قراءة في رواية: جبل السماق (سوق الحدادين)

أحمد العربي

ابتسام تريسي روائية سورية متميزة جدًا، قرأت أغلب رواياتها، تواكب الواقع السوري بكل تفاصيله. تنتمي للثورة السورية، رواياتها شهادة أدبية عن الواقع السوري وثورة الشعب، فيما بعد.

جبل السماق (سوق الحدادين) رواية تعتمد أسلوب السرد على لسان الكاتبة، مستحضرة الحدث الروائي والشخصيات، داخلة في عمق مدينة أريحا في سورية منذ بداية القرن العشرين إلى بدايات مرحلة الاستقلال عن المستعمر الفرنسي.

 تسير الرواية بالتتابع بمستويات ثلاثة، الواقع العام لسورية وخاصة مدينة اريحا. أما المستوى الثاني فهو تفاصيل البنية المجتمعية داخل المدينة، التفاوت الاجتماعي، بين الآغاوات (الإقطاعيين)، ومجموع الناس، واقع البنية الاجتماعية، المهن، بنية الأسرة، الحالة النسوية، التداخل بين الحياة اليومية للناس والانخراط بالشأن العام، بدء من السفر برلك زمن العثمانيين، ومحاربة الفرنسيين الى الصراع مع أذناب المستعمر، الى التهليل بعصر الاستقلال. أما المستوى الثالث فهو متابعة حياة ابراهيم الطفل ابن اريحا، وضعه العائلي، طموحه وإصراره على التعلم.

تبدأ الرواية من تجهيزات انطلاق البوسطة (الباص) من أريحا الى حلب، يركب ابراهيم البوسطة يجلس في مكانه تتحرك البوسطة في طريقها، ويعود إبراهيم إلى طفولته. ابراهيم طفل صغير يساعد والده في النفخ من خلال الكير في محل حدادته، عمل شاق على طفل صغير، والده شخصية جبارة متذمر دوما، قاسي في تعامله مع ابنه، الابن يفكر كل الوقت، انه يريد التعلم مثل أخيه محمد الذي يكبره قليلا. أبوه محمد خير متزوج من اثنتين، أمه وخالته فاطمة، له العديد من الاخوة والاخوات، والد إبراهيم وأخاه يعملان بالحدادة، يصنعون كل ما يحتاجه مجتمع ريفي، ويريد ان يعلم اولاده المهنة، حيث المهن تورث، كان التعلم في الكتاب نادرا، وقلائل الأهل الذين يرسلون أولادهم إلى الشيوخ لتعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن وختمه. كان أخوه الأكبر محمد وهو الابن الأكبر ذو حظوة عند والده لذلك ارسله الى الكتاب. رفض إبراهيم هذا الظلم الواقع عليه وأصر على التعلم. تعيش الزوجتين في بيت واحد والاب صاحب السلطة والسطوة، ام ابراهيم صامتة مستسلمة، حضورها شبه معدوم في حياة الاسرة، حتى اولادها. فاطمة الزوجة الثانية، خالة إبراهيم، كانت صاحبة شخصية قوية تطالب بحقوق العائلة جميعها بما فيها أولاد الزوجة الثانية، تصطدم مع الزوج وقد يضربها أحيانا، لكنها تصل عبر عنادها وإصرارها الى ما تريد، ولو بعد حين. إبراهيم يحب خالته ويلجأ لها في كل شؤونه، وهي ترى تميزه وطموحه، حدثها عن حبه للتعلم، وأنه لا يود ان يصبح حدادا كوالده، وأنه يود أن يذهب الى الشيخ للتعلم مثل أخيه محمد، تدخلت فاطمة عند الوالد وألزمته بالسماح لإبراهيم الذهاب إلى الشيخ للتعلم، كان رد فعله غاضبا ورافضا، لكنه استسلم أخيرا أمام اصرار فاطمة.

 بدأ ابراهيم الذهاب الى الشيخ والتعلم، الكثير من الاطفال حضروا ايضا، كان الشيخ نموذج للمتكسب من تعليم الاطفال، يرسل الاهل مع أطفالهم كل اسبوع مبلغا للشيخ أجرة التعليم، كانت هناك تراتبية للتعليم عند الشيخ، الكبار يعلمون الصغار، كان أغلب الشيوخ ظلمة، يحملون قناعة ان القسوة تربي الأطفال، والأهل يشجعونهم. كان بعض المشايخ منحرفين اخلاقيا، فقد يعتدون على بعض الأطفال جنسيا. رصد ابراهيم أحد الشيوخ يتقرب من طفل صغير جميل، لم يتحمل ضرب الشيخ وهرب وانتقل الى شيخ غيره. انتقل محمد الى المدرسة عندما وصل الى سن دخول المدرسة. اما ابراهيم فقد رفض والده إدخاله المدرسة، تدخلت خالته فاطمة مجددا عند والده وبدأ يذهب الى المدرسة. في المدرسة عالم آخر مختلف هناك مدرسون كثر، اغلبهم من اصول إقطاعية من مالكي الاراضي، يحملون قناعات عن تخلف الفلاحين وأن اولادهم لا يستطيعون التعلم ولا يستحقونه. يتصرفون وفق نظرة دونية تقترن مع الإساءات اللفظية والسلوكية، التي تنصب على الأطفال دون وجه حق. القليل من المعلمين ينظرون للأطفال بعين الود والتعامل الجيد. عايش إبراهيم كل ذلك، تحمل بعض الاساءة، كان شخصية متمردة لا يسكت عن حقه أو اي خطأ أو اساءة. ظهر تفوقه في دروسه، كان ينجح في كل سنة بتفوق. لم يكن والده مسرورا بذلك، لأنه يرى ذلك تهرب من تعلمه الحدادة التي ستكون مستقبله. لكن إبراهيم اظهر اصرارا على التعلم واستمراره فيه وأنه لن يقبل أن يصبح حدادا. وعندما وصل الى صف الخامس أصبح عليه أن ينتقل الى حلب ليكمل دراسته هناك. لكن والده كان رافضا جدا لذلك، الى درجة ان حلف بالطلاق على أمه وخالته ان تدخلتا في الأمر. لم ييأس ابراهيم صار يتصرف لوحده، يحضر الأوراق المطلوبة من مدن اخرى، ويبيع بعض المصنوعات من محل أبيه، من دون علمه طبع، ليؤمن مصاريفه. سجل في الصف الخامس وهو ينتظر أن يذهب ويكمل دراسته.

عاش إبراهيم طفولة ممتلئة بما يحيط به، سواء واقع العائلة، أو عند الشيوخ في مرحلة الكتاب او في المدرسة في سنواتها الاربعة، أصبح مطلا على ما يحدث في سورية عموما وفي البلدة ايضا. يستمع لأحاديث الكبار. ويقرأ لهم الصحف، صار ذو حضور بكونه متعلم في أجواء شبه أمية، كان له دور مع الأطفال الآخرين في كل المناسبات الوطنية. شاركوا في رفض الفرنسيين، وفي طرد الرئيس تاج الدين الحسيني تابعهم، وفي استقبال الرئيس شكري القوتلي كبطل بعد الاستقلال مع أهل البلدة جميعا.

عاش ابراهيم حياته تلك ضمن مجتمع له حدوده وضوابطه ومواصفاته. كان اغلب اهل البلدة ممن يعملون في مهنة ما، حدادة وغيرها. ويملكون أراض مزروعة بالأشجار المثمرة مثل الوشنة والكرز والرمان والتين… الخ، وكذلك الحبوب والخضار وغيرها. والد ابراهيم لديه أرض فيها أشجار مثمرة خاصة الكرز. وفيها مغارة يعيشون فيها ايام المواسم. حيث يقطفون الثمار ويرسلونها الى حلب للبيع، نتعرّف على واقع سوق المدينة وتلاعب السماسرة وسيطرة البلطجية على السوق، والسرقة شبه العلنية من رزق الناس.

نطّل على البنية العائلية التسلطية المطلقة للرجل على امور الاسرة، قدرة النساء على التكيف مع ذلك، وتحصيل مطالبهم بطرق مختلفة. الزواجات المتعددة، الاولاد الكثر، كل ذلك يدخل في أدوار كثرة العائلة والعزوة في مجتمع ريفي يفتخر بعائلته وكبرها.

نتابع في البنية الاجتماعية، أغلبية فلاحية ومهنية لها أعمالها وأملاكها المتواضعة. وأقلية إقطاعية (آغاوات) من الملّاك الكبار للأراضي يهيمنون على البنية الاجتماعية بشكل كامل، صراع مصالح ونفوذ بين الآغاوات. نتعرف على المجتمع الذي فرز منه القبضايات (شيخ الشباب) ودوره الاجتماعي في نصرة المظلوم. النساء الضعيفات الغريبات، اللواتي لا يجدن من يحميهنّ، يكن ضحيات حياة دعارة مستترة، كان الاقطاعيين واولادهم يعيثون فسادا، وغالبا ما يتعدين على بعض الفتيات، دون أي محاسبة، وقد يحصل حمل ويظهر اطفال لقطاء مرميين أمام الجوامع.

الآغاوات وأولادهم المنفلتين لا انتماء وطني عند أغلبهم، هم عبيد الحاكم سواء العثمانيين سابقا او الفرنسيين زمن الرواية، كما انهم يستعبدون الناس ويسخرونهم في كل مصالحهم بما فيها جني أرزاقهم في أملاكهم الشاسعة. لا ينتمون نفسيا للناس ويحسون اتجاههم بعقدة التفوق. كما يعيش بعض الفلاحين بعقدة النقص اتجاههم.

كانت البنية الاجتماعية في عمقها تقوم على الحقوق المصانة وعلى رفض الظلم والاستعداد لمواجهة الظالمين سواء من الحكّام أو المستعمر او الاقطاعيين واذنابهم من المخبرين والمستخدمين بقوتهم البدنية مع غياب الكرامة. اغلب الرجال من عمر والد ابراهيم كانوا ممن عاش أيام العثمانيين وشاركوا في حرب (السفر برلك) في الحرب العالمية الأولى، تلك الحرب التي انتهت باستعمار الفرنسيين لسورية، وعدم قبول اهل سورية لذلك. حيث اجتمع الشباب وشكلوا مجموعات ثورية تقاتل الفرنسيين. الكاتبة تتحدث بفخر عن ابطالها الذين حاربوا الفرنسيين، على رأسهم إبراهيم هنانو. ابن منطقتهم الذي التم حوله الشباب يوسف الحسن ونجيب وأغلب شباب البلدة، قاتلوا الفرنسيين في كثير من المواقع. يسقط منهم الشهداء والمصابين، يعيشون الإحساس بالفخر بهم كلهم. نطّلع بالتفاصيل على هؤلاء الثوار الذين يمثلون مفخرة لأهل أريحا وجبل الزاوية والسوريين عموما.

تتحدث الرواية عن البنية الاجتماعية مرجعيتها المعتمدة. حيث انقسم المجتمع إلى اغلبية ضد الاستعمار الفرنسي ومتآلفة مع ثوارها وفيما بينها، كان شيخ الجامع قائدهم الذي يمثل مع الوجهاء ضمير الناس والعقل الراجح المواجه لكل المستجدات الوطنية والاجتماعية. يتدارسون كيف يواجهون الرئيس تاج الدين الحسيني عميل الفرنسيين، وكيف يخذلوه ويعيدوه خائبا مع المستشار الفرنسي. وكيف يستقبلون شكري القوتلي كقائد لسورية المتحررة من الاستعمار.

كما يظهر في الواقع الاجتماعي التنافس في أجواء الانتخابات النيابية الجديدة في سورية أيام المستعمر وبعد التحرر منه. المنافسة بين فئة الملّاك ومحافظتها على مصالحها على حساب الناس. كما رصدت الرواية فئة المتعلمين التي تحاول ان تنتخب من يمثل الاغلبية الاجتماعية التي صنعت الثورة على الفرنسيين وقدمت الشهداء واسست للاستقلال.

تظهر الرواية المعتقدات الاجتماعية والدينية التي تخلط بين الدين والشعوذة وتستشفي بالدوسة (الشيخ وبغلته)، مجتمع موغل في تفسيرات غير علمية لكثير من الظواهر. الجني الذي يتشكل على هيئة عنزة ويتحدث، الخوف من المقابر والتجول فيها ليلا… الخ…

تنتهي الرواية وإبراهيم يجهز نفسه ليكمل دراسته للصف الخامس رغم رفض والده المطلق لذلك.

في تحليل الرواية نقول:

٠ نحن بأمس الحاجة لهذا النوع من الروايات التي تلقي الضوء على البنية الاجتماعية والنفسية والعلاقات المجتمعية. حيث ترصد الحياة بتفاصيلها في النصف في الأول من القرن العشرين في بلدة اريحا وجوارها وسورية كلها عموما. نتعرف على واقع المهن وعلى العمل الزراعي وصولا الى حقيقة الإقطاعيين. وبداية حضور المتعلمين ودورهم التنويري الجديد.

٠ ظهر البعد الوطني المواجه للمستعمر الفرنسي بكل نصاعة كواقع معاش من أناس أحرار يعيشون احساسهم بحقوقهم وكرامتهم. كيف يندفعون في قتال المحتل وكيف يسقطون شهداء ويتحولون لمنارات تدعو للفخر والاعتزاز. هذا الحضور مهم لتنوير واقع كان يدرّس بطريقة جافة دون روح وبقليل من المعلومات. لقد احسسنا بالفخر بهؤلاء الثوار الذين أسسوا لتحرير سورية من الفرنسيين.

٠ تتميز الرواية بالغوص في كل التفاصيل الحياتية والنفسية لأبطالها وزمانهم وما عاشوه. إخلاص شديد للحقيقة كما كانت تُعاش. توحدنا مع الرواية إلى درجة العيش في ذلك الزمان وبين هؤلاء الرجال وداخل حياتهم بكل تفاصيلها. احببنا الثوار. انتصرنا لإصرار ابراهيم على تحقيق أهدافه المشروعة. تألمنا من شدة الأب محمد خير. عشنا احترام شديد لفاطمة الخالة الاصيلة التي عملت بدأب لما تراه حق وصحيح وانتصرت لكل ما يجب ان يحصل دون يأس او استسلام… هذه المرأة السورية النموذج التي نريد…

أخيرا: لا نستطيع في أجواء الثورة السورية بعد عقدين تقريبا من كتابة الرواية وبعد مضي حوالي عشر سنوات على ثورتنا السورية، إلا المقارنة مع واقع شعبنا الحر في كل سورية بريفها ومدنها، نفهم لماذا خرج بثورته في ربيع عام٢٠١١م. وان هذا الشعب لن يرضخ للظلم. سيستمر في نضاله لتحقيق مطالبه المشروعة بالحرية والكرامة الانسانية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية والحياة الافضل. كما كان في السابق وكما سيستمر حتى النصر…

ان الشعب منتصر دوما. هذه هي رسالة الرواية الاولى.

اترك تعليقاً
0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى