
في زمنٍ انكشفت فيه الأقنعة، وتساقطت عن الوجوه هيبةُ الصمت، كان ثمّة رجالٌ لا يُعرَفون بأسمائهم بل بآثارهم رجالٌ من طينة الوطن الأصيل، لا يطلبون مجدًا ولا يسعون إلى سلطة، يكتفون بأن يكونوا في المكان الذي يحتاجهم فيه الناس
من هؤلاء كان محمد خير البديوي
أبو فهد
ابن دوما العريقة، المثقّف البسيط المعطاء، أحد أبناء كتلة الاتحاد الاشتراكي
في المدينة، الذي جعل من بيته خلية حياة في قلب الموت، ومن يديه جسرًا بين الألم والأمل
لم يحمل بندقيية، ولم يصعد منصّات الخطابة كان أهدأ من ذلك وأعمق
كان العمود الذي لا تراه ولكنك تشعر بالسقف يثبت بسببه
منذ أن رفعت دوما صوتها مطالبةً بالكرامة، انخرط أبو فهد في خضمّ العمل الثوري بعقل المنظّم وقلب الأخ الأكبر يوزّع الأدوار، ويحمل الهموم، ويرتّب الفوضى إلى فعل
كان بيته في دوما ملاذًا مفتوحًا لا يُغلق بابه دون إذن الحاجة
تحطّ فيه رحالها وجوهٌ من شتّى محافظات سوريا، ثوّارٌ وجرحى ونازحون، فيجدون فيه الخبز والدواء والكلمة الطيبة التي أحيانًا تفعل ما لا يفعله الدواء
كان مستودعًا للاحتياج البشري بكل أشكاله، ولم يكن يرى في ذلك فضلًا يُذكر، فإذا مُدح قال بصدق:
أنا خادم هذه الثورة العظيمة
وحين كانت البلدان المجاورة تُقصف ويئنّ فيها الجرحى، لم يقف أبو فهد يتفرّج
جهّز ما استطاع من طعام ودواء، وأرسله ليلًا في طريق تحرسه قذاائف الدباابات وكان رفيق تلك المهمة المحفوفة بالموت ابنه البكر فهد، ولم يكن يتجاوز السادسة عشرة من عمره. هذا هو أبو فهد رجلٌ مستعدٌّ لأن يضع أعزّ ما عنده على المحكّ لأن في قلبه ما هو أكبر من الخوف
لم يحمل بندقيية لكنه حمل ضميرًا حيًّا صادقًا، وهذا ما جعل قوات الأسد تخشاه أكثر مما تخشى الثوار المسلحيين
في شهر أبريل من عام 2012، داهمت قواتُ النظام بيتَه في جنح الظلام لم يجدوا سلااحًا، ولا منشورات، ولا تهمة رسميية وجدوا رجلًا أحبّ بلده وشعبه وكان هذا وحده كافيًا ليكون في أعينهم جريمةً تستوجب العقاب
اقتيد أبو فهد إلى الأقبية حيث لا قانون ولا رحمة، واختفى خلف جدران المخابرات الأسدية
ذهب النور من أمام عينيه لكن صوته ظلّ يُضيء ذاكرة من عرفوه
أسابيع… أشهر… وأهله لا يعلمون أحيٌّ هو أم شهييد، قريبٌ أم بعيد، في أيّ قبوٍ من أقبية الظلم يُعذَّب
حتى وصل الخبر
كما يصل اليوم إلى آلاف العائلات السورية
خبرٌ بلا قبر ولا توديع:
استتشهد محمد خير البديوي تحت التعذيب في معتقلات الأسد، بتاريخ 24/6/2106 بعد أربع سنوات من الصمود خلف القضبان
لا قبرًا له يُزار، ولا صورة تُعلَّق في ساحات المدينة
لكن ذاكرة دوما لا تنسى رجالها
ودوما أمّ الشهداء تعرف أبناءها
أبو فهد، لم تكن شهييدًا فحسب كنتَ ضميرًا دفع ثمن صدقه
كنتَ الدرجة الأولى التي صعد عليها الأبطال، والجسر الذي عبر عليه شباب سوريا نحو الحرية
رحلتَ جسدًا وبقيتَ روحًا وعملًا وذاكرةً لا تموت في قلوب من عرفوك
رحمك الله يا بطل الظل، يا شهييد الحقيقة، يا صوتًا لم يُكسر
المصدر: صفحة Fahed Bd






