
في كل عام، يحلّ الثامن من آذار بوصفه مناسبة عالمية للاحتفاء بإنجازات النساء والتذكير بالفجوات المستمرة في العدالة والمساواة. غير أن يوم المرأة العالمي لا يكتسب معناه الحقيقي من البيانات الاحتفالية، بل من قدرته على مساءلة الواقع. وفي الحالة السورية، لا يمكن التعامل مع هذه المناسبة كطقس رمزي، بل كمدخل لطرح سؤال مركزي: هل أصبح تمكين المرأة جزءًا من مشروع إعادة بناء الدولة، أم لا يزال ملفًا مؤجلًا في هوامش السياسة؟
منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، دفعت النساء ثمنًا مضاعفًا للصراع. فقد تحملن أعباء النزوح، وفقدان المعيل، والتفكك الأسري، والعنف بمختلف أشكاله، وفي الوقت نفسه لعبن أدوارًا حيوية في الإغاثة المحلية، والتعليم البديل، وتنظيم المجتمعات، والعمل الحقوقي. لم تكن المرأة السورية ضحية فقط، بل فاعلًا اجتماعيًا حافظ على الحد الأدنى من تماسك المجتمع في أكثر لحظاته هشاشة.
ومع دخول سوريا مرحلة سياسية جديدة، لم يعد تمكين المرأة قضية حقوقية منفصلة، بل أصبح اختبارًا لجدية أي مسار إصلاحي. فالدول لا تُقاس بقدرتها على إنهاء النزاعات فحسب، بل بمدى قدرتها على إعادة توزيع الفرص والسلطة بصورة عادلة. وهنا يبرز سؤال التمثيل السياسي بوصفه مؤشرًا حاسمًا: هل تشارك النساء في صياغة المرحلة الانتقالية وصناعة القرار، أم يقتصر حضورهن على مواقع استشارية أو رمزية؟
لقد رسّخت الأدبيات الدولية، ولا سيما قرار مجلس الأمن 1325 حول المرأة والسلام والأمن، مبدأ إشراك النساء في عمليات السلام بوصفه عنصرًا أساسيًا لاستدامته. غير أن التجربة السورية خلال السنوات الماضية أظهرت فجوة واضحة بين الالتزامات النظرية والتطبيق العملي. فمشاركة النساء في المسارات التفاوضية ظلت محدودة التأثير، وغالبًا ما ارتبطت بضغوط دولية أكثر من ارتباطها بقناعة وطنية عميقة بأهمية الدور النسائي في إعادة بناء الدولة.
لقد رسّخت الأدبيات الدولية، ولا سيما قرار مجلس الأمن 1325 حول المرأة والسلام والأمن، مبدأ إشراك النساء في عمليات السلام بوصفه عنصرًا أساسيًا لاستدامته. غير أن التجربة السورية خلال السنوات الماضية أظهرت فجوة واضحة بين الالتزامات النظرية والتطبيق العملي.
لكن تمكين المرأة لا يختزل في السياسة وحدها. فالمجال الاقتصادي يشكل حجر الزاوية في أي تحول حقيقي. خلال سنوات الحرب، دخلت آلاف النساء سوق العمل بدافع الضرورة، وتحوّلن إلى معيلات لأسرهن. إلا أن هذا التحول لم يواكبه إصلاح تشريعي أو مؤسسي يحمي حقوقهن في العمل، أو يضمن لهن فرصًا متكافئة في الملكية والمشاريع والتمويل. إن إعادة الإعمار، إن لم تُصمم بسياسات حساسة للنوع الاجتماعي، قد تعيد إنتاج أنماط التهميش ذاتها التي سبقت الحرب.
كما أن البعد القانوني يظل عنصرًا حاسمًا في مسار التمكين. فالقوانين المتعلقة بالأحوال الشخصية، والجنسية، والعمل، والحماية من العنف، تشكل الإطار الذي يحدد مكانة المرأة في المجتمع. وأي حديث عن “سوريا جديدة” يفقد مصداقيته إذا لم يترافق مع مراجعة تشريعية شاملة تكرّس مبدأ المواطنة المتساوية، بعيدًا عن الوصاية أو الانتقاص.
على المستوى المجتمعي، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فقد أفرزت سنوات الصراع تحولات عميقة في البنية الاجتماعية، بعضها أتاح مساحات أوسع للنساء في المجال العام، وبعضها الآخر أعاد إنتاج أنماط محافظة بدافع الخوف وعدم الاستقرار. ومن هنا، فإن تمكين المرأة لا يمكن أن يُفرض بقرارات فوقية فقط، بل يحتاج إلى عمل طويل الأمد في التعليم، والإعلام، وبناء خطاب ثقافي جديد يعترف بدور النساء بوصفهن شريكات كاملات في المجالين العام والخاص.
في هذا السياق، لا بد من التمييز بين “إدماج النساء” و“تمكينهن”. فالإدماج قد يعني حضورًا شكليًا داخل هياكل قائمة، أما التمكين فيعني القدرة على التأثير الفعلي في القرار وصياغة السياسات وتوجيه الموارد. والفرق بين الاثنين هو الفرق بين المشاركة الرمزية والمشاركة المؤثرة. ومن هنا، فإن النقاش حول تمكين المرأة لا ينبغي أن يُصاغ نيابة عنها، بل أن تقوده النساء أنفسهن بوصفهن الفاعل الأقدر على تعريف أولوياتهن وصياغة مطالبهن، فيما يقع على عاتق بقية الفاعلين دعم هذا المسار لا احتكاره.
إن تمكين المرأة السورية اليوم ليس مطلبًا فئويًا، بل شرطًا لإعادة بناء دولة متوازنة ومستقرة. فالمجتمعات التي تُقصي نصف طاقتها البشرية لا تستطيع أن تؤسس لسلام مستدام، ولا أن تحقق تنمية حقيقية. وإذا كانت المرحلة الجديدة في سوريا تطمح إلى القطع مع أنماط الحكم السابقة، فإن معيار هذا القطع سيقاس بمدى قدرتها على تحويل النساء من موضوع للسياسات إلى صانعات لها.
في الثامن من آذار، لا يكفي أن نحتفل بصمود النساء السوريات، بل يجب أن نطرح السؤال الأعمق: هل ستكون المرحلة القادمة امتدادًا لسنوات التهميش، أم بداية عقد اجتماعي جديد يعترف بالمرأة السورية مواطنة كاملة الحقوق والواجبات؟
فالتحول الحقيقي لا يُقاس فقط بتغيير الأنظمة، بل بتغيير موازين العدالة داخل المجتمع ذاته.
المصدر: تلفزيون سوريا


