السويداء.. هل من حلول على الأبواب؟

أحمد مظهر سعدو

ليست المطربة السورية الأصيلة أصالة نصري وحدها من ذكّرتنا، عبر حفلها الشعبي الكبير في صالة الفيحاء بدمشق، بأهلنا في محافظة السويداء وجبل العرب، وليس توم براك، المبعوث الأميركي إلى سوريا والعراق، وحده أيضًا من يعيد طرح مسألة السويداء بين الفينة والأخرى؛ فلعل محافظة السويداء، ومن ثم أهلها السوريون الوطنيون، ما زالوا وسيبقون حضورًا آنيًا ومستقبليًا لا ينقطع داخل المخيال الوطني السوري الواحد والموحد.

فالقضية الإشكالية في الجنوب السوري ما تزال حاضرة، وتحتاج حقًا إلى حلول موضوعية وجدية تعيد وصل ما انقطع، وتلملم الجراح وتبلسمها، وتجبر الضرر، وتسير عبر جميع المسارات الوطنية السورية الضرورية، من خلال انبثاقات حقيقية واعية ومدركة لأهمية مسار العدالة الانتقالية الذي بدأ، ولا يبدو أن ثمة ما يمكن أن يمنع استمراره، وصولًا إلى حالة السلم الأهلي التي لا بد منها من أجل توحيد كامل الجغرافيا السورية.

إن المشهد السوري اليوم يشير إلى وجود تحركات سياسية جدية هذه المرة من أجل قطع الطريق على إسرائيل في عملية اللعب بورقة محافظة السويداء والدروز، ومن ثم البحث، قدر الإمكان، عن حلول حقيقية وجدية لقضية أهلنا في السويداء..

ويفترض أن يتم ذلك بعيدًا، ومتخارجًا كليًا، مع كل ما تريد إسرائيل زج السوريين فيه، أو إشغالهم به بصورة دائمة، ضمن سياقات ما تسميه دعمها للأقليات، واللعب بورقة السويداء والطائفة الدرزية في سوريا، وكأن إسرائيل باتت معنية بالسوريين وطوائفهم وإثنياتهم أكثر من السوريين أنفسهم.

بينما يقول الواقع الوطني السوري، تاريخيًا وراهنًا، إن الشعب السوري وحكومته، بمختلف طوائفه وإثنياته، لن يسمح بأن تتحول قضية السويداء وتفاعلاتها إلى مجال رحب للعب بها من قبل عدو احتل أرض فلسطين وبعض الأرض السورية، وعاث فسادًا ودمارًا في حياة شعوب عربية وإسلامية، فأباد أهلنا في قطاع غزة، وشوّه الوضع الفلسطيني في معظم أراضي الضفة الغربية، كما دمّر الجنوب اللبناني، وتعدّى وتغوّل على الأرض السورية في الجولان السوري والمنطقة العازلة التي دخلها واحتلها بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.

وقد وصلت الأمور إلى حد باتت معه المفاوضات بين إسرائيل ودمشق أقرب إلى لعبة لا يبدو أنها تحمل، من الجانب الإسرائيلي على الأقل، أية إمكانية جدية للوصول إلى نتائج ملموسة. وكل ذلك، كما يظهر، من أجل مصالح إسرائيل وأهداف أخرى ترى حكومة بنيامين نتنياهو أنها قادرة على فرضها، ضمن حالة من العربدة والصلف المدعومين أميركيًا في المنطقة العربية.

ويأتي ذلك رغم كل ما تتحدث عنه الولايات المتحدة من دعمها للاستقرار في سوريا ولحكومة دمشق، في حين يبدو أن ما يسمى «الأمن القومي الإسرائيلي» ما يزال يحتل الأولوية بالنسبة إلى الأميركيين، ولا سيما أنهم مقبلون على انتخابات نصفية للكونغرس، وبالتالي فهم يحتاجون، كما يشير الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى دعم اللوبي الصهيوني واليهودي في أميركا.

ومع ذلك، فإن المشهد السوري اليوم يشير إلى وجود تحركات سياسية جدية هذه المرة من أجل قطع الطريق على إسرائيل في عملية اللعب بورقة محافظة السويداء والدروز، ومن ثم البحث، قدر الإمكان، عن حلول حقيقية وجدية لقضية أهلنا في السويداء، والبناء واقعيًا على أسس الاتفاق الثلاثي المُعلن عنه في أيلول/سبتمبر من العام الفائت، بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، ونظيره الأردني أيمن الصفدي، والمبعوث الأميركي توم براك.

وعلى الرغم من وجود عثرات كبيرة سبق أن حالت دون الوصول إلى تفاهمات حقيقية تُنفذ على الأرض في الجنوب، فإنه ما يزال من الممكن العمل على تطبيق خريطة الطريق تلك وإنفاذها، وصولًا إلى تنفيذ واقعي وميداني للاتفاق، ومحاسبة جميع المقصرين والمتورطين في الدم السوري، من مختلف الأطراف في السويداء.

ومن شأن ذلك أن يمكّن سوريا، الوطن الواحد الناهض والمتطلع إلى المستقبل، من الخروج عمليًا وموضوعيًا من حالة الاستعصاء وعنق الزجاجة، ومن ثم التفرغ لعملية البناء وإعادة الإعمار، وصولًا إلى التعافي الكامل للوطن، الذي ما يزال، بحسب متابعين أمميين، يحتاج إلى ما يزيد على 600 مليار دولار ضمن آليات العمل على إعادة البناء وتشييد ما دُمر خلال أربعة عشر عامًا مضت على يد النظام الأسدي، الذي طال تدميره وتخريبه أكثر من 65 بالمئة من البنية التحتية في سوريا.

يبدو أن المسألة في السويداء بدأت الآن تتحرك إيجابيًا، مستفيدة من حالة التململ التي يعيشها أهل المحافظة نتيجة واقع «اللا سلم واللا حرب». ولعل من أبرز مؤشراتها تلك الانشقاقات والمواقف التي تتوالى تباعًا، رافضة مسألة الانتماء المُدّعى أو التعلق بالإسرائيليين، التي سبق أن أعلن عنها حكمت الهجري، ومؤكدة في الوقت نفسه الانتماء الوطني السوري لأهل السويداء.

كثير من المؤشرات في واقع أهلنا في محافظة السويداء وجبل العرب، وفي قضيتهم المحقة، تبرز اليوم وتوحي بأن الطريق قد يكون أصبح أكثر تمهيدًا للدخول في حوارات ومفاوضات حقيقية لا شكلية، تفضي إلى عودة سليمة إلى حضن الوطن السوري..

وكان من أبرز الذين وقفوا في وجه الهجري الباشا الهنيدي، الذي لاقى ما لاقاه من جراء ذلك من مجموعات الهجري، نتيجة موقفه الوطني غير المستغرب؛ فهو شخصية وطنية من السويداء عُرفت بموقفها المعارض لنظام بشار الأسد منذ بدايات ثورة الحرية والكرامة، ولم تعد تقبل بكل هذا الارتماء في أحضان إسرائيل، العدو التاريخي للوطن السوري والأمة، عبر مختلف المراحل والسياقات.

ولا شك في أن هناك رأيًا عامًا في السويداء ما يزال مقموعًا، لكنه، في الوقت نفسه، ما برح يتطلع نحو دمشق ويأمل بالعودة إلى الوطن السوري الواحد، على الرغم من كل الآلام والجراح التي لم تندمل بعد. ولعل آلية اندمال هذه الجراح تبدأ، أو لا بد أن تبدأ، بالمحاسبة والمحاكمات العادلة.

كثير من المؤشرات في واقع أهلنا في محافظة السويداء وجبل العرب، وفي قضيتهم المحقة، تبرز اليوم وتوحي بأن الطريق قد يكون أصبح أكثر تمهيدًا للدخول في حوارات ومفاوضات حقيقية لا شكلية، تفضي إلى عودة سليمة إلى حضن الوطن السوري، وقطع الطريق كليًا على إسرائيل، وتحقيق اندماج واقعي في الحالة السورية.

وهي مؤشرات قد تدل على اقتراب الحل، وتفتح الباب أمام احتمال أن تكون الحلول الثابتة والموضوعية قد أصبحت أقرب من ذي قبل.

فهل تشهد سوريا قريبًا حلًا لمشكلة السويداء؟ أم أن المسألة، كما يرى البعض، ما تزال مرتبطة بتعثر المفاوضات مع إسرائيل، وباللعبة الانتخابية لبنيامين نتنياهو، التي باتت استحقاقاتها قريبة جدًا؟

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى