويُولّد كلُّ تهديد جديد طلباً جديداً على الأمن، وتعزّز كلُّ جولة صراع شعوراً بأن الأمن لم يتحقق بعد. وما يعمّق ذلك أن إسرائيل تتعامل مع صراعاتها كلّها في المنطقة بوصفها وجودية، وتعتقد أن بعض القوى في المنطقة لا تعتبر صراعها معها مجرّد نزاع سياسي قابل للتسوية، فتنشأ من ذلك كلّه حالة توتر دائمة بين القوة والخوف. ويفسّر علماء اجتماع هذا التوتر من خلال ما يعرف بـ”نظرية الريغالية”، وتعني أن المجتمعات التي تعيش في بيئات خطرة وتعاني تهديداً مستمرّاً تميل إلى تطوير نزعة سلطوية لا شعورية، فتصبح أكثر تفضيلاً للقيادة السلطوية الصارمة. وهنا تحديداً يمكن فهم سمة مهمة من سمات المجتمع الإسرائيلي؛ إذ تؤدّي حالة الخطر الدائم التي يعيشها المواطنون هناك إلى تمركز السياسة حول فكرة الدفاع والبقاء، وترسيخ علاقة دائمة بين السياسة ومفهوم التهديد، وهو ما يعزز في النهاية دور المؤسّسات العسكرية في الحياة العامة، بل إن استمرار نتنياهو في السلطة قرابة عقدَين كاملَين يمكن أن يُعزى إلى السبب نفسه، باعتباره السياسي السلطوي القادر على جلب الأمن للإسرائيليين.
وعلى الرغم من اعتقاد المحللين الإسرائيليين، مثلما كتب الصحافي الإسرائيلي في “جيروزاليم بوست”، جيفري كان، قبل أيام من اندلاع الحرب الحالية، إن المرونة النفسية التي تشكّلت لدى المجتمع الإسرائيلي هي ما منحه قدرةً نفسيةً جماعيةً على استيعاب الصدمات والتعافي منها، يعني ذلك فقط وجود مستوى ما من القدرة على التعايش مع الخوف، وليس غيابه بالطبع. في هذا الإطار، لا تصبح القضية متعلّقةً بمدى كفاية القوة العسكرية في الدفاع عن الدولة ومواطنيها، بل بحقيقة أن الأمن الكامل مفهوم غير واقعي في بيئة بهذا التعقيد، ودولة إسرائيلية تبحث طوال الوقت عن أعداء جدد، وتأجيج صراعات لا تنتهي.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى