سوريا في أرشيف إبستين.. حين تتقاطع الزنازين مع صالونات النفوذ العالمي

عبد الله عامر الشيخ

في العادة، تبدأ قصص النفوذ من الهامش: من رسالة بريد إلكتروني قصيرة، أو محضر اجتماع لم يكن معدّاً للنشر، أو اسمٍ يرد عابراً في وثيقة لم يُفترض أن تُفتح للعلن. هكذا دخلت سوريا إلى أرشيف جيفري إبستين؛ لا بوصفها عنواناً رئيسياً، بل كخيطٍ يكشف تداخلاً بين الدبلوماسية الموازية، وشبكات المال، ومصائر بشر عالقين في أقبية السياسة والحرب.

الإفراج المتدرج عن ملفات إبستين أعاد تشكيل النقاش العام حول الرجل: لم يعد الحديث مقتصراً على جرائمه الجنسية وشبكات الابتزاز، بل اتّسع ليشمل طبيعة علاقاته السياسية والاقتصادية. في هذا السياق، برزت إشارات متعددة إلى سوريا، بعضها دبلوماسي صرف، وبعضها إنساني مؤلم، وبعضها يتصل باقتصاد الحرب وخرائط الطاقة. السؤال ليس كم مرة ذُكرت سوريا رقمياً في ملايين الصفحات، بل كيف ذُكرت، وفي أي سياق، ولمصلحة من.

أول الخيوط كان وثيقة أممية مصنّفة “سرية للغاية”، وُجدت ضمن أرشيف إبستين، تتضمن محضر لقاء عُقد في 16 آب/أغسطس 2011 بين وزير الخارجية التركي الأسبق أحمد داود أوغلو والأمين العام للأمم المتحدة آنذاك بان كي مون. الوثيقة تنقل تحذيرات مباشرة وُجّهت إلى بشار الأسد في ذروة المظاهرات وتعرض “خارطة طريق” إصلاحية قيل إن أنقرة اقترحتها لتجنّب الانزلاق إلى العسكرة الشاملة. وجود هذا المحضر في حيازة إبستين لا يثبت أنه صاغه أو أثّر فيه، لكنه يكشف أن شبكته كانت تلامس ملفات سيادية حساسة، وأن سوريا كانت ضمن دائرة اهتمام تتجاوز العواصم الرسمية إلى الصالونات المغلقة.

في تلك المحاضر، يظهر توصيف لحظة مفصلية: خياران أمام النظام، إصلاح فوري بجدول زمني صارم، أو عزلة دولية قد تفضي إلى مصير شبيه بما جرى مع أنظمة أخرى. لاحقاً، أثبتت الوقائع أن مسار العسكرة هو الذي غلب. غير أن الدلالة الأهم هنا هي أن هذا النقاش كان يُتداول في دوائر أممية وتركية، ثم يجد طريقه إلى أرشيف رجل أعمال أميركي مدان. هذا التداخل يشي بوجود “قنوات ظل” تتغذّى على الوثائق والمعلومات، حتى لو لم تكن صاحبة القرار النهائي.

الخيط الثاني أكثر إيلاماً: مراسلات تشير إلى محاولة وساطة لإخراج معتقل من السجون السورية. في رسالة مؤرخة في 21 تشرين الأول/أكتوبر 2015، أرسل المستثمر التقني جوي إيتو إلى إبستين يسأله إن كان يعرف “أي شخص لديه نفوذ على الأسد” للمساعدة في الإفراج عن صديق. أُرفق بالرابط حملة تتعلق بالمهندس والناشط التقني باسل خرطبيل، أحد أبرز رموز البرمجيات الحرة في العالم العربي. الرد المنسوب إلى إبستين كان مقتضباً: “ليس عبر البريد الإلكتروني”.

هذه العبارة القصيرة تختزل مفارقة قاسية. القضية كانت تُناقش في دوائر نخبوية عالمية، ومع ذلك لم تُنقذ حياة خرطبيل، الذي أُعدم لاحقاً بعد نقله إلى جهة مجهولة. ما تكشفه المراسلة ليس نجاح وساطة، بل حدود النفوذ الخاص عندما يصطدم بآلة قمع قررت مسبقاً مصير ضحاياها. هنا تتحول سوريا من ملف جيوسياسي إلى سؤال أخلاقي: هل يمكن لشبكات العلاقات العابرة للحدود أن تُعوّض غياب العدالة المؤسسية؟ الجواب، كما تُظهر الوقائع، كان سلبياً.

الأخطر من ذلك أن هذا النمط من التداخل يعيد إنتاج اختلال ميزان القوة على المستوى الأخلاقي. فحين يُناقش مصير معتقل، أو يُتداول احتمال تغيير في رأس السلطة، أو تُبحث استثمارات في موارد أرض متنازع عليها، خارج إطار المساءلة العامة، فإن السيادة الوطنية نفسها تصبح قابلة للاختزال في شبكة علاقات شخصية. سوريا، بهذا المعنى، لم تكن مجرد ملف ضمن أرشيف، بل كانت اختباراً لحدود النظام الدولي وقدرته على الفصل بين الشرعية السياسية ونفوذ المال.

ثمّة مفارقة لافتة: بينما كان السوريون يدفعون أثماناً يومية من الدم والتهجير، كانت بعض دوائر النخبة العالمية تتعامل مع المشهد بوصفه مسألة إدارة توازنات أو فرص إعادة تموضع استراتيجي. هذه الفجوة بين المعاناة الملموسة والتداول النخبوي البارد تعكس خللاً بنيوياً في طبيعة العلاقات الدولية المعاصرة، حيث يمكن لمأساة شعب أن تتحول إلى بند في جدول أعمال غير رسمي

أما الخيط الثالث فيتصل بالاقتصاد السياسي للحرب. علاقات إبستين مع شخصيات إسرائيلية بارزة، من بينها إيهود باراك، تزامنت مع اهتمام متزايد بملفات الطاقة في المنطقة، بما في ذلك استكشاف النفط في مرتفعات الجولان عبر شركة Genie Energy. في زمن انهيار الدولة السورية في أجزاء واسعة من أراضيها، تصبح الموارد الطبيعية جزءاً من معادلة النفوذ. لا توجد وثيقة تقول إن إبستين أدار صفقة سورية مباشرة، لكن شبكة علاقاته تُظهر أنه كان وسيط لقاءات ومسهّلاً لاتصالات بين رجال أعمال وقادة سياسيين، في لحظة كانت فيها خرائط المنطقة تُعاد رسمها.

هنا يتقاطع الملف السوري مع مفهوم “الدبلوماسية الموازية”؛ أي تلك التي تُدار خارج القنوات الرسمية، عبر رجال أعمال ومستشارين غير منتخبين، يمتلكون القدرة على فتح الأبواب المغلقة. في سياق حرب معقدة كسوريا، يصبح السؤال: من يملك حق التفاوض على مستقبل بلدٍ ممزّق؟ الحكومات؟ القوى العسكرية؟ أم شبكات النفوذ العابرة للحدود؟

منهجياً، يصعب تحديد عدد مرات ذكر كلمة “سوريا” في كامل الأرشيف من دون تحليل تقني شامل لكل الوثائق. لكن الثابت أن الذكر لم يكن عرضياً تماماً. ظهر في محاضر دبلوماسية عام 2011، وفي مراسلات إنسانية عام 2015، وفي سياقات استثمارية وأمنية لاحقة. تعدد السياقات يكشف أن سوريا لم تكن هامشاً في وعي تلك الشبكات، بل ساحة تقاطع لمصالح متباينة: إصلاح سياسي مُجهض، قضية معتقل دولية، وموارد طاقة في أرض متنازع عليها.

غير أن الخلاصة الأعمق تتجاوز إبستين نفسه. فالرجل، مهما بلغ نفوذه، لم يكن سوى عقدة في شبكة أوسع. ما تفضحه الملفات هو هشاشة النظام الدولي حين تُترك قضايا بحجم سوريا لتُتداول في غرف جانبية، بينما تغيب العدالة الشفافة والمساءلة المؤسسية. إن حضور سوريا في تلك الوثائق ليس دليلاً على مؤامرة شاملة، بقدر ما هو شاهد على زمنٍ اختلطت فيه السياسة بالمال، والوساطة بالمصلحة، والإنسان بالأرشيف.

في النهاية، لا تكمن أهمية هذه الوثائق في الإثارة، بل في إعادة طرح سؤال سيادي وأخلاقي: كيف نحمي مصير الشعوب من أن يصبح مادةً في بريد إلكتروني بين نخب عالمية؟ سوريا، كما تظهر في ملفات إبستين، ليست مجرد كلمة تكررت هنا أو هناك، بل مرآة تعكس تداخل الجريمة العابرة للحدود مع الجرح المفتوح في دولة لم تُنجز بعد عدالتها ولا سيادتها.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى