
منذر العلو
منذ اتفاقية 18 كانون الثاني 2026، التي وُقِّعت بين الحكومة السورية وميليشيا قسد، وتقضي بدمج مناطق شمال شرقي سورية ضمن سلطة الدولة، اتخذت الدولة مساراً في التعامل مع محافظة الحسكة، اعتبره كثير من السوريين غير عادل، ولا يراعي التركيبة السكانية للمحافظة، إذ جرى التعامل مع الحسكة بوصفها محافظة كردية خالصة، أو على الأقل أن الأكراد يشكلون الغالبية السكانية فيها.
ثم جاءت التعيينات الإدارية والأمنية، التي زادت من حالة الاستياء الشعبي، إذ رأى أبناء المنطقة فيها، إعادة تدوير وشرعنة لأسماء شخصيات فاسدة، أوغلت في دمائهم منذ أكثر من عشر سنوات، فضلاً عن أن هذه التعيينات لا تراعي التوازن العرقي في المحافظة.
وأخيراً، جاء تصريح المتحدث باسم الفريق الرئاسي المكلَّف بإدماج قسد، السيد أحمد الهلالي، الذي ظهر في لقاء مصور على شاشة تلفزيون سوريا، وادّعى أن الأكراد يشكلون الغالبية السكانية العظمى في المحافظة، وأن ميليشيا قسد الكردية هي صاحبة الثقل في المنطقة – بالرغم من تصحيحه للتصريح بأنه كان يقصد بأن الأكراد يشكلون الأكثر حجماً من أطياف المجتمع- ولذلك يجب على الدولة أن تتفاوض معهم قبل غيرهم ، وأضاف أن النشاط السياسي للمكون الكردي دفع الحكومة إلى النظر في حقوقهم ومعالجة قضاياهم أولاً، وهذا لا يعني بحسب قوله، أن الدولة لن تراعي حقوق (الآخرين).
وقد تسبب هذا التصريح في موجة عارمة من الغضب لدى السوريين عموماً، وأبناء محافظة الحسكة خصوصاً، إذ رأوا فيه إغفالاً لطبيعة المحافظة الديمغرافية، وتوصيفاً لا ينسجم مع تاريخها.
فهل ما قاله السيد أحمد الهلالي بتلفزيون سوريا صحيح، أم أنه مجرد خطأ عابر؟
ولكي نجد الجواب الكافي عن هذا السؤال، يجب أن ننظر إلى التركيبة السكانية لمحافظة الحسكة من منظور علمي، وأن نستند في ذلك إلى إحصاءات رسمية دقيقة، كما ينبغي أن ننظر إلى وجود هذه المكونات من منظور تاريخي.
وبعد بحثٍ طويل في الدراسات والبيانات الإحصائية الصادرة عن جهات حكومية وغير حكومية في الجمهورية العربية السورية، نجد أنّ التركيبة السكانية لمحافظة الحسكة جاءت على النحو الآتي:
أولاً: العرب
يشكل العرب في محافظة الحسكة الغالبية العظمى من سكان المحافظة، إذ تتراوح نسبتهم 65% من إجمالي سكان المحافظة، وينتمي جميعهم إلى القبائل العربية المنتشرة في الخليج العربي والعراق وبلاد الشام، مثل: الجبور، وطيء، وشمّر، وحرب، وعنزة، وعدوان، والعقيدات، إلى جانب العديد من القبائل العربية الأخرى.
وينتشر العرب حالياً في جميع مناطق محافظة الحسكة دون استثناء.
ويعود وجود العرب في هذه المنطقة إلى الألف الثالث قبل الميلاد، فهم أقدم من سكنها.
ثانياً: الأكراد
يُعد الأكراد في محافظة الحسكة ثاني أكبر طيف بعد العرب، إذ تتراوح نسبتهم 27.25% من إجمالي سكان المحافظة، وكانت نسبتهم قد بلغت 30% عام 2011، قبل أن تبدأ موجات الهجرة التي نتجت عن ممارسات حزب العمال الكردستاني، مثل: خطف الأطفال وإرسالهم إلى قنديل، والتجنيد الإجباري، وتجنيد القُصَّر.
ويرتكز وجودهم حالياً بشكل رئيسي في ثلاث نواحٍ إدارية من أصل 17 ناحية، هي: عامودا، والدرباسية، والمالكية، حيث يشكلون في هذه المناطق نحو نصف عدد السكان، مناصفةً مع العرب.
كما يُعد وجودهم معدوماً أو غائب تماماً في المناطق الرئيسة والكبرى بمحافظة الحسكة، مثل: مدينة الحسكة، ورأس العين، وتل براك، وتل حميس، والشدادي، والهول، واليعربية، ومركدة، والعريشة، وبقية مناطق وقرى محافظة الحسكة.
ويعود وجود الأكراد في محافظة الحسكة إلى مطلع القرن العشرين، وتحديداً بين عامي 1925 و1939، خلال فترة الاحتلال الفرنسي لسورية، نتيجة التهجير القسري الذي تعرضوا له في تركيا، على خلفية ثورات الكرد على الدولة التركية وأهمها ثورة الشيخ سعيد بيران وثورة سيد رضا في منطقة ديرسم التركية.
ثالثاً: المسيحيين “الآشوريين”
وهم من السكان العرب الأساسيين من الغساسنة والفينيقيين ويتركزوا بمدينة القامشلي والمالكية والحسكة “تل تمر” ويشكلون بحدود 7.25% من سكان المحافظة ,
رابعاً: التركمان
يتواجد التركمان بأعداد قليلة جداً وفي مناطق متفرقة من محافظة الحسكة، بنسبة تصل إلى 0.3% كحد أقصى من إجمالي سكان المحافظة.
كما توجد أيضاً بعض الأطياف الأخرى كالسريان “الآشوريين” ونسبتهم بحدود 7.25%، مثل: والأرمن، والشيشان، والشراكس و.. إلا أن أعدادهم ونسبهم أصبحت شبه معدومة 0.2%، ولا سيما بعد موجات الهجرة التي شهدتها البلاد خلال الثورة السورية.
وفقاً لهذه النتائج الدقيقة التي توصلنا إليها، نستخلص أن العرب هم السكان الأساسيون في المحافظة، وأنّ من وصفهم السيد الهلالي بمصطلح «الآخرون» هم أصحاب الأرض والعمود الفقري للمنطقة، تاريخاً وحاضراً.
وإذا كانت قسد تتبجح ليلاً ونهاراً، بالديمقراطية واحترام إرادة الشعوب، فكيف يمكن تبرير إسناد منصب محافظ الحسكة إلى مكون لا يمثل وفق الإحصاءات المذكورة سوى نسبة محدودة من سكان المحافظة، في حين يشكل العرب نحو 85% من سكانها؟ وإذا كان هذا هو مفهوم الديمقراطية والتمثيل العادل، فأين انعكاس إرادة الأغلبية في إدارة المحافظة؟
أما بالنسبة لما قاله السيد الهلالي، بأنّ الدولة تفاوض قسد لأنها تشكل القوة المسلحة الأكبر في المنطقة، وأنّ التفاوض يجب أن يكون مع أصحاب الثقل، فهل كان ينبغي لعرب الحسكة أن يشكلوا ميليشيات مسلحة تعمل لصالح جهات خارجية ؟، وتغتصب ثروات البلاد، ثم تفاوض الحكومة عليها، حتى تنظر الدولة إليهم بوصفهم أصحاب ثقل، وتمنحهم حقوقهم المشروعة؟
في الحقيقة، لم يكن السيد الهلالي موفقاً في هذا التصريح، كما لم تكن الحكومة أساساً موفقة في إدارة ملف الحسكة؛ لأنها لم تنظر إلى المحافظة نظرة شاملة، ولم تعاين طبيعتها السكانية بدقة وتفصيل.
ويتوجب اليوم على الحكومة السورية إعادة النظر في ما يتعلق بمحافظة الحسكة؛ وأن تستجيب لنداءات أبنائها التي تدعو لتخليصهم من بقايا ميليشيا قسد ، التي مازالت تمارس سياساتها العنصرية بحق أهالي المحافظة ، لأن هذا التجاهل، وهذه السياسات الخاطئة تجاه أصحاب الأرض، قد تؤدي إلى نتائج لا تُحمد عقباها، وقد تؤثر سلباً في أمن المجتمع واستقراره ، كما يتوجب على السيد أحمد الهلالي الاعتذار رسمياً لأبناء محافظة الحسكة وللسوريين عموماً ؛ لأن الاعتراف بالخطأ فضيلة، ولأن كل إنسان خطّاء، ولكنّ خير الخطّائين التوابون
…






