القمّة العربية الطارئة… موعد مع التاريخ

علي أنوزلا

القمة العربية الطارئة، المقرّر أن تستضيفها القاهرة في الرابع من الشهر المقبل (مارس/ آذار)، لا يجب أن تكون مثل سابقاتها من القمم العربية، لأنها لن تكون عاديةً بكلّ المقاييس، ليس لأنها طارئة، فقد انعقدت قمم عربية طارئة كثيرة، وصدرت منها قرارات عادية لا أحد يتذكّرها، وإنما لأنها تنعقد في مرحلة مفصلية مهمّة، يتشكّل فيها نظام عالمي جديد (على الأقلّ في المنطقة، إن لم يكن عالمياً)، وإذا لم يسجّل العرب حضورهم القوي في هذه الفترة لن تقوم لهم قائمةٌ في ما ينتظر منطقتهم من مخطّطات سوف ترهن مستقبل المنطقة وشعوبها سنواتٍ وعقوداً.
بحسب بيان الخارجية المصرية، الهدف من انعقاد القمّة المقبلة “صياغة موقف عربي متماسك وصلب وقوي بشأن القضية الفلسطينية بشكل عام، وتقديم طرح عربي عام يقابل الطرح الأميركي”، ووفق ما تسرّب من معلومات، ستكشف القمّة مخطّطاً عربياً لإعمار غزّة، بتمويل عربي، من دون إخلائها من سكّانها، ردّاً على مخطّط التهجير الأميركي الإسرائيلي. واختزال القمّة المقبلة تحت عنوان كبير، إعادة إعمار غزّة لمواجهة مخطّط ترامب، بمثابة إعلان فشلها، حتى قبل انعقادها، لأن تهديدات ترامب بالاستيلاء على قطاع غزّة، وتحويله مشروعاً عقارياً بعد تهجير سكّانه إلى دول الجوار، وبالرغم ممّا أثاره في العالم من صدمة واستغراب واستنكار، كان بمثابة فقاعة كبيرة لتخويف الفلسطينيين والعرب، لقبول بما ستمليه عليهم إسرائيل وأميركا، وقد شهدنا كيف تراجع الرئيس الأميركي نفسه عن تهديداته، بعدما لاحظ أن رفضها بدأ يؤتي أكله. ولعلّ قبول العرب مناقشة إعادة بناء ما دمّرته إسرائيل خلال حربها الإجرامية ضدّ الشعب الفلسطيني، وسكوت العالم كلّه عن معاقبة إسرائيل على ما ارتكبته من جرائم، وما أحدثته من دمار في قطاع غزّة، فاق ما حدث من دمار في مدن غربية إبّان الحرب العالمية الثانية، إحدى بواكير ثمار الصدمة التي أحدثتها تهديدات ترامب.

تواطؤ دول عربية، وعدم بروز موقف عربي موحّد وصارم ضدّ الجرائم الإسرائيلية، إشارات سلبية أعطت الضوء الأخضر لعتاة الصهيونية للحديث بوضوح عن مخطّطاتهم الاستعمارية

لقد أرسلت القمّة العربية الإسلامية غير العادية، في الرياض في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، والقمّة العربية في المنامة في مايو/ أيار 2024، عندما اكتفت كلاهما ببيانات الشجب والإدانة، رسائلَ طمأنينة إلى الإسرائيليين، شجّعتهم على التمادي في جرائمهم وتوسيعها لتشمل دولاً عربية أخرى، وتغذّي طموحهم الاستعلائي الساعي إلى تغيير منطقة الشرق الأوسط، وفرض هيمنتهم عليها.
العرب قبالة فرصة تاريخية لإثبات وجودهم، قبل أن ينصهروا في الزمن الصهيوني الأميركي، الذي بدأ يبسط هيمنته على المنطقة العربية من الخليج إلى المحيط، وقمّتهم المقبلة فرصتهم التاريخية لقول قولتهم، قبل أن تتجاوزهم المرحلة وينساهم ذكر التاريخ. إذا لم يتحدّث العرب في هذه القمّة لغةً واحدةً وموحّدةً ترسل رسائلَ واضحةً وشجاعةً تدين الجرائم الإسرائيلية ضدّ الفلسطينيين، وتطالب بمحاكمة مجرمي الحرب الصهاينة، وتحمّل مسؤولية إعادة بناء غزّة إلى الاحتلال، وترفض بلغة واضحةٍ وصريحةٍ خطّة ترامب، وفكرة تهجير الفلسطينيين، وتضع شرط قيام الدولة الفلسطينية المستقلّة في أرضها المعترف بها دولياً، مفتاحاً لكلّ عملية سلام في المنطقة، فإن أيَّ قراراتٍ أخرى ستصدر عنها ستكون بلا قيمة، وسوف يكون مصيرها مثل ما سبقها من قرارات انتهت في سلّة مهملات التاريخ.
ليس مطلوباً من القمّة المُقبلة أن تعلن الحرب على إسرائيل، ولا إرسال الجيوش العربية إلى غزّة والضفة الغربية، التي تشهد حرب إبادة جديدة، وإنما اتخاذ موقف عربي موحّد بوقف أشكال التطبيع كلّها مع العدو الصهيوني، حتى وقف حرب الإبادة التي يخوضها ضدّ الشعب الفلسطيني في غزّة والضفة الغربية، والاستجابة لمبادرة السلام العربية القائمة على مبدأ الأرض في مقابل السلام.
السكوت العربي، بل تواطؤ دول عربية، طوال الشهور الخمسة عشر الماضية، وعدم بروز موقف عربي موحّد وصارم ضدّ الجرائم، التي ارتُكِبت في قطاع غزّة، واستمرار تطبيع دول عربية مع الكيان الصهيوني، في وقتٍ قطعت فيه دول بعيدة في أميركا اللاتينية علاقاتها مع الكيان نفسه… كلّها إشارات سلبية أعطت الضوء الأخضر لعتاة الصهيونية في إسرائيل وأميركا للخروج على الملأ، والحديث بوضوح عن مخطّطاتهم الاستعمارية في المنطقة، ففلسطين ليست سوى القاعدة الأساسية لانطلاق مشروع هيمنتهم على المنطقة وشعوبها.

قادة الدول العربية  أمام تحدٍّ وجوديٍّ، إمّا أن يؤكّدوا حضورهم ومواجهة تهديدات ترامب ونتنياهو، وإلا فما هو آت سيشكّل خطورةً على وجودهم

العرب أمام اختبار حقيقي لإرادتهم قبل أن يأتي الدور عليهم فرادى، فيفتك بهم دولةً بعد الأخرى، حتى ينتهي بهم الأمر دولاً ضعيفةً، ودولاً فاشلةً، ودولاً مخترقةً، ودولاً لا تحمل من الاسم سوى الصفة لمن قبل منهم الانخراط في المشروع الاستعماري الجديد، وبنظام الحماية الجديد، الذي سترعاه إسرائيل وأميركا.
ربّما يجد كثيرون ممّن يعتبرون أنفسهم محلّلين واقعيين، وخبراء ضالعين، ومتابعين متمرّسين، في هذا الكلام كثيراً من الغلوّ أو اللغو، ويدعون إلى تغليب منطق البراغماتية السياسية، واستحضار موازين القوى في قراءة المرحلة، وما تتطلّبه من مواقف متّزنة تراعي المصلحة العربية، وتسعى إلى تجنيبها مخاطرَ المغامراتِ غير المحسوبة العواقب، وتستدعي الأبعاد الاستراتيجية لما يحدُث في العالم من تحوّلات عميقة، وفي هذا، أكاد أتّفق معهم. لكن، ألم نسمع مثل هذا الكلام عند انعقاد كلّ القمم العربية السابقة؟ ألم يكن هذا هو المنطق نفسه، الذي كانت تبرّر به التنازلاتِ والاستسلاماتِ العربية، حتى وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم من ضعف وهوان؟ أليست هذه هي التبريرات نفسها التي جعلت العرب خارج المعادلات كلّها، التي ترسم خريطة مستقبل منطقتهم وشعوبهم؟
قادة الدول العربية اليوم أمام تحدٍّ وجوديٍّ كبير، إمّا أن يؤكّدوا حضورهم لرفعه، ومواجهة تهديدات ترامب وأطماع بنيامين نتنياهو، وإلا فما هو آت سيشكّل خطورةً على وجودهم، وعلى وجود دولهم واستقرار شعوبهم، لأن تصفية القضية الفلسطينية، بكلّ ما تحمله من رمزية ومن عناصرَ اتحاد العرب والمسلمين (وهذا جوهر الصراع وهدف المخطّطات الإسرائيلية)، هو بمثابة إعلان موت العرب وقيام العهد الصهيوني الإمبريالي الجديد، الذي بدأت ملامحه تلوح في الأفق. وفي انتظار القمّة العربية المقبلة، وما سينتج منها من قرارات، تبقى الكرة اليوم في الملعب العربي، وأمام القادة العرب فرصةٌ تاريخيةٌ لرسم مستقبل منطقتهم بأنفسهم، وفرض حضورهم رقماً أساساً وصعباً في كل معادلةٍ يسعى أصحابها إلى استثنائهم منها أو تهميش أدوارهم فيها.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى