
أخطأ العهد الجديد في تسرعه برفع سعر المحروقات، باعتبار أن قرارًا كهذا كان ينبغي دراسته من مختلف الجوانب بما في ذلك انعكاسه على الطبقات الوسطى والفقيرة وعلى الزراعة التي هي عصب اقتصاد سورية المرتبطة بالأمن الغذائي , و الآن يمكن الاستفادة من هذا الدرس في توسيع دائرة صنع القرارات المصيرية وبنائها على عدة مستويات .
و هنا أحب أن أضع المسألة في إطار أوسع قليلا .
فهناك معادلة تكاد تكون مستحيلة الحل بين ضرورة الاسراع في إعادة الاعمار , وبين تأمين الموارد الكافية لذلك , ينبغي أن نقدر كمواطنين أن خطأ العهد الجديد جاء بفعل رغبته الشديدة في تجاوز عنق الزجاجة بأسرع وقت .
سورية تنهض من الدمار الشامل بوضع يشبه نهضة ألمانيا من الحرب العالمية الثانية , لكن الفارق أن ألمانيا كما أوربة لم تنهض سوى بتدفق نهر من مليارات الدولارات التي جاءتها من الولايات المتحدة الأمريكية إذ يقدر مجموع ما سمي بمشروع مارشال لإعادة إعمار أوربة بين 170 – 180 مليار دولار بالقيمة الحالية للدولار .
في المقابل ما تفعله سورية أنها -حتى الآن – تقوم بالنهوض وحدها إلى حد كبير . وتلك محاولة صعبة للغاية .
هناك الآلاف من المشاريع الضخمة والمتوسطة والصغيرة تم فتحها في وقت واحد , صحيح أن بعضها يتم بشراكة مع شركات أجنبية , لكن كثيرا منها يتم بتمويل محلي , وأخص بالذكر إعادة تأهيل الطرقات الفرعية التي تخدم الأرياف , وتأمين المياه للشرب والصرف الصحي .. وكذلك المدارس وخدمات كثيرة , وهناك تمويل الرواتب التي ارتفعت عدة أضعاف خاصة لبعض القطاعات الهامة كالطب , وينبغي أن لاننسى الانفاق على الجيش والقوى الأمنية وتأمين مستلزماتهم .
وبينما تنمو المداخيل ببطء , فإن إعادة الاعمار تتطلب موارد تتسع بسرعة كبيرة .
هذه المعادلة صعبة الحل هي التي ألجأت العهد الجديد لرفع سعر المحروقات لتسديد جزء من العجز في الميزانية العامة .
لذا ينبغي لكل إنسان منصف في هذا البلد أن يقدر الظروف شديدة الخصوصية التي تمر بها البلاد والتي كانت وراء خطأ رفع سعر المحروقات.
فقط ما نرجوه هو أن يكون هناك خط أحمر بالنسبة للفئات الوسطى والفقيرة حين يتعلق الأمر بتحميل الشعب كلفة السرعة في إعادة الاعمار , كي لا يتجاوز الأمر الحد الأدنى من المعيشة لتلك الفئات , وأن يكون هناك دائما تمييز بين شرائح المجتمع في أسعار الكهرباء والمحروقات والخدمات العامة الأساسية بما في ذلك المستشفيات والضمان الصحي عموما .
حينها، وحين تطبق الدولة على نفسها أولا التقشف الذي تريد تطبيقه على المواطن الفقير، ستجد أن الشعب سيبقى معها داعما لها مهما بلغت العقبات والتحديات.






