المذكرات الشخصية: الوقائع والرؤى

د. مخلص الصيادي

قرأت لك :

عنوان الكتاب: ذكريات ومواقف الكاتب: يوسف فيصل أحد القادة التاريخيين والحاليين للحزب الشيوعي السوري حجم الكتاب: 476 صفحة من القطع العادي إضافة إلى الفهارس والصور قدم للكتاب:د. رفعت السعيد رئيس حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي في مصر.

مقدمة:

**كتب الذكريات، أو المذكرات الشخصية، مما هو أثير لدي، وأعتقد بأنه يغري الكثيرين على تناولها، لأنها في الغالب تكون بعيدة بقدر ما عن التنظير السياسي والفكري، دون أن تفتقده، وتحمل الكثير من حرارة الحياة وعبقها، وتثير الذاكرة وتحرضها على استعادة الأحداث والوقائع، وتقدم سجلا مفتوحا لقراءة هذه الأحداث في حينها، وبعد مرور زمن طويل عليها، زمن يفترض أنه سمح لكاتب هذه الذكريات أو المذكرات – وبينهما فارق جوهري في زمن تسجيل الوقائع – في أن يتناول الأحداث ليس فقط من زاوية كيف كانت ترى، وإنما أيضا من زاوية ما ظهر من حقائق حولها في الزمن المستجد.

ولصاحب المذكرات / الذكريات كامل الحق في أن يتناول الأحداث تسطيرا وتحليلا، كما سجلت في حينها، وله الحق الكامل في إجراء النقد عليها وإدخال عنصر الزمن ومتغيراته في رؤيتها ونقدها أو الاكتفاء بتسجيل تلك الرؤى بما كانت عليه لحظة حدوثها، هذا حق له، فكثيرون يملكون رؤى ثابتة للأحداث والوقائع لا تتغير، لكن ما ليس حقا لكاتب المذكرات/ الذكريات رواية الوقائع على غير حقيقتها، كأن يتحدث عن موقف شعبي لم يكن موجودا ! أو عن اجتماع أو قرار لا أصل له، أو عن زيارة ومحادثات هي محض خيال، أو افتراض، أو أنه سمع بها ولم يشاهدها أو يشارك فيها ثم يرويها باعتباره مشاركا، وبيقين المشارك.

كذلك مما لا يحق لكاتب المذكرات/ الذكريات إغفال وقائع وظواهر وحقائق، إغفالا يؤدي إلى خلل حقيقي في رؤية حالة، أو ظاهرة، فهذا الإغفال يحتمل نوعا من التدليس، لا يفوت على الباحثين والمدققين، لكنه يولد تحفظا على جدية الاعتماد على هذه المذكرات أو الذكريات كوثائق مساعدة في دراسة المرحلة التي يتم تناولها **الكتاب الذي أعرض له هنا، ذكريات لواحد من القادة التاريخيين للحزب الشيوعي السوري، ومن القادة الحاليين، الذين حافظوا على انتمائهم للحزب وللفكرة، وهو يروي – كما جاء في عنوانه – ذكريات ومواقف للحزب، وله، وفي الحزب، منذ البداية وحتى العام 1969 العام الذي يعتبر فارقا في تاريخ الحزب الشيوعي السوري، لأنه بدءا من هذا العام وبشكل تدريجي لم يعد حزبا واحدا، ودخل مرحلة الانقسامات بفعل عوامل موضوعية كثيرة وعوامل ذاتية أيضا.

**الكتاب قدمه لي مشكورا صديق قديم وعزيز من رجالات هذا الحزب، تفضل بهذا العطاء في سياق حوار مستمر بيننا حول تطورات الحركة الشيوعية عالميا، وتطورات الحزب الشيوعي السوري، وما واجهه من تحديات فكرية وسياسية نتيجة كل التطورات الوطنية والقومية والدولية، وما وقع فيه من انقسامات، وقد رأيت في تقديم قراءة له إلى المهتمين فائدة ومحرضاً لإعادة النظر والتأصيل لتلك المرحلة.


عرض الكتاب

 1- على امتداد تسع وثلاثين فصلا يتناول يوسف فيصل تاريخه وتاريخ الحزب الشيوعي السوري، وكذلك الأحداث الرئيسية التي مرت بها سوريا، والوطن العربي، وذلك على مدى يتجاوز الربع قرن من الأحداث والشؤون العامة وما يتصل بذلك من أحداث دولية وصولا إلى العام 1969 مع بعض الامتدادات التي تقتضيها الموضوعات ذات الشأن، وعلى مدى حياته الشخصية منذ الولادة في فبراير/ شباط 1924، وبأسلوب جميل جذاب وحيوي يعرض علينا بيئة المنشأ، والأسرة، والبيئة الدراسية، والمعلمين والمربين والزملاء الذين أثروا فيه، وما كان يعتمر سوريا آنذاك من إحداث وهي تحت الانتداب الفرنسي، ويعمل القلم الجميل على تقديم الصورة أو نقلنا إليها لنعايش تلك الأيام والفترات من حياة سوريا، ولنلتقط البداية الفعلية لانتقال الكاتب إلى العمل في صفوف الحزب الشيوعي حينما كان في الصف الأول الإعدادي، ولانخراطه في الصراع الذي كان آنذاك بين الشيوعيين والأخوان المسلمين، ويعرض للجو العام الذي كان سائدا والذي أعطى الاتحاد السوفيتي وبالتالي الحزب الشيوعي أفقا للتحرك، ويحرص على ذكر الأحداث والوقائع التي تؤكد هذا، ومنها على سبيل المثال تدخل السفير السوفييتي سولود لإخراج سعد الله الجابري رئيس الوزراء من مقره في فندق الشرق بسيارته التي يرفرف عليها العلم السوفيتي الأحمر بعد أن حاصرته القوات الفرنسية إبان الاعتداء على البرلمان عام 1945.
وتظهر الذكريات في مختلف جنباتها تدخل قيادة الحزب في مختلف الشؤون الخاصة للعضو، بدءا من الصداقات، إلى اختيار الزوجة، إلى اختيار مجال الدراسة والعمل، فقد رفضت قيادة الحزب تفرغه للعمل في الصيدلية التي كانت لوالده، وطلبت منه الزواج قبل المغادرة للنشاط الحزبي في أوربا لأول مرة، وكان لها شأن في التدقيق بمواصفات من اختارها لتكون زوجة له، وهكذا مضت الأمور في المراحل كلها.

2- في ذكرياته يتوقف هذا القائد الشيوعي عند أحداث بعينها عامة أو داخلية اعتبرها محطات في حياة الحزب.

**منها الهجوم على مكتب الحزب الشيوعي في دمشق اثر اعتراف موسكو بقرار تقسيم فلسطين، وفي هذا الحادث قتل أحد رفاقه بالرصاص أحد المهاجمين، وقتل المهاجمون أحد برفاقه ، وقد دخل السجن إثر هذه الواقعة التي شهدها من داخل المقر المحاصر وكان له باع في أشكال المقاومة التي أظهرها رفاقه لمحاولات اقتحام المقر .الذي أحرقه المهاجمون في نهاية الأمر.
**ومنها ظروف فصل الرفيق “سهيل ” نجاة قصاب حسن، ورؤية سهيل في مذكراته لهذا الظرف وقرار الحزب الشيوعي بعد نحو ستة وأربعين عاما بإلغاء قرار الفصل وإعادة الاعتبار له، وكذلك ظروف فصل الرفيق رشاد عيسى المبني على موقفه من قرار التقسيم وانتقاده لهذا الموقف، وقد ألغى الحزب في ذات المؤتمر عام 1987 وهو المؤتمر السادس ذاك القرار وأعاد الاعتبار له .
** ومنها ظروف محاسبة الرفيق ” سالم ” فرج الله الحلو الذي كان أحد قادة الحزب الشيوعي السوري اللبناني والنظير اللبناني لخالد بكداش زعيم هذا الحزب، ولقد كانت قضية تقسيم فلسطين والموقف الشيوعي منها وراء محاسبة سالم رغم أن قيادة الحزب أظهرت أسبابا أخرى يؤكد صاحب المذكرات أنها لم تكن حقيقية، لكن لم يصل الأمر مع سالم إلى حدود الفصل، وبالطبع يتعرض الكاتب بالتفصيل إلى ظروف مصرع فرج الله الحلو في سجون عهد الوحدة.
**ومنها الانتخابات النيابية في سوريا والتي أسفرت وللمرة الأولى عن دخول الأمين العام للحزب خالد بكداش البرلمان ، ويأتي هذا العرض في سياق عرضه للانقلابات العسكرية في سوريا من انقلاب حسني الزعيم في اليوم الأخير من آذار / مارس 1949 وحتى انقلاب أديب الشيشكلي في مرحلتيه، وصولا إلى الانقلاب على دولة الوحدة في 28 أيلول / سبتمبر عام 1961 وما تبعه من عدم استقرار ومحاولات انقلابية، وأخيرا انقلاب الثامن من آذار/ مارس الذي جاء بالناصريين والبعثتين، وأسفرت أحداثه التالية عن تصفية الناصريين، ثم انقلاب 23 فبراير/ شباط، وأخيرا الحركة التصحيحية وتطور موقف الحزب في التعاون مع السلطات القائمة، في دولة الانفصال الرجعي، وفي دولة البعث على اختلاف مراحلها.

3- وفي مسار هذا العرض يتناول صاحب الذكريات ويثبت مواقف الحزب الشيوعي من خلال البيانات والوثائق التي أصدرها الحزب في حينه ، وكذلك من خلال مقابلات وخطب وتصريحات خالد بكداش الأمين العام للحزب ، الذي كان هو الذي يحدد مواقف الحزب، وهو الذي يعتبر ميزان الموقف الحزبي الصحيح ،يتناول المعارك الرئيسية والأحداث الهامة التي مرت على سوريا، داخليا وإقليميا ودوليا، من قوانين الإصلاح الزراعي والنضال النقابي، إلى مشاريع النقطة الرابعة وحلف بغداد، إلى مؤتمر باندونغ وصفقة السلاح التشيكية لمصر وتأميم قناة السويس، والعدوان الثلاثي، إلى اتفاق بناء السد العالي في مصر ، والاتفاقات لبناء سد الفرات ، والوحدة السورية المصرية والموقف الشيوعي من هذه الوحدة ، وصولا إلى عدوان حزيران / يونيو والجهود التي بدأت لتجاوز آثار العدوان .

طبعا في كل هذا الرصد والذكريات فنحن أمام زعيم شيوعي يستعيد أمامنا موقف ومنطق الحزب الشيوعي، وموقف ومنطق الاتحاد السوفييتي، والموقفان واحد لا ينفصلان، والحارس لهذه الوحدة هو الأمين العام خالد بكداش.

4- في هذه الذكريات استعراض لما قدمه الاتحاد السوفيتي للأحزاب الشيوعية عموما، لوجودها، ونموها، وانتشارها، وعلاقاتها، الدراسة الحزبية في الاتحاد السوفيتي، لسنوات ثلاث متخصصة، لتخريج قادة شيوعيين يعودون إلى بلادهم وقد ارتبطوا روحيا وفكريا بموسكو ورؤيتها، وتطلعها، وقد التقى يوسف فيصل في هذه المرحلة بالكثير من المناضلين الشيوعيين، من مختلف البلدان، وقدم لنا بعضا من أساليب العمل السرية التي كانت تتبعها موسكو مع هؤلاء الدارسين وذلك بإخفاء أسمائهم، وبلدانهم، وكذلك العمل في المنظمات الشيوعية الدولية على اختلاف مسمياتها، وتعرض إلى هذا الجانب من الذكريات من خلال عرض وأضواء تشعر القارئ أنه أمام حركة صوفية روحية في نوع من العلاقات والقيم لا نعهدها، أو لا نتوقها في مثل هذه الأحزاب.

5-  يفرد صاحب المذكرات أربعة فصول للحديث عن الوحدة السورية المصرية وفكرة الوحدة في الحزب الشيوعي وبرنامج النقاط الثلاثة عشر التي طرحها الحزب في مقابل الاندفاع الوحدوي الذي وسم المرحلة، وكذلك النقاط الثماني عشر، ويقف تفصيلا وبالأسماء عند ما أصاب الحزب الشيوعي من ملاحقات وضغط في عهد الوحدة ويسجل أسماء الذين اعتقلوا، ويفرد لحادث مصرع فرج الله الحلو في السجون السورية، وفي خلاصة ذلك كله يذهب إلى أن الحزب وحدوي النزعة وأن تاريخه يؤكد ذلك وكذلك وثائقه، وفي خضم هذا العرض يسترجع كل الصفات والتقييمات التي أطلقها الحزب على جمال عبد الناصر وحكمه في تلك المرحلة، وبالطبع يعتبر الانفصال حركة تحرر من استبداد عبد الناصر، والسيطرة المصرية، واستعادة لشخصية سوريا واستقلالها، ويعرب عن اعتزازه بأن يكون الحزب الشيوعي السوري في طليعة الذين قدموا الضحايا وخاضوا المعارك ضد “الديكتاتورية الناصرية “

6-  على مدى استعراضه للمرحلة السابقة كلها هناك إفراد لحزب البعث ومكانته في الحياة السياسية السورية، والمدقق في أساليب العرض يرى أن الرجل يذهب إلى أن القوتين التقدميتين الفاعلتين في الحياة السياسية السورية كانتا ومنذ ما بعد الاستقلال الحزب الشيوعي، وحزب البعث، رغم مرور فترات ظهرت فيها بعض الكتل، والمجموعات، لعبت ادوار ايجابية، وقد اعتنى صاحب الذكريات بهذه العلاقة حتى أنه عرض اتفاقا لم يتحدث عنه غيره قبل الآن – وثبت نص هذا الاتفاق في كتابه – بين الحزب الشيوعي وحزب البعث للعمل معا ضد حكم عبد الناصر في العام 1959 – 1960 وقد مثل الحزب الشيوعي حينها واصل فيصل ومثل حزب البعث عبد الغني قنوت، وحين يصل العرض إلى الثامن من آذار وبالتالي الأعوام 1964 – 1965 لا يبقى في ما يعرض من قضايا وصراعات واتفاقات وقوى في سوريا إلا الحزب الشيوعي وحزب البعث والذي توج تعاونهما أخيرا، وفي أعلى صوره فيما يدعى بالجبهة الوطنية التقدمية.

7- وفي عرضه لمواقف الحزب الشيوعي قدم يوسف فيصل نقدا لمحطات ومواقف وإجراءات أقدم عليها الحزب، وكان من أهم هذه الانتقادات موقف الحزب من قرار التقسيم، وهو الموقف الذي ترتبت عليه قضيتي رشاد عيسى وفرج الله الحلو، كما تناول النقد التقرير الذي قدمه خالد بكداش في كانون الثاني / يناير من عام 1951 وأصبح وثيقة رئيسية في الحزب حدد مهام ورؤى الحزب، وقد اعتبر فيصل أن التقرير الحق الضرر بالحزب وبعمله ونشاطه وتعاونه مع القوى الأخرى ومثل سياسة انعزالية كانت انعكاسا للسياسة الستالينية التي أقرت في المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي السوفيتي، وفي هذا النطاق كشف صاحب المذكرات أن الحزب صدر طبعة أولى من هذا التقرير – وصفه بقمة الانعزالية – تضمن مواقف ضد كمال جنبلاط وأمثاله، وطبعة لاحقة حذفت منه هذه المواقف ،كما انتقد مظاهر من تفرد الأمين العام للحزب خالد بكداش ببعض المواقف والتصرفات إزاء رفاقه وعزاها إلى خشية داخلية من أن يمثل هذا الرفيق أو ذاك منافسا له، ورغم تأكيده على وحدوية الحزب فإن صاحب المذكرات تحدث عن تغير موقف الحزب من قضية الوحدة من الموقف الايجابي قبل وحدة 58 بين مصر وسوريا إلى الموقف المتردد في مرحلة الوحدة إلى العودة للموقف الايجابي بعد ذلك، ويعترف بأن هذا الموقف كان له أثره على الحزب وكان أحد قضايا الخلاف في الانقسام الرئيسي الذي تعرض له الحزب قبيل المؤتمر الثالث وبعده أي منذ العام 1969، ويقول إن موقف الحزب أصبح واضحا بشكل كامل بعد انقسام عام 1985- أي الانقسام الذي خرج عنه الحزب الذي يتزعمه خالد بكداش –.

8-  وفي حديثه عن مرحلة انقسام استقلال الحزب الشيوعي اللبناني عن الحزب الشيوعي السوري يعترف يوسف فيصل أن الموقف من الوحدة وتحالفات الشيوعيين اللبنانيين من الحركة الناصرية كانت من الأسباب التي وقفت وراء انفصال الحزب بشطره اللبناني، إضافة إلى نهج الفردية في القيادية التي مثلها خالد بكداش، وقال ” إن غياب الديموقراطية ترك تأثيرا نفسيا على سلوك الرفاق اللبنانيين، وعلى تفكيرهم، وانعكس ذلك على تصرفهم تجاه القيادة الموحدة للحزبين والاندفاع نحو الاستقلالية، وحين يصل إلى المؤتمر الثالث فإنه يتحدث عن النقد الذي اقره المؤتمر بشأن غياب الديموقراطية وتأخر عقد المؤتمرات واثر ذلك على حياة الحزب .

نكت تستأهل الانتباه في الذكريات المطروحة الكثير من الطرائف فالحياة التي يعرضها غنية ومتنوعة، في مجال الحياة العامة، والحياة الحزبية، والحياة النضالية، والحياة العائلية، في حمص، وفي دمشق، وفي موسكو، وفي لبنان،
وفي الذكريات وقائع معينة ذات مكنون دقيق يمكن للمتمعن بها أن يستخرج منها الكثير من المعاني، أو المواقف، أو الدلالات، ونكتفي هنا بالإشارة إلى بعضها:

1- مما يلفت الانتباه في وقائع هذه الذكريات أن الأمين العام للحزب خالد بكداش كان يغادر سوريا عقب كل موقف يتخذه الحزب يخالف الرأي العام الشعبي، أو يخالف المعهود والمنشور من مواقف الحزب، فلا يصيبه شخصيا الضرر الناجم عن ذلك الموقف، وهو ضرر ينال الحزب وقياداته ومناضليه، حدث ذلك حينما اجتمع المكتب السياسي عقب صدور قرار التقسيم ووافق على هذا القرار حيث غادر بكداش على الفور إلى بيروت، وتكرر هذا الأمر حينما اتخذ الحزب موقفه من الوحدة وتغيب بكداش عن جلسة المجلس النيابي السوري حيث كان قد غادر سوريا، كذلك جرى حين وقع انقلاب الثامن من آذار/ مارس 1963 حيث غادر دون أن يعرف المكتب السياسي لحزبه بمغادرته وتركه محتارا أمام هذا التطور. وتكرر هذا الأمر دائما إلى درجة أن هذا القائد الشيوعي على خلاف كل قادة الحزب لم يعرف أنه تم توقيفه أو اعتقاله، وقد امتلك قدرة خاصة على الاختفاء عند لحظات الخطر التي تصنعها مواقف الحزب، أو تصنعها الظروف المحيطة.

2- في العام 1956 غادر يوسف فيصل سوريا إلى الاتحاد السوفيتي ومعه دانيال نعمة للدراسة في مدارس الحزب، وبعد قليل لحقت بكل منهما زوجته وأولاده، ويروي كيف تعرفت زوجته بالصدفة على الملا مصطفى البرزاني قائد التمرد الكردي في شمال العراق، الذي كان في موسكو يدرس الماركسية في مدارسها الحزبية، وروى أن البرزاني كان يدرس في المدرسة نفسها، وفي معيته ابن أخيه الشيخ أحمد وكان المسئولون الروس يعتبرونه مجموعة قائمة بذاتها وله مدرسوه، وقد روى لهم كيف شارك في جمهورية مهاباد وكيف وصل إلى الاتحاد السوفيتي، والمدة الطويلة التي أقامها في طاشقند، وكيف غامر وأتى إلى موسكو، وتوجه إلى الكرملين يطلب لقاء خروتشوف .

3- في عام 1950 اشتد الضغط على سوريا والحكومات العربية لعقد اتفاقات صلح مع الكيان الإسرائيلي في هذا الوقت وردا على هذه الضغوط أدلى الشيخ معروف الدواليبي رئيس الوزراء السوري، بتصريح أحدث ضجة كبرى وقد قوم الحزب الشيوعي التصريح تقويما ايجابيا وقام وفد من المكتب السياسي بزيارة الدواليبي وحيا موقفه الوطني أما التصريح المشار إليه فقد جاء فيه “يعلن الأستاذ معروف الدواليبي بصفته الخاصة، لا بوصفه وزيرا مسئولا في الحكومة السورية، أنه إذا استمر ضغط الحكومة الأمريكية على البلاد العربية لجعلها تسير في سياسة لن تنتهي إلا بتهويد بقية أبناء الشعوب العربية، فإنه يرجو إجراء استفتاء في العالم العربي، ليعرف الملأ إذا كان العرب يفضلون ألف مرة أن يصبحوا جمهورية سوفييتية على أن يكونوا طمعا ليهود “

4-  في حديثه عن الأجواء التمهيدية لوحدة 1958 تحدث عن التخوف الذي كان سائدا من امتداد نفوذ الحزب الشيوعي السوري – الذي كان له حينذاك نائبا واحد في البرلمان هو أمينه العام – ويقول” لقد عبر المناضلان جمال الأتاسي وعبد الكريم زهور لأكرم الحوراني ، عن قلقهما من نتائج المحاكمات وتوجيه ضربة للإقطاعية ، بعد أن تم الحديث عن مؤامرة يرتبها الرجعيون من أنصار العراق عام 1957 – من أن تؤدي إلى امتداد أوسع للحزب الشيوعي .

وفي الإطار نفسه يقول أن “مجلس القيادة في سوريا” ! اقترح في العام نفسه تشكيل لجنة غير رسمية من بعض رجال السياسة والفكر لدراسة موضوع الوحدة مع مصر، ووضع مشروع يعرض على الرأي العام والمنظمات السياسية، وتكونت هذه اللجنة من: الدكتور جمال الأتاسي، عبد الكريم زهور، الدكتور عبد الله عبد الدايم، رياض المالكي، نخلة كلاس، الدكتور كامل عياد، المقدم أحمد عبد الكريم، ويشير إلى أن اللجنة عقدت اجتماعا واحدا فقط ولم تكمل عملها، وينقل عن أحمد عبد الكريم في مذكراته تعليل ذلك بقوله: في غمار الأحداث المتلاحقة، وفي خضم التهديدات الأجنبية، اشتدت المزايدة على الوحدة، وأصبح الشارع في حالة أقرب ما يكون إلى الهيجان ولم يعد الجو ملائما للنقاش الموضوعي.

ومعلوم أن الأتاسي وزهور، انسحبا من حزب البعث احتجاجا على تلاعب الحزب في محادثات الوحدة الثلاثية عام 1963 بقضية الوحدة وانتقلا إلى الحركة الناصرية

وقفات نقدية:

في تقديمه للكتاب يخاطب الدكتور رفعت السعيد صديق ورفيق نضاله يوسف فيصل مذكرا بأن ” ما هو موضوعي بالنسبة لرؤيتك يجب أن يتوازن أو حتى يتعادل مع قيمة الحدث أو قيمة الحديث عنه، فلقد أرى أنا أو ترى أنت أن حدثا ما جدير بأن نفرد له كتابة مطولة ومفصلة، بينما يراه مؤرخون كبار، أو كتاب ومثقفون، أو سياسيون متألقون.. غير ذلك. فعلم التاريخ منذ كان.. كان ولم يزل علما معقداصعوبة،ل النظر والنظر المضاد، رغم أنه من المفترض أن يكون علم البحث عن الحقيقة القديمة، ولكن أي حقيقة ؟ هذه هي المشكلة الأكثر صعوبة، هذه حقيقة في الرؤية النقدية تضاف إلى ما أشرنا إليه في مقدمة عرضنا، فليس الغرض من النظرة النقدية أن ننقد مواقف الحزب الشيوعي السوري، فلهذا النوع من النقد مكان آخر حينما يدرس الباحث تاريخ هذا الحزب، لكن ما نذهب إليه هنا أمرين اثنين:

الأول: ضرورة عرض الأحداث والوقائع كما هي ثم بعد ذلك للكاتب كما لحزبه أن يقدم رؤيته لها، وتقييمه لظروفها.

الثاني: أن يحاول إعطاء كل حدث وموقف حجمه الطبيعي الحقيقي قدر الإمكان وما يساعد على تحقيق هذا القدر أن الحديث يتناول مراحل سابقة، قيل فيها من الشيوعيين أنفسهم الكثير على هذا الأساس فإننا نرى أن صاحب الذكريات اغفل ذكر بعض القضايا ما كان يجب إغفالها، بل إن إيرادها كان سيدعم افتراض توفر الموضوعية الإنسانية في هذه الذكريات، وهو استهداف يجب أن يكون أمام كل صاحب رأي، وموقف ومسؤولية:

1- سلط الضوء الشديد على حادث الهجوم على المكتب المركزي للحزب القريب من مقسم شرطة عرنوس في 28 تشرين ثاني 1947/ نوفمبر أي في اليوم التالي لصدور قرار التقسيم، ويعترف بأن الشارع الشعبي والسياسي السوري كان مشتعلا ضد قرار التقسيم ، ويقول إن سوريا تفجرت غضبا على قرار التقسيم ، وعمت التظاهرات جميع المدن، وخرجت في دمشق أكثر من مظاهرة، توجهت إحداها إلى القصر الجمهوري وألقى شكري القوتلي رئيس الجمهورية آنذاك خطابا أكد فيه أن قرار التقسيم لن يمر وفي عروقنا تجري دماء العروبة والأجداد، ويعترف أيضا أن الحزب الذي وقف دائما ضد التقسيم غير موقفه، وأعلن تأييده للتقسيم، لكنه وهو يدين الهجوم على مكتب الحزب والذي جرى في هذه الأجواء لم يقدم الصورة الكاملة عن مسؤولية قيادة الحزب التي غيرت موقفه من التقسيم في توفير البيئة لحدوث هذا الهجوم، الذي أوقع أول قتيل من الحزب، وأول قتيل من المهاجمين .

2- لقد اغفل يوسف فيصل نهائيا الحديث عن الهجوم الغربي الاستعماري الذي واجه وحدة 1958 والأجواء التي فجرتها وكان من مظاهر هذا الهجوم الإنزال الأمريكي على الشواطئ اللبنانية أثناء الثورة الشعبية في هذا البلد عام 1958 ، والإنزال العسكري البريطاني في الأردن دعما لحكم الملك حسين ، ولم يتبين لنا ما كان موقف الحزب الشيوعي من هذين التطورين في وقت كان الحزب يضع نفسه في مواجهة العملية الوحدوية، ويهاجم دولة الوحدة تماما كما يهاجمها التحالف الرجعي العربي ، وكما فعلت ذلك كل من بريطانيا والولايات المتحدة في تحركهما العسكري .

3- كذلك اغفل الحديث عن الصراع داخل ثورة 14 يوليو / تموز في العراق ، وهو الصراع الذي أبعد هذه الثورة عن حركة الوحدة، وتحالف الشيوعيين في العراق مع عبد الكريم قاسم – الذي تحدث عنه فيصل باعتباره القائد التحرري – وما وقع للتيار القومي هناك من مذابح على أيدي الشيوعيين العراقيين، الذين شاركوا في قتل القوميين في الشوارع وفي السجون وسحل جثثهم، وانعكاس ذلك على موقف دولة الوحدة من الشيوعيين. فقط ينقلنا مباشرة إلى الحديث عن أن عبد الناصر بدأ في 23 / 12 / 1958 هجوما على الحزب الشيوعي وفي 30 / 12/ 1958 واليوم التالي1 /1/ 1959 بدء هجوم أجهزة الأمن على كوادر الحزب وأنصاره .وجدير بالاهتمام تذكر أن هذا الهجوم جاء بعد عشرة اشهر من قيام الوحدة، وبعد أكثر من ستة أشهر على قيام ثورة 14 تموز / يوليو في العراق، وبعد ابتعاد عبد الكريم قاسم عن الوحدة ومهاجمته الجمهورية العربية المتحدة، وتحالفه مع الشيوعيين ومع المتمردين الأكراد بزعامة الملا مصطفى البرزاني والذين كان لهم موقف ثابت ضد الوحدة العربية.

4- رغم حديثه عن قضايا الخلاف التي فجرت الحزب الشيوعي في الأعوام 1969 – 1971 فإنه تم الإغفال الكامل لتقييمات معظم قادة الحزب الشيوعي لمواقف الحزب من قضية الوحدة بما في ذلك النقاط الثلاثة عشر التي وصفها هؤلاء بأنها كانت مجرد غطاء لإخفاء موقف الحزب الانفصالي الرافض للوحدة “يراجع في ذلك مواقف هؤلاء القادة في كتاب قضايا الخلاف في الحزب الشيوعي السوري”، وإذا كان من حق صاحب الذكريات وهو من القلة من القادة الذين بقوا ملتفين حول خالد بكداش إلى اللحظة الأخيرة فإن الانتقاد يوجه إلى إغفال هذه المواقف ، فقد كان من الضروري إيرادها ثم له أن ينقدها أو يعطيها الحجم الذي يراه مناسبا لها.

5-  من الغريب أن تستمر رؤية قادة سياسيين على هذا المستوى إلى الانفصال الرجعي الذي وقع في 28 أيلول عام 1961 على النحو الذي يقدمه لنا صاحب المذكرات، أعيد التأكيد هنا أنه ليس من المطلوب أن يقف موقفا وحدويا، أو أن يمتدح عهد الوحدة، لكن بات واضحا بالوثائق أن ما ذكر ويذكر عن أخطاء نظام الوحدة ليس له أي صلة بانقلاب أيلول، إلا باعتقاد الانقلابيين بأن من شأن هذه الأخطاء أن تجعل جماهير الشعب السوري تتقبل الانقلاب، وقد ثبت منذ اللحظة الأولى أن الشعب السوري ضد الانفصال دون أي تردد. وظهر أن مؤامرة الانفصال كانت جزءا من استراتيجية الغرب والقوى الرجعية للحيلولة دون قيام دولة للعرب تسيطر على ثرواتهم، وتجمع قواهم، وتوحد مواقفهم، وتجعلهم قادرين على الوقوف أمام الغزوة الاستعمارية الجديدة التي مثلها المشروع الصهيوني بإقامة الكيان الإسرائيلي، وقد دفعت أموال لتحقيق ذلك، وعقدت اجتماعات، ووجهت الولايات المتحدة إنذارا لعبد الناصر من التدخل العسكري لردع الانفصاليين عقب انقلاب 28 أيلول / سبتمبر. إن كل هذا لم يعد حديثاً عن توقعات، وقراءة للأحداث، وإنما حديث مؤكد بالوثائق. وبالشهادات التي نشرت واعترف فيها أصحابها بأدوارهم.

6- ومما قفز عنه صاحب المذكرات بطريقة لا يمكن أن تفهم، الانعطاف الكبير الذي شهدته دولة الوحدة أولا ثم مصر عقب ذلك بصدور قرارات يوليو/ تموز الاشتراكية عام 1961 التي كانت فاتحة مرحلة التحول الاشتراكي، والتي دفعت إلى تغييرات حتى في الموقف النظري للإتحاد السوفييتي، بشأن علاقته بالدول التحررية التقدمية التي لا تأخذ النهج الماركسي، إن تأميمات 1961 ليست حدثا عابرا، وليست تطورا محليا، وقد اعتبرت قوى الانفصال أن هذا التحول الاجتماعي هو الدافع لفصل سورية عن مصر وتدمير أول تجربة وحدوية عربية في العصر الحديث، وقد دفعت هذه الانعطافة الكبرى بأحزاب شيوعية مصرية إلى البحث عن دور لمناضليها بجانب هذه الثورة وتحت راياتها، ما دامت الثورة حققت وتحقق آفاقا لم يكن في تصورهم أن تتحقق بهذه السرعة، ودون الدخول في محاولة في تفسير هذا التغافل نشير إلى حقيقة أن الحزب الشيوعي في هذه الفترة كان يسابق القوى الرجعية في كيل الأوصاف والاتهامات لدولة الوحدة ولرئيسها جمال عبد الناصر ولشعب المصري.

7- منذ الثامن والعشرين من أيلول 1961 أصبح الانقسام الوحيد في سوريا هو الانقسام بشأن الوحدة: وحدويون وانفصاليون، وغير ذلك لم يعد له أهمية واستمر الأمر كذلك حتى وقوع نكسة حزيران حيث أصبح شعار إزالة آثار العدوان هو الشعار الحاكم للشارع السوري ، التقدير الذي أقدمه هنا، ليس تقدير ناصري، وإنما هو تصوير لما كان فعلا، فخلال العام ونصف العام وهو عمر الانفصال الرجعي، فلم تشهد مدارس سوريا دواما فعليا، وقامت أكثر من ثلاثة محاولات انقلاب، وشهدت الحركة العمالية اضرابات واسعة وشديدة شلت الحياة العامة، إن كل حديث عن سيطرة أو مكانة الحزب الشيوعي بين العمال هو محض خيال ، وكذلك الأمر بالنسبة للقطاع الطلابي، ولا يقتصر الأمر في هذا التوصيف على الشيوعيين، وإنما على كل القوى التي ارتضت لنفسها الوقوف في صف الانفصال، واستعان النظام القائم في مرات عديدة بالدبابات، والعربات المدرعة الخاصة بنقل الجنود لقمع الإضرابات، وكان حظر التجول يفرض في كل حين، يمكن لأي باحث أن يقول إن هذا الموقف الشعبي عاطفي لا يجوز التعويل عليه، ويمكن أن يذهب للقول أن مخابرات عبد الناصر هي التي كانت تحرك هذه الجماهير، أما أن ينكر وجود هذا التحرك وهذا الانقسام، فهذا مالا يقبل، بل وهذا ما يضع إشارات الاستفهام على ما سواها من أحداث، ومن يفعل ذلك يكون كمن يريد أن يخفي ضوء الشمس بإصبع يده.

8- وكان الصراع شديدا بين الحركة الناصرية والبعث العسكري إذ كان البعث المدني ضعيف الوجود والتأثير بين الجماهير وحدثت صدامات دامية بين الجماهير الوحدوية وبين البعث العسكري، وكانت المذبحة التي قام بها نظام الحكم ضد محاولة الانقلاب التي نفذها العقيد جاسم علوان في الثامن عشر من يوليو / تموز 1963 قمة هذا العنف الدموي – وقد كان يمكن تجنبها لمعرفة البعثيين مسبقا بالمحاولة – والتي استقال على أثرها رئيس الدولة آنذاك اللواء لؤي الاتاسي من منصبه، وكانت الإعلان العملي عن ارتداد البعث السوري، ومعه بعث العراق عن ميثاق الوحدة الثلاثية الذي كان يجب أن تتولد عنه دولة اتحادية تضم مصر وسوريا والعراق .

لا يكفي أمام حقائق على النحو القول أن هناك جماهير كانت مع الوحدة وكانت شعاراتها، عودة الجمهورية العربية المتحدة، وأن حزيران، حدثت بين الناصريين والبعثيين، فالمذكرات المطروحة ليست تاريخا للأحداث وإنما هي بالأصل إيضاح لموقف الحزب الشيوعي الذي لم نلحظه هنا ولا بأقل الحدود المقبولة .

9- عقب هزيمة حزيران فإن وضعا جديدا صار في سوريا، وانطلقت دعوة وطنية للالتفاف حول شعار إزالة أثار العدوان وموجباته، وحينما رفض نظام 23 شباط / فبراير الاستجابة لهذا المطلب، واستمر في سياسته الطفولية، تشكلت جبهة وطنية في سوريا لتحقيق هذا الهدف، وقد واجه نظام الحكم الشباطي هذه التحركات بالقمع الشديد، وزج بالمئات من طليعة المناضلين من الناصريين والبعثيين القوميين والقوميين العرب والاشتراكيين العرب، في السجون واستمر الأمر كذلك حتى تفجر الوضع بين أطراف الحكم ، مما أسفر عن الإفراج عن المعتقلين وبعد ذلك أسفر عن الحركة التصحيحية التي قادها الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، إن إغفال ذكر هذه الأحداث، والقفز فوق حقيقة الوضع الديكتاتوري الذي كان يمثله الحكم الشباطي حكم الثلاثي “نور الدين الأتاسي، يوسف زعين، صلاح جديد”، والذي كان الشيوعيون متعاونين معه ، يطرح تساؤل جوهري ما إذا كان الموقف في تقييم ديموقراطية أي نظام أو مرحلة إنما يتحدد من خلال الموقف من الحزب الشيوعي نفسه، وليس من خلال الالتزام بأسس العمل الديموقراطي. وما يزيد من حدة السؤال أن الشيوعيين كانوا من ضمن القوى التي شاركت في محادثات تشكيل جبهة وطنية تضم كل القوى عقب نكسة حزيران، وتطوع خالد بكداش لينقل ويحاور قادة الحكم: صلاح جديد، ويوسف زعين، بشأن هذه الجبهة وحينما ابلغه جديد أن الحزب لم يتخذ قرارا بالاعتراف بوجود أحزاب وأن التعاون المتاح مع جميع القوى الأخرى هو على شاكلة ما هو قائم مع الشيوعيين – أي المشاركة باسم شخصيات تقدمية – أبلغ بكداش قادة المعارضة بذلك، وأبلغ الدكتور جمال الأتاسي بهذا الموقف للسلطة، وأعلن التزامه وقبوله بما تتيحه السلطة من أشكال التعاون، وبالتالي افترق عن قوى المعارضة التي شكلت جبهتها الوطنية، وقد أعقب هذا التشكيل حملات الإرهاب والاعتقالات التي طالت قوى الجبهة.
إن هذا حدث جوهري في تاريخ سوريا وتاريخ الحكم الشباطي، وكان الحزب الشيوعي وأمينه العام فاعلا فيه، ومع ذلك تم إغفاله.

10- في هذه المرحلة الممتدة منذ مطلع الخمسينات، وحتى ما بعد حرب تشرين / أكتوبر 1973 كانت القوتان الرئيسيتان الموسومتان بصفة التقدمية في سوريا هما: حزب البعث، والحركة القومية التي أخذت بدءا من عهد الوحدة سمة الوحدويين ومن ثم الناصريين ثم يأتي بعد ذلك الشيوعيون وفق التصنيف المعتبر آنذاك للتقدمية ،لكن في كل ما يطرحه صاحب المذكرات يتناسى الحركة الناصرية كلية، وهي حركة بدأت موحدة في إطار الاتحاد الاشتراكي اعتبارا من العام 1964، وحين يضطر إلى ذكرها يذكرها باسم الناصريين، وليس باسمها الحزبي، بل في بعض جوانب العرض يكاد يشعر المتابع أن الشيوعيين هم صانعو تاريخ سوريا التقدمي وليس غيرهم، هذا على الرغم أنه في مواقع وفترات عديدة كانت أقدام الشيوعيين إلى جانب أقدام عتاة الرجعيين، وإلى جانب أقدام الانفصاليين، وإلى جانب أقسى مراحل الديكتاتورية والاستبداد التي مررت على سوريا .

إنه يتحدث في بعض المواضع عن الدكتور جمال الأتاسي – وهو من قيادات حزب البعث حتى محادثات الوحدة الثلاثية عام 1963 – دون أن يتطرق إلى أن هذه الشخصية المناضلة المفكرة قادت – منذ انسحابها من حزب البعث- الحركة الناصرية والاتحاد الاشتراكي في سوريا، وبقيت أهم شخصية في شخصيات المعارضة في سوريا حتى وفاته عام 2000.

11- المتابع يعلم أن العديد من قادة الحزب الشيوعي في أزمته الكبرى عام 1969 وجهوا تهما بالستالينية والديكتاتورية للأمين العام للحزب الشيوعي آنذاك خالد بكداش، وفي استعراضه، ونقده لبعض تصرفات القيادة يأتي فيصل على بعض مظاهر هذا السلوك دون أن يسمي الأمين العام بهذه الصفات، رغم أن هذه التصرفات كانت وبالا على الحزب، وأفقدته الكثير من قدرته وحيويته، وأدخلت إلى تاريخه مواقف يصعب الدفاع عنها، ويقر فيصل بأنها أضرت كثيرا بالحزب وقدراته.

12- وحين نصل إلى قراءة ما قدمه عن المؤتمر الثالث نفاجئ بالخلاصات التي تحدث عنها، والنتائج التي رأى أن المؤتمر أفرزها وتصب كلها في إطار تقوية وتصليب وتحسين أداء الحزب، وتقوية تماسكه ونقده لمظاهر السلبية فيه، والخروج بموقف موحد وقيادة موحدة، لكن حقيقة الأمر كانت غير ذلك رغم صحة النصوص التي ذهب إليها، ورغم واقعة انتخاب قيادة واحدة ضمت في حينها كل أطراف الخلاف من الأمين العام خالد بكداش إلى رياض الترك الذي تزعم لاحقا حركة التغيير في الحزب. إن الانقسام العميق والنهائي والعلني الذي وقع عام 1974 كان من الزهور التي تفتحت في هذا المؤتمر ومحيطه، والتي حاولت هذه النصوص، وهذه القرارات أن تخفيها.

13- وعلى امتداد الذكريات والوثائق التي تغطي هذه المرحلة الطويلة من حياته وحياة الحزب، نكاد لا نلحظ أي ذكر للإسلام إلا من خلال نقد القوى الاسلامية واعتبارها قوى رجعية ،مع العلم أنه أشار إلى مواقف، وأحداث ومواقف كان فيها الاسلام السياسي في المكان التقدمي والثوري، لكنه جعلها مواقف عابرة وجزئية، ولم تساعده على استخلاص أي دلالات لها.
نحن ندرك أن الحديث عن الحزب الشيوعي، وأن المتحدث أحد القادة التاريخيين لهذا الحزب، لكن ما ندركه أيضا، أن المذكرات / الذكريات تمثل في أحد وجوهها إطلالة على الماضي بما تحمله وتتحمله هذه الإطلالة من أوجه مراجعة، ولقد فعل صاحب المذكرات ذلك في العديد من الوقائع، والأشخاص، لكنه في هذا الجانب لم يكن هناك أن تطور، أو مراجعة، أو حتى إحساس بأن من الضروري لحزب يريد أن يكون له مكانة في مستقبل هذه الأمة، خصوصا وأن قضية الدين، وأثره، وقوته، باتت أكثر من واضحة ومسلم بها للشيوعيين، حينما أظهرت ظروف تحلل الإتحاد السوفييتي، أن الدين الإلهي، كان أعمق، واصلب، وأقوى أثرا من الدين الوضعي الذي مثلته الماركسية، وبغض النظر عن مسألة الإيمان فقد كان من الواجب الحزبي أن يتم التطرق إلى هذه القضية ولو من قبيل البراغماتية السياسية التي ميزت العلمانيين في الغرب، وإذا كان الحديث عن الإسلام قد اختفى فإن الحديث عن الحضارة العربية الاسلامية هو الآخر لم يكن له وجود، وكأن الإحساس عند الحزب وقادته بتاريخ هذه الأمة، واثر الاسلام في هذا التاريخ كان معدوما. وهو أمر – في إطار العمل السياسي – شديد الخطورة، ومصدر من مصادر توليد الفكر الديكتاتوري الاستعلائي.

14- وفي آخر وقفة نقد نطالع فيها هذه المذكرات الغنية والمهمة نلاحظ أنه في غير موضع من الكتاب وخصوصا حين عرض ما نال بعض القيادات من أمثال نجاة قصاب حسن، أو رشاد عيسى، أو فرج الله الحلو، وطبيعة النقد الموجه لهم، وردودهم على هذا النقد، والنظرة التي تشع في مختلف جنبات الذكريات للأمين العام، وللحزب وللماركسية، ولموسكو، فإننا أمام حالة من التدين شديدة، وحالة من الخضوع لا تكون إلا لمعصومين، وهي تقدم في وجه منها صورة الحزب الحديدي المركزي شديد التماسك والفاعلية، وتقدم في الوجه الآخر صورة استلاب الشخصية والانبهار التي يفترض أن لا تكون في حزب يؤمن بالجدل، والتغير، والصراع، ويصح لنا أمام هذه الحالة أن نقول أن الشيوعيين صنعوا لأنفسهم من حزبهم وقيادتهم وفكرهم وعاصمة تجربتهم، الإله الذي يعبد والنبي الذي يتبع دون أن يساءل في شيء والقبلة التي يتوجهون إليها.

خاتمة

اثنان وثمانون عاما يحملها هذا القائد الشيوعي على كتفه وكان منذ وعيه الأول يناضل في هذا الحزب، وعلى هدى هذه الأيديولوجيا، في هذه الذكريات تجسد كل ما في هذه الايدولوجيا من ايجابيات وسلبيات، في رؤيته للأشياء وفي حكمه عليها، ومن الصعب جدا أن أدعي أني فيما قدمت أو نقدت أحطت بها.

فما زال فيها الكثير الذي يمكن أن يقال، والكثير الذي يمكن أن ينقد، خصوصا إذا وسعنا نطاق النقد إلى الحزب الشيوعي ومواقفه، وهو ما لم نشأ الخوض فيه لأنه مجال واسع جدا حتى لو اكتفينا بما وجهه القادة الشيوعيون أنفسهم للحزب وتاريخه ومواقفه وقيادته. ويستطيع من يريد الاستزادة في ذلك الرجوع إلى كتاب قضايا الخلاف في الحزب الشيوعي وهو كتاب وثائقي بالكامل.

وقبل كل ما قدم وبعده فإن هذه الذكريات غنية جدا، ويتمنى المرء أن يكون قد أكملها ولم يقف فيها عند العام 1969 واستطالته، وهي مهمة جدا في المساعدة على قراءة شطر من تاريخ سوريا، والتعرف على رؤية قوة سياسية مهمة في حياة هذا البلد وقادة سياسيين كان لهم دورهم في هذه الحياة، وكذلك هي مهمة في محاولة رؤية ما سيكون عليه عطاء أو مصير هذه القوة أو تلك، وهذا الفكر أو ذاك ليست هذه الذكريات تاريخ لكنها عنصر في صوغ هذا التاريخ، وهي تجل من تجليات الحياة في سوريا، ومن هنا تستمد قيمتها وأهميتها

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى