سجال حول غياب المرأة في سوريا

ضاهر عيطة

منذ التحرير وحتى هذا اليوم، لا تكاد تمرّ ساعة على سوريا دون حدثٍ أمنيٍّ يوشك أن يهدّد السلم الأهلي، أو ربما يهدّد استمرارها ووجودها: قصفٌ إسرائيليّ في جنوبها، وصراعاتٌ وعراكاتٌ وهجاءٌ بين مكوّناتها في شمالها وشرقها وغربها، وحرائق يشعلها مجهولون في أرجاء الغابات، ومبانٍ متصدّعة من عربدة الطائرات الأسدية وتساقط البراميل، مرورًا بأزمةٍ في الطاقة والغاز والكهرباء، وضبط كمياتٍ من المخدرات معدّةٍ للتهريب، وتفجيراتٍ هنا وهناك، والقبض على خلايا إرهابية تعشعش في مدنها وحواضرها، وخطفٍ وسرقةٍ وقتلٍ، وما يشتعل حولها من حروب. إضافةً إلى الفقر والجوع اللذين ينهشان بطون أطفالها، فيما يملأ النازحون والمشرّدون والمهجّرون أرجاءها وأصقاع الأرض.

هذا هو حالُ سوريا الآن، ومع ذلك لا يكاد السوريون يوفّرون على أنفسهم حمل مزيد من الهموم والأعباء. ولكن، يا للأسف، إنّ كثيرا منهم غالبًا ما يمضون بجهودهم وحملهم بعيدًا عن الهدف المراد الوصول إليه لإعمار البلاد؛ فيستغرقون في الحدث، ويجعلون منه أمرًا مريبًا وعظيمًا، ويحمّلونه أسرارًا وتأويلاتٍ عديدة، صغيرًا كان أم كبيرًا..

هنا حضرت زوجة الرئيس، وهنا غابت المرأة عن الحضور، وهنا صمت شاعرٌ وعلماني ومفكّر، وتحدث حامل السلاح والشيخ. وكان ما حدث في الساحل وفي السويداء، ثم في حلب والجزيرة السورية، قد مهّد الطريق لتصادم وتخاصم السوريين خير تمهيد. وبات أيّ حدثٍ صغير يُربط بالضرورة بحدث كبير، ويُحلَّل ويُفسَّر على مقاسه، حتى ينتفخ الحدث الصغير ويتضخم، ويصبح بدوره خطيرًا وقابلًا للانفجار.

وهو ما جرى مع ظهور صورة للرئيس أحمد الشرع مع مجموعة من الإعلاميين، ولنا أن نسأل: تُرى من أين للسوريين هذه الطاقة للقيل والقال، والرفاهية للتوقف عند كل أمر، ومنحه كل هذا الجهد وهذا الأخذ والرد؟ وهل على سبيل المثال تستحقّ الصورة فعلًا ما كاله لها البعض من تحليلٍ ونقد؟

أنا لا أملك طبلًا ولا مزمارًا لأطبّل وأزمّر لأحد، ولا أجيد اللعب في مثل هذا السيرك. لكن هناك سؤالًا عالقًا في رأسي، وربما في رؤوس العديد من السوريين:

ماذا نريد من النقد، وما الغاية منه؟

ما العيب في أن يلتقي أحمد الشرع مع مجموعة من الإعلاميين والناشطين الاجتماعيين، كانوا ربما يعيشون معه في الشمال المحرّر، وربما يعرفهم فردًا فردًا، وقد واكبوا تجربة الإعداد لمعركة العدوان منذ بدايتها، وما أسفر عنها من نصر؟

ما العيب في أن يعود إليهم ويتذكرهم، ولا يترفع عنهم وقد صار رئيسًا الآن؟

ما الخطير في مثل هذا الأمر؟ وما الخلل الرهيب الذي حدث واستفزَّ الكثيرين؟

ما العيب في أن يلتقي أحمد الشرع مع مجموعة من الإعلاميين والناشطين الاجتماعيين، كانوا ربما يعيشون معه في الشمال المحرّر، وربما يعرفهم فردًا فردًا، وقد واكبوا تجربة الإعداد لمعركة العدوان منذ بدايتها، وما أسفر عنها من نصر؟

هناك من اكتشف في هذه الصورة مؤامرة على المرأة السورية، لكونها لم تحضر فيها إلا بواحدة؟ وآخرون وجدوا فيها مؤامرة على فريق من الإعلاميين غُيّبوا عن الصورة؟ لتتوسع تفاسير المؤامرات وتصير كأنها بحجم سوريا لا بحجم الصورة.

أحيانًا يكون مبعث بعض النقد رغبة صيّاد يستهويه نصب الأفخاخ للغير، ولا يرى في كل ما يجري من حوله إلا أهدافًا لسهامه. ولا يجد في أي بادرة إنسانية سوى فريسة للذبح، وكأنه يريد التضليل عمّا في أعماقه من قبح، فيراوغ قدر ما يستطيع ليعكسه على صورة الغير.

أقول أحيانًا، وأكرر: البعض، وليس دائمًا، وليس الكل.

ومن الجيد أن كلنا نعرف خفايا ما في صدورنا دائمًا وأبدًا؛ وكلّ منا هو الأقدر على أن يضع نفسه خارج هذا البعض… أو داخله.

المشكلة ليست دائمًا في الأفعال التي يضخّمها البعض، بل في النفوس التي اعتادت أن ترى العالم من خلال ذاتها المتضخّمة بالكره، وسوريا الغارقة في ركامها ورعبها لا تحتاج إلى مرايا تزيد من تشوّه الصورة، إنما أكثر ما تحتاج إليه من عين محب، ترى الوقائع كما هي، لا كما تمليها الأهواء والظنون.

ترى، ألا يمكن أن يكون الإعلاميون الذين ظهروا في الصورة مع الرئيس من أولئك الذين ما زالوا، حتى الآن، مهمَّشين، ولم يحظوا كغيرهم بالظهور في المشهد الإعلامي الرسمي؟ وهذا يبقى طموحًا شخصيًا مشروعًا. وربما وصل إلى أحمد الشرع شيءٌ من شكواهم، فأراد أن يواسيهم ويردّ لهم اعتبارهم. وليس في ذلك أيّة مؤامرة على غيرهم من الإعلاميين. وربما يكون بعضهم قد غاب عن الصورة لأنه يعمل ويجتهد ويكدح، وقد تصدّر المشهد الإعلامي، وما عاد يحتاج لمن يطبطب على كتفه.

وعن حال المرأة السورية، فموضوعها وقضيتها أوسع وأعمق من غيابها أو حضورها في مشهدٍ أو لقطةٍ أو صورة؛ فهي تحفر في الواقع بعيدًا عن الأضواء والإعلام، وتنشط في كل ركنٍ وزاوية: في البيت والشارع والمدرسة والمشفى والمصنع. وتدير شؤون البلد مثلما يفعل الرجل، وربما كانت المسؤوليات الواقعة على عاتقها أكبر وأثقل وأعقد بكثير؛ فهي الآن من ترمّم الصبر الذي تفتّت، وتعيد للسوريين الحب الذي فقدوه وتشوّه، وبكل ما تمتلك من إبرٍ وخيوطٍ تحاول أن تُلئم الجرح، وتزرع الورود والآمال في دروب الأبناء التي شوّهت في زمن الدم والقتل.

فالأم السورية والزوجة والأخت لديهن فيضٌ هائل من الحنان والحب؛ فأين يصرفن هذا الفيض؟ أفي السلاح والصراع والقتل؟ أم في المصنع والمدرسة والإعمار والبناء والإعلام والإبداع؟

وعلى السوريين أن يعرفوا أن ما من شيءٍ في هذه الحياة حكرٌ على المرأة أو حكرٌ على الرجل؛ إنما يبقى ذلك مرهونًا بالاحتياجات والقدرات.

وقد عرف معظمهم، آباءً وأزواجًا وأبناءً وإخوةً، ماذا فعلت المرأة السورية في ظل أحداث الثورة، وما التضحيات والجهود التي بذلتها وقدّمتها حتى تحقق هذا النصر. فهي التي خاضت في قلب المظاهرات، وسيقت إلى المعتقلات، وعُذّبت، وقُتلت، وشُرّدت، وقالت للأسد: لا. أهل أمرأة مثلها ترضى أن تذل.

ألا تستحق منا امرأة مثلها أن نلتفت إليها بكل احترام، وأن يُترك لها الحرية في اختيار ما تريد وما تفعل؟ لماذا يريد بعضنا جرّها عنوة إلى هذا المكان أو غيره؟ فهي، ككائنٍ إنساني، تبقى الأدرى بما يناسبها وما تحتاج إليه.

الصورة تبقى صورة، ولها دائمًا حدودها وأبعادها وآفاقها. نعم، هي قابلة للنقد والتأويل بالطبع. لكن النقد لا يعود نقدًا، ولا التحليل تحليلًا، حين نخرج الصورة من إطارها، ونضع مكانها صورةً أخرى، ثم نسقط النقد والتحليل الذي كنا نسقطه على الأولى.

ولنا ألّا ننسى أن السلطة القائمة الآن هي في أساس تكوينها تنظيمٌ عسكري تمرّس على القتال والأمن والحروب أكثر مما تمرّس على غيرها. ولنسأل الآن انطلاقًا من وجوه وأجناس من ظهروا في الصورة، ومعظمهم مراسلون إعلاميون رافقوا التنظيمات العسكرية في صراعاتها وحروبها: من من النساء السوريات كانت لديهن رفاهية خوض مجال الإعلام في عالم الحروب؟ وأي أم كان يطاوعها قلبها أن تترك أطفالها في بيتٍ أو خيمة لترصد ما يحدث على جبهات القتل؟ وأي أخت أو زوجة أو ابنة كان يمكن أن تجازف بمثل هذه المجازفة وتغوص في عمل قد يتطلب النوم في العراء؟

من هنا ربما كان وجود النساء شبه معدوم في الصورة أو غيرها، علمًا بأن الكثيرات منهن يظهرن في صور أخرى على وسائل الإعلام كمراسلات ومذيعات ومحللات. وأما عن غيابهن في التشكيلات الحكومية والمفاصل الحساسة. وكما قلنا، ربما يعود ذلك إلى كون السلطة الموجودة الآن سلطةً منبثقة عن فصيل أمني وعسكري، ولم يكن هناك جنديات خضعن لتدريبات على السلاح، ولا مجندات في الأمن، ولا إعلاميات حرب، وربما عدد قليل من المدرَّبات على إدارة البنوك والتجارة والاقتصاد والتعليم والإعلام والسياسة. وربما هذا جزء من ما تفتقر إليه السلطة القائمة، لكونها لم تكن تضع في اعتبارها، يوم كانت تخطط لعملية ردع العدوان، مقدار احتياجها للمرأة، لكن ظروف الحرب في إدلب كان لها سياقها. ولهذا، قد يبدو في الظاهر أن عماد الصورة في سوريا الآن هم الرجال، بحكم المخاطر الأمنية التي تعصف بالمشهد. ولكن ليس بالضرورة أن يكون ذلك نابعًا عن رغبة الرجال في احتلال الصورة والاستئثار بها.

وربما من هنا أيضًا تظهر ندرة النساء في المفاصل الحساسة في الدولة، وهو ما يفترض العمل عليه وتداركه عبر إنشاء كليات أو معسكرات تدريبية للنساء والرجال معًا، وفي غيرها من الاختصاصات.

وإذا عدنا إلى بداية المقال، وبحكم أن سوريا على هذا الحال، ولم تزل تغلي على صفيحٍ أمني وعسكري، ومع رقعة التوسعات التي باتت تتحكم بها السلطة السورية، فإن الحاجة تستدعي المزيد من الجنود وقوى الأمن نساءً ورجالًا. وفي هذا التفصيل ربما يصح لنا أن نسأل السلطة: لماذا لا يتم الاعتماد أيضًا على المنشقين حتى الآن، جنودًا وضباطًا وعسكرًا، وغيرهم من السوريات والسوريين المبعدين عن السلطة؟ أ إلى الآن لم تثق السلطة بأحدٍ منهم، وإلا لماذا هذا الاستبعاد، رغم أن الحاجة إليهم ملحّة؟

هذا سؤالٌ ملحّ وضروري، وربما تكون الإجابة عنه مفتاحًا لألف إجابة. وإن كان يُطرح هنا بعيدًا عمّا ظهر في إطار تلك الصورة، فإنه يظل متمسكًا بأولى بديهيات النقد، ألا وهي السؤال، الباحث دائمًا عن الجواب لا عن الأحكام المسبقة، وخارج الإطار.

 

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى