
يبدأ الاستبداد عندما تختفي سلطة القانون، أو يتحول القانون إلى أداة بيد المستبدين يحركونها وفق مصالحهم. ومع تعاظم سطوة الاستبداد يتنامى الفساد، ولا يبقى محصورًا في مؤسسات الدولة، بل تتغلغل آلياته في المجتمع، وتصيب القوى السياسية والمدنية والاجتماعية بأمراض النظام الذي نشأت في ظله.
لذلك يمكن القول إن الفساد والاستبداد وجهان لمنظومة واحدة؛ فحيثما يتسع أحدهما يجد الآخر بيئة مناسبة للنمو والتحكم بمفاصل الدولة . وقد تلجأ الأنظمة المستبدة، أحيانًا، إلى دعم نشوء تنظيمات تشبهها أو التغاضي عن بعض ممارساتها العنفية، ثم تستخدمها لاحقًا ذريعة للقمع والعنف، بهدف ترهيب المجتمع وزرع الخوف وثقافة الخوف فيه.
الدولة والمشروعية :
الدولة كيان قانوني وسياسي، وسلطتها تستمد مشروعيتها من الدستور والقانون ومن قدرتها على حماية مواطنيها وتنظيم مصالحهم وضمان حقوقهم وحرياتهم. ولذلك لا تكتمل مشروعية سلطة منقوصة السيادة، كما لا تكتمل السيادة لسلطة لا تلتزم بعقدها الاجتماعي والقانوني مع مواطنيها.
ولا مشروعية لسلطة تمارس القمع والقهر وتهدر كرامة المواطنين، أو لنظام تتحكم فيه آليات النهب والاختلاس والخطف وتغول المتنفذين، كما لا مشروعية في غياب الحرية والانتخابات النزيهة والشفافة، أو في غياب المواطنة المتساوية وتكافؤ الفرص والعدالة وسيادة قانون يتساوى الجميع أمامه.
وعندما يتحول الاستبداد إلى قاعدة للحكم، يصبح المواطن رعيةً، ويختصر الوطن في شخص الحاكم، ويتحول الولاء للوطن إلى ولاء للمستبد. وعندها تتراجع المواطنة، وتتحول السياسة إلى صراع على النفوذ والمكاسب والامتيازات، لا الى بناء الدولة ومؤسساتها ، وتعود الانتماءات ما قبل الوطنية إلى الواجهة، من عشائرية وإثنية وطائفية ومذهبية.
من الاستبداد إلى تفكك الدولة :
حين تضعف الدولة ويغيب القانون، تتضخم المظلومية لدى مختلف المكونات، ويسعى كل طرف إلى حماية مصالحه وفرض نفوذه، وقد تتحول الدولة ومقدراتها إلى غنيمة يتنافس الجميع على اقتناصها. ومن هنا يتجذر الوجود الطائفي والإثني، وتتحول الهويات الفرعية إلى أدوات للصراع على السلطة.
ولا يمكن للديمقراطية أن تستقر في ظل المحاصصة الطائفية؛ فالديمقراطية تقوم على المواطنة والمساواة وتكافؤ الفرص، بينما تقوم المحاصصة على توزيع السلطة والموارد وفق الانتماء الطائفي أو الإثني. وعندما يتقدم الانتماء الفرعي على الانتماء الوطني، يصبح الاندماج في دولة واحدة أكثر صعوبة، وتتسع احتمالات الانقسام والتفكك.
الاستبداد والتدخل الخارجي :
لا يمكن فصل الفساد والاستبداد الداخليين عن البيئة الإقليمية والدولية المحيطة. فقد أثبتت تجارب دول عديدة أن بعض أنظمة الاستبداد استطاعت الاستمرار بفضل دعم قوى كبرى ربطت مصالحها ببقاء تلك الأنظمة، ثم تخلت عنها أو استبدلتها عندما انتهى دورها الوظيفي أو تغيرت مصالحها .
كما أن دعم بعض القوى المحلية أو الأقليات مادياً وعسكرياً وإعلامياً، وتحويل هذا الدعم إلى أداة للصراع الجيوسياسي، يمكن أن يعمق الانقسامات ويضعف الانتماء الوطني، ويحوّل التناقضات الداخلية إلى أدوات للتدخل الخارجي ، واستدعائه في أول فرصة متاحة .
وفي منطقتنا العربية، تداخلت مشاريع النفوذ الدولي مع أزمات الاستبداد والفساد والانقسامات الداخلية، وأسهمت في إضعاف الدولة الوطنية وتعطيل مشاريع النهوض والتنمية والاستقلال السياسي. ومن هنا ينبغي قراءة الصراعات الإقليمية ضمن شبكة المصالح الدولية، لا باعتبارها مجرد نزاعات داخلية منفصلة عن محيطها.
سورية: من إسقاط النظام إلى بناء الدولة :
بعد إسقاط النظام القمعي البائد، لا ينبغي أن يكون الهدف مجرد التخلص من سلطة استبدادية، بل بناء دولة مختلفة في بنيتها ووظيفتها وعلاقتها بالمجتمع.
وهذا يتطلب تحالفًا وطنيًا واسعًا يضم القوى السياسية والمدنية والاجتماعية المؤمنة بالتغيير الديمقراطي السلمي، والعمل على استعادة التماسك الوطني ومعالجة آثار الخراب الذي أصاب البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
كما يتطلب الأمر عقد مؤتمر وطني شامل يشارك فيه مختلف الأطياف والقوى الوطنية، لوضع الأسس الواقعية للمرحلة الانتقالية، وصولًا إلى بناء عقد اجتماعي جديد، وتشكيل هيئة تأسيسية منتخبة لإنجاز دستور دائم، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة والخبرة بعيدًا عن المحسوبيات والتعيينات الانتقائية .
ويجب على البرلمان ( بالرغم من التحفظات على طريقة تشكيله ) أن يمارس اليوم دوره التشريعي والرقابي بصورة حقيقية، ومراجعة القوانين الناظمة وإصدار التشريعات والقوانين لبناء الدولة ومن ضمنها قانون للإدارة المحلية ، وقانون للأحزاب ، وقانون للمنظمات والجمعيات المدنية ، وقانون عصري للانتخابات، تمهيدًا لانتخابات تشريعية ورئاسية نزيهة في نهاية المرحلة الانتقالية.
إن التغيير الحقيقي لا يكتمل بتغيير السلطة أو إسقاطها، أو استبدال سلطة بسلطة أخرى ، بل ببناء دولة وطنية ديمقراطية تداولية، تقوم على وحدة الدولة أرضًا وشعبًا، وتحمي سيادتها، وتؤسس للمواطنة المتساوية، وتضمن الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
فالمطلوب ليس إعادة إنتاج السلطة بأشكال جديدة، وإنما الانتقال من دولة السلطة إلى دولة القانون، ومن الرعية إلى المواطنة، ومن الولاء للأشخاص إلى الانتماء للوطن.






