سبتة ومليلية: الحدود سؤالاً عن الوطن والسيادة والمستقبل

إبراهيم أوشلح

لا يمكن النظر إلى الأحداث المأساوية التي شهدتها سبتة ومليلية في مطلع أغسطس/ آب الجاري أنها مجرّد واقعة عابرة من وقائع الساعة، تصلح لأن تشغل النقاش السياسي والإعلامي بضعة أيّام، ثمّ تنحسر أمام حدث آخر. فعندما نرى عشرات آلاف من النساء والرجال، من مختلف الأعمار، يحاولون اجتياز تلك الحدود التي تفصل، في رمزيّتها قبل جغرافيتها، بين أفريقيا وأوروبا، فإنّنا نكون أمام ظاهرة استثنائية تتجاوز بكثير مسألة الهجرة في معناها الضيّق.
وليس ما يلفت النظر في هذا النزوح الجماعي عدد الضحايا والجرحى فحسب، ولا حجم المخاطر التي عرّض كلّ واحد من المشاركين نفسه إليها، وإنّما ما يكشفه المشهد، في عمقه، من بؤس إنساني واجتماعي بلغ درجةً أصبح معها الفرار، مهما كانت مخاطره، أهون من البقاء.
ولم تقتصر هذه الرغبة في العبور على المغاربة، بل شارك فيها كذلك مئات القادمين من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء ومن الشرق الأوسط. ومن المهم التوقّف عند حقيقة أساسية: فبالنسبة إلى كلّ واحد من هؤلاء المنكوبين، كان قرار العبور فعلاً فردياً وإرادياً. ولم يظهر، وما لم يثبت العكس، أنّ هذا النزوح كان من تدبير تنظيم معيّن، كما لم تظهر مؤشّرات على تداول الأموال بالشكل الذي يرتبط عادة بشبكات التهريب أو مافيات الهجرة السرّية. وجاءت هذه الهجرة الجماعية، بمفارقة سياسية لافتة، متزامنة مع احتفالات عيد العرش والخطاب الذي ألقاه الملك محمّد السادس، وأشار فيه إلى النتائج الإيجابية التي سجّلها الاقتصاد المغربي، مع الإقرار، في الوقت نفسه، بأنّ ثمار هذا النمو لم تتحوّل بالقدر الكافي إلى تقدّم اجتماعي أو إلى تحسّن ملموس في ظروف عيش العدد الأكبر من المواطنين. وهنا تحديداً تظهر المسافة الفاصلة بين النمو الاقتصادي والتنمية.

التنمية هي التحسّن الفعلي في حياة الناس، وتوسيع دائرة الفرص أمامهم

فكما أكّد اقتصاديون وفاعلون سياسيون مغاربة، يمكن قياس النمو بالمؤشّرات الاقتصادية الكُبرى، وبنسب الاستثمار والإنتاج والناتج الداخلي، أمّا التنمية فشيء آخر: إنّها التحسن الفعلي في حياة الناس، وتوسيع دائرة الفرص أمامهم، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وبناء مواطنة حقيقية يشعر فيها الفرد بأنّه جزء من الوطن وأنّ الوطن جزء منه. وقد عبّر عن هذا المعنى رئيس منتدى الحقيقة والإنصاف، مصطفى المنوزي، وهذه المسألة أصبحت اليوم في صميم النقاش المغربي.
ولعلّ صرخة إحدى شابّات المغرب أمام كاميرات “فرانس 24” تختصر المأساة كلّها في كلمات قليلة: “نحن نحبّ المغرب، لكن المغرب لا يحبّنا؛ ولذلك نغادره”. ليس في هذه العبارة، بالضرورة، رفض للوطن. إنّها، قبل كلّ شيء، تعبير عن معاناة، وعن شعور بالظلم، وعن انتظار طال أمده من دون أن تجد السياسات العمومية جواباً مقنعاً عنه. والتحرّك الجماهيري الكبير الذي شهده أغسطس الجاري ليس حادثاً معزولاً عن التاريخ السياسي المغربي. فمنذ الاستقلال، عرف التاريخ المغربي سلسلة من الحركات الشعبية العفوية التي عبّرت، في لحظات مختلفة، عن الانتظارات والإحباطات، وأحياناً عن اليأس. ولعلّ أحداث 23 مارس/ آذار 1965 في الدار البيضاء تظلّ من أكثر هذه اللحظات رسوخاً في الذاكرة. فقد أدّت أعمال القمع التي واجهت المتظاهرين إلى سقوط مئات الضحايا، ثمّ أعلن الملك الحسن الثاني حالة الاستثناء، لتبدأ مرحلةٌ ستدخل التاريخ السياسي المغربي تحت اسم “سنوات الرصاص”، وتمتدّ آثارها ثلاثة عقود. وقبل اختطافه بأشهر، في أكتوبر/ تشرين الأول 1965، كان المهدي بن بركة يصف جذور الأزمة بقوله، في معنى بالغ الدلالة: “حين تُترك أغلبية السكّان في البؤس، وتُغلق أمامها أبواب الأمل، يتحوّل نفاد الصبر في النهاية إلى يأس”.
بالنسبة إلى المغاربة، تصفية استعمار لم تكتمل، ولا يمكن تحليل أحداث سبتة ومليلية من زاوية الهجرة وحدها، فهناك وراءها سؤال تاريخي لم يستطع الزمن أن يمحوه: هل اكتملت فعلاً عملية تصفية الاستعمار في المغرب؟ في الوعي الوطني المغربي، ظلّت سبتة ومليلية والجزر الجعفرية أراضيَ يرتبط وضعها وسيادتها بنزاع تاريخي لم تجرِ تسويته. ومن ثمّ، ظلّت وحدة التراب واستكمال الوحدة الوطنية هدفاً وطنياً راسخاً. ومنذ الاستقلال، سار المغرب، على مراحل، في استعادة الأراضي التي بقيت تحت السيطرة الأجنبية: عادت طنجة سنة 1956، وطرفاية سنة 1958، وسيدي إفني سنة 1969، ثمّ جاءت قضية الأقاليم الصحراوية والمسيرة الخضراء سنة 1975. وفي هذا المسار التاريخي، ظلّت الثغور التي تسيطر عليها إسبانيا آخر الملفّات التي بقي سؤالها مفتوحاً. ومن الضروري التذكير بأنّ هذه القضية لم تكن في يوم من الأيّام مطلباً هامشياً، فقد شكّلت منذ زمن بعيد واحداً من المطالب الأساسية للقوى السياسية الوطنية واليسارية، التي ستلتقي لاحقاً في إطار “الكتلة الوطنية”، ثمّ “الكتلة الديمقراطية”. بل كانت أولوية هذا المطلب من بين العناصر التي غذّت المواجهة بين المؤسّسة الملكية والمعارضة. وما زالت قضية استكمال الوحدة الترابية تتصدّر برامج المؤتمرات وقرارات قوى سياسية رئيسة في البلاد.
غداة الاستقلال، خاض جيش التحرير المغربي معركةً من أجل تحرير المناطق الجنوبية، سيّما وادي الذهب والساقية الحمراء، ولم يكن مقاتلو تلك المرحلة وحدهم في الميدان، فقد انضمّت إليهم قبائل صحراوية، وفي مقدّمتها قبائل الرݣيبات.
لكن إسبانيا الفرانكوية وفرنسا الجمهورية وجدتا، في تلك اللحظة، أرضيةً لأوّل مصالحة عسكرية بينهما، وكان ثمنها المغرب، فاتفقتا على عملية عسكرية مشتركة عُرفت باسم “عملية إيكوفيون” أو “عملية الإعصار”، ونُفّذت بين 10 و24 فبراير/ شباط 1958، بغرض القضاء على جيش التحرير المغربي ووقف الهزائم التي كانت القوات الاستعمارية الإسبانية تتعرّض لها. شارك في العملية نحو خمسة آلاف جندي فرنسي وتسعة آلاف جندي إسباني، تحت قيادة الجنرال الفرنسي جان بورغوند والجنرال الإسباني هيكتور فاسكيز، مدعومين بنحو 130 طائرة وعشرات المدرّعات، في مواجهة قرابة ثلاثة آلاف مقاتل من جيش التحرير وحلفائهم من الرݣيبات. وانتهت المعركة بهزيمة جيش التحرير المغربي، واندمج جزء من مقاتليه لاحقاً في القوات المسلّحة الملكية. أمّا عدد من قيادات جيش التحرير، فقد التحقوا بالجناح اليساري لحزب الاستقلال وبالنقابيين المنتمين إلى الاتحاد المغربي للشغل، ليساهموا في تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الذي سيصبح القوة الرئيسة للمعارضة.

لا يمكن تحليل أحداث سبتة ومليلية من زاوية الهجرة وحدها، فهناك وراءها سؤال تاريخي لم يستطع الزمن أن يمحوه: هل اكتملت فعلاً عملية تصفية الاستعمار في المغرب؟

وظلّت المطالبة المغربية بسبتة ومليلية، سواء جرى التعبير عنها بصوت خافت أو بنبرة حازمة، حاضرةً في الأجندة السياسية المغربية. وهنا أريد أن أروي شهادة، أو ربّما كشفاً تاريخياً، خصّني به عبد الرحمن اليوسفي، رئيس الحكومة الذي ارتبط اسمه بالتوافق مع الملك الراحل الحسن الثاني على إدخال المغرب، سنة 1998، في تجربة التناوب والانتقال الديمقراطي. كنت رفيق طريق لليوسفي خلال سنوات الرصاص، وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2017، وخلال حديث جمعني به، كشف لي عن مهمة قام بها سنة 1959 تتعلّق بالجنرال فرانكو. كان مكلّفاً من رئيس الحكومة آنذاك، عبد الله إبراهيم، باستطلاع موقف الديكتاتور الإسباني من مستقبل سبتة ومليلية والجزر. وكان يتقن الإسبانية، كما كانت له قنوات تسمح له بالوصول إلى محيط “الكوديو”، عبر معارض تونسي، اسمه حافظ إبراهيم، كانت تربطه علاقة بفرانكو. واستقبل أحد أقرب معاوني فرانكو العسكريين اليوسفي. وأفاد بأنّ هذا الجنرال بادر، منذ بداية اللقاء، إلى فتح موضوع الأراضي المحتلّة بنفسه، قائلاً له بما معناه: أنتم جئتم لتحدثونا عن أراضينا، سبتة ومليلية والجزر. وأنا أقول لكم إنّ سيادتنا على هذه الأراضي ليست موضوعاً للنقاش. بل نحن الذين نطالب بالجبال المحيطة بها، وعليكم أن تتنازلوا عنها لنا. ثمّ أنهى الجنرال حديثه بتأكيد ضرورة الحفاظ على علاقات جيدة بين البلدَين، لأن الجغرافيا لا يمكن تغييرها. وقد روى لي عبد الرحمن اليوسفي هذه الواقعة بحضور مدير ديوانه السابق، محمّد أبو الفضل.
وكان المارشال مزيان، الذي رفعه فرانكو إلى أعلى الرتب في الجيش الإسباني، قبل أن يلتحق لاحقاً بالجيش الملكي المغربي، معروفاً بموقفه المؤيّد إسبانيا. أمّا موقف رئيس الحكومة الإسبانية الأسبق خوسيه ماريا أثنار فيبدو أكثر تشدّداً. ففي الجزء الثاني من مذكّراته الصادر سنة 2013، يروي هذا أنّ الملك الحسن الثاني أثار معه في لقاء بينهما قضية سبتة ومليلية، وأنّه أجابه بأنّ المغرب إذا اختار الطريق العسكري للحصول على المدينتَين، فإنّه سيخسر الحرب. ومن هنا يمكن فهم لماذا بقيت قضية سبتة حاضرة في الوعي السياسي المغربي، فهي تتجاوز تعاقب الحكومات والصراعات الحزبية، لأنّها تمسّ مفهوماً أعمق: تعريف السيادة الوطنية ذاتها.
وتعتبر إسبانيا سبتة ومليلية والجزر الجعفرية جزءاً كاملاً من ترابها الوطني، أمّا الاتحاد الأوروبي فينظر إليها باعتبارها حدوده الجنوبية على القارّة الأفريقية. وتستند إسبانيا إلى استمرارية تاريخية تعود إلى القرن الخامس عشر، لكنّها تستند أيضاً إلى حجّة قانونية وسياسية أكثر انسجاماً مع مفاهيم عصرنا: حقّ السكّان والمواطنين المقيمين في هذه المناطق في تحديد هُويّتهم ووضعهم السياسي. وإذا كانت الجزر الجعفرية شبه خالية من السكّان ولا تكاد تمثّل إلّا قيمة استراتيجية، فإنّ سبتة ومليلية تضمّان معاً نحو 170 ألف نسمة، وتتجاوز نسبة السكّان من أصول مغربية 50% في المدينتَين، مع احتفاظهم بروابط قويّة مع مناطقهم الأصلية في الريف وبانتماء ثقافي وديني واضح.
ومن اللافت أيضاً أنّ الغالبية الساحقة من هؤلاء السكّان تبدو مرتبطة بهُويّة إسبانية، حتّى عندما يكون اكتسابها حديثاً. ومن ثمّ، إرادة السكّان وحقّهم في تقرير وضعهم عنصر لا يمكن تجاهله، لأنّه ينسجم مع قيم عصرنا. أمّا الاتحاد الأوروبي، فلا يزال ينظر إلى هذه الحدود، في جانب واسع من سياساته، بمنظار أمني يهدف إلى احتواء الهجرة والخوف المتزايد منها، وصولاً إلى خطاب “الاستبدال الكبير” الذي أصبح يغذّي تيّارات أوروبية تستدعي مخاوف قديمة في ثياب جديدة.

بقيت قضية سبتة حاضرة في الوعي السياسي المغربي لأنّها تمسّ مفهوماً أعمق: تعريف السيادة الوطنية ذاتها

كما أنّ السجالات التي أثارها بعض القادة الأوروبيين ضدّ رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز في أثناء الأحداث أخيراً تبدو مرتبطةً بحسابات وخلافات أوسع حول السياسة الدولية لإسبانيا، أكثر ممّا ترتبط وحدها بمسألة النزوح. أمّا المغرب، فيُبقي الملفّ مفتوحاً، وإنْ يستخدمه أحياناً ورقةً في إدارة علاقاته الدبلوماسية. وهنا العقدة. … تداخل مفاهيم السيادة على هذه الرقعة الصغيرة من الأرض يجعل القضية في حاجة إلى تفكير جديد يجمع بين الجغرافيا والذاكرة التاريخية، وحقوق جميع السكّان المعنيين، وقواعد القانون الدولي، وهذا تفكير يفرض تجاوز المقاربة الأمنية وحدها، فلا سياج، مهما بلغ من الارتفاع والتطوّر التكنولوجي، يستطيع القضاء على الأسباب العميقة للهجرة بين القارّتَين، ولا جهاز عسكرياً أو أمنياً يمكن أن يحل محلّ سياسة تقوم على التنمية والعمل والأمل والثقة، كما لا يمكن أن تبقى المبادلات الاقتصادية عبر هذه الحدود أسيرة مشاهد النساء اللواتي عُرفن باسم “النساء البغلات”، يحملن السلع فوق ظهورهنّ في ظروف تمتهن الكرامة الإنسانية.
المطلوب تحويل “جدران العار” هذه إلى رهان على مستقبل اقتصادي جديد، وإلى رؤية استراتيجية مختلفة للعلاقة مع أفريقيا. فالصين تنظر، في إطار مشروع “طريق الحرير”، إلى مشاريع كُبرى لتطوير البنية المينائية واللوجستية حول طنجة المتوسّط، بما يعزّز موقع المغرب بوصفه إحدى أهم البوابات البحرية بين أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط. وتأتي هذه المشاريع امتداداً لإنجازات كُبرى تحقّقت بالفعل بهدف ربط الإنتاج الآسيوي بالأسواق الأوروبية. وفي الوقت نفسه، يسعى المغرب إلى بناء استراتيجية اقتصادية أوسع تجاه أفريقيا جنوب الصحراء.
ويمثّل مشروع أنبوب الغاز نيجيريا – المغرب أحد أبرز الأمثلة على ذلك، وهو يندرج في تصوّر أطلسي أوسع يرمي إلى فتح منفذ مباشر نحو المحيط الأطلسي أمام دول الساحل. والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح على أوروبا هو: هل تملك أوروبا الشجاعة السياسية والخيال الاستراتيجي اللازمَين للابتكار، والانتقال من بناء الحواجز إلى إقامة شرايين اقتصادية وثقافية تصنع تنمية مشتركة ومفيدة للجميع؟
استمرار الوضع الراهن يضرّ بمواطني الضفّتين معاً. فالإنسان، أي إنسان، يمتلك كرامة أصيلة لا يجوز انتزاعها منه، بصرف النظر عن جنسيته أو أصله أو المكان الذي وُلد فيه. وهذا المبدأ الإنساني الكوني هو تحديداً ما جرى انتهاكه.
ومن انتهاكه وُلدت جرائم سبتة.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى