
في كل الاجتماعات والمفاوضات والمبادرات الإقليمية والدولية الجارية لوقف الحرب بين لبنان وإسرائيل، يبرز دور الجيش اللبناني الحلّ الأقوى والأكثر انضباطاً الذي تملكه السلطة من بين جميع مؤسسات الدولة والمجتمع لإدارة الملف الأمني التاريخي المعقد على الحدود بين العدوَّين. وهو أيضاً الفيصل في الاستجابة لموضوع حصر سلاح حزب الله، لناحية علاقة المؤسسة العسكرية الرمزية الوطيدة بمفهومَي الكيان والدولة. وهذا نتاج مراحل تاريخية وظروف عديدة ضعفت فيها مؤسّسات الدولة والمجتمع، واستمرت معها الثقة الداخلية والخارجية بالجيش في إنجاز عملية بناء الدولة رغم الخيبات والنكسات التي واجهتها، أي الدفاع عن سلطتها وامتيازاتها الشرعية. وقد تحوّل الجيش اللبناني إلى مؤسّسة حديثة تنتهج هوية وطنية، غير التي تعرفها البنى الطائفية التقليدية من خلال سلسلة أحداث متتالية أوصلت قيادته إلى رئاسة الجمهورية في ظروف تلاشت فيها وحدة الدولة والعلاقة بين المجتمع والمؤسسات المدنيّة. مع ذلك، بقي الجيش المؤسّسة الأكثر قدرة على التحرّك المنظم في حالات النزاعات السياسية والطائفية والاجتماعية والهزّات الأمنية التي ترافقت مع حروب واغتيالات وتفجيرات، سيّما مع فشل النخب السياسية والحزبية في الاتفاق على قوانين المجال السياسي، والمبادئ التي تضبط التعددية والديمقراطية الهشة، ما استدعى اللجوء إلى العسكر خوفاً من الفوضى وعدم الاستقرار.
تعود فكرة “الجيش هو الحل” بقوة في مسألة حصر السلاح غير الشرعي وضبط الحدود لدفع الجيش الإسرائيلي نحو الانسحاب من المناطق الجنوبية التي احتلها، وإرساء اتفاقية أمنية معدلّة عن اتفاقية الهدنة الحدودية 1949، يكون فيها الجيش طرفاً أمنيّاً وحيداً وأساسيّاً معرفاً عليه دولياً، سواء عبر مفاوضات الإطار التي يجريها لبنان مع الجانب الإسرائيلي بوساطة أميركية، أو في المداولات الدولية الجارية في غير عاصمة أوروبية. وهذا ما يفسّر الأهمية القصوى للمؤسّسة الأمنية الشرعية في الحصول على دعم دولي يواكب لبنان في خروجه من اعتباره ساحة حرب مفتوحة، ويحمل مشروع توسيع نشاط الدولة اللبنانية وتعزيز وظائف حضورها بما يحافظ على السيادة وامتيازاتها، من دون التغيير الجذري في عقيدة الجيش القتالية على غرار الجيشَين المصري والأردني، ومع الالتزام الحازم بالخيار السياسي الذي تعبر عنه السلطة التنفيذية في بيروت وشرعيتها القائمة على مسألة الوطنية اللبنانية أولاً.
| بقي الجيش المؤسّسة الأكثر قدرة على التحرّك المنظم في حالات النزاعات السياسية والطائفية والاجتماعية والهزّات الأمنية |
عوامل كثيرة أدت إلى تراكم الثقة في الجيش بعد تآكلها في سنوات الحرب الأهلية. لم يتحرّك لقلب النظام السياسي، لم يتعرّض للناس في انتفاضة الاستقلال (ثورة الأرز) عام 2005، وثوار انتفاضة 17 تشرين (2019). وقد بقي على مسافة من القوى السياسية والطائفية كافة، فارضاً تماسكه الوطني. وتفانى في مساعدة اللبنانيين للخروج من أزماتهم إبّان أزمة كورونا 2019، وانفجار مرفأ بيروت 2020، والتدخل الإنساني في أوضاع اقتصادية مترديّة، في المفهوم الشامل للأمن. وهو يضع نفسه تحت الرقابة السياسية والقضائية في تناغم مع مؤسّسات المجتمع المدني الأخرى. أي لم يتحرّك حديثاً إلى قوة قمعية قاهرة. والأهم أنه لم يدخل في صراع دموي مع المقاومين في حزب الله منذ سنوات طويلة، فحمى نفسه والنظام السياسي. لكنّ الأمر ترك فجوة بين وعود الجيش وتردّده في نزع سلاح الحزب، وهو ما يعبر عنه على نطاق واسع بأنه المشكلة المحورية التي تواجه الحكومة اللبنانية حالياً، فيما يمكن وصفه بالموقف “المزدوج والمتناقض”، والذي تغيب وسطه حقيقة أن سلاح الحزب لم يحمِ لبنان، بل على العكس، جعل هذا السلاحُ لبنان ساحة صراع لحرب إقليمية مدمّرة، وهو في مزاج سيّئ لا يسمح له بالتسوية عسكرياً وسياسياً. وهو ما عبرت عنه السفارة الأميركية في لبنان بوضوح بأن “جنوب لبنان ليس ملكاً لأطراف إقليمية أو مليشيات”.
خيّم هذا الخيار على أعمال مؤتمر باريس التحضيري لدعم الجيش وترتيبات ما بعد ولاية “يونيفيل”، ويتبع المسار الدولي نفسه والشراكة الدولية مع لبنان، الذي سيطالب به رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في زيارته واشنطن ولقاءاته في الجمعية العامة للأمم المتحدة. فهو لن يبحث في تمويل الجيش وتسليحه فحسب، بل أيضاً في صياغة شراكة دولية طويلة الأمد مع المؤسّسة العسكرية والأمنية اللبنانية، بتعزيز صمود الجيش وتوليه أمن المناطق الحدودية، وإعطائه حرية العمل في المناطق “التجريبية” لمعالجة بقية المسائل الداخلية وحصر السلاح بيد الدولة، واستعادة السيطرة على كامل الأراضي المحتلة في الجنوب. وسبق هذا إعلان رئيس الجهورية، جوزاف عون، في باريس عن سعي لبنان إلى اتفاقية أمنية تمهد للسلام مع إسرائيل، يتقدم فيها خطوة لتسهيل عمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والعاهل الأردني عبدالله الثاني، وتدعم اتصالاتهما مع الأميركيين في إطار تحضيري مهم لدعم دولي طويل الأمد للجيش، بالتوازي مع معالجة ملف الجنوب ومرحلة “ما بعد يونيفيل”، غير أنّ واشنطن لا ترى أن الخطاب المتفائل للمؤتمر ينسجم إطلاقاً مع الواقع في لبنان، فالوجود العسكري لحزب الله حوّل جنوب لبنان إلى منطقة تشهد دماراً متكرّراً، في حين لم تفلح عمليات انتشار الجيش في فرض سيادة الدولة، لافتة إلى أنّ معركة مرتفع علي الطاهر، القريب من مدينة النبطية، كشفت عن المعضلة الجوهرية أن “الحزب” ليس في وارد تسليم سلاحه للدولة، ولا حتّى في وارد التنسيق معها. وتركيز الجيش حاليّاً ينصبّ على المنطقة النموذجية (المحدّدة للانتشار) فقط. لذلك؛ أي تسليح للجيش سيكون مشروطاً بعودة سيادة الدولة الكاملة على جميع الأراضي اللبنانية، وليس فقط على الجنوب، وترجمة ذلك بخطوات يجري احترامها وتنفيذها من جميع الأطراف. ولا يمكن أن تتحقق في ظل تمسّك حزب الله بسلاحه من جهة، واستمرار الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية واحتلال أجزاء من الأراضي اللبنانية من جهة أخرى.
ما تزال إيران تحتفظ بعناصر من القوة في دفع الأميركي إلى الخلف لإنهاء الحرب بشروطها، وتحضر عسكرياً للدفاع عن جغرافيتها
وهذا التزام جوهري لأي مؤتمر مستقبلي في التعامل مع سيادة لبنان وسلامته مبدأ ثابتاً يشمل مستويات من تعزيز صمود الجيش، وإعطائه الحرية لمعالجة بقية المسائل الداخلية وحصر السلاح بيد الدولة، لكن غير المعلوم يتعلق بالوضع الإسرائيلي الداخلي وطبيعة المرحلة الانتخابية المقبلة، والواقع الأكثر تعقيداً في مآلات التصعيد القائم في المنطقة، وإيجاد ظروف مناسبة في لبنان، كي يستعيد سيادته ويتمكّن من إعادة بناء الجنوب وظروف عودة أبنائه بأمان. مع هذا، يعبر الرئيس ماكرون على طريقته إن “لبنان ينعم بالسلام يعني أملاً بتجدّد الشرق الأوسط بأسره، ولبنان ذو سيادة ومستقر خطوة حاسمة نحو السلام والاستقرار في المنطقة”.
في المقابل، ما تزال إيران تحتفظ بعناصر من القوة في دفع الأميركي إلى الخلف لإنهاء الحرب بشروطها، وتحضر عسكرياً للدفاع عن جغرافيتها. وهجمات الحوثيين على طول ساحل البحر الأحمر تفيد بأن الحرب لم تنته في مضيق هرمز، وفي صراعات شرق أوسطية معقدة في تركيبتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتاريخية. ويرى محللون يمنيون أنه في حين تخدم تصرّفات الحوثي مصالح إيران، فإنه لا يتلقى أوامر منها، وهناك من يدافع عن موقف قومي يمني بأجندة محلية نتيجة الضغوط الاقتصادية في الشمال، لذلك ليست “صيغة مفاوضات الإطار الثنائي” الوحيدة التي سترسم تصوراً لعملية مرحلية تسمح باستعادة كل من “سيادة لبنان وأمن إسرائيل”.
المصدر: العربي الجديد






