التجربة الفلسطينية بين النقد والإدانة

سمير الزبن

ليست هناك تجارب سياسية فوق النقد، فلا توجد تجربة سياسية بلا أخطاء أو خطايا، والنقد ضروري لتصويب هذه الأخطاء والتراجع عن الخطايا. ولأنّ السياسة متحرّكة، لا يرحم التاريخ التجارب حين يحاكمها، ويحوّلها مع الزمن إلى تجارب قديمة ومُتجاوزة تحتاج إلى تجديد أو مراجعة، أو يفرض قوىً جديدةً تستجيب لمرحلة باتت قوى الماضي غير صالحة للتعامل معها. فالتاريخ يسير، والحياة تتجدّد وتطرح تحدّيات وأسئلة جديدة لا تصلح لها إجابات وأساليب الماضي، ما يفرض ضرورة التغيير في الخطاب والأساليب والقوى السياسية ذاتها.

فرض الواقع الجديد، الذي وُلِد بفعل النكبة، شروطاً صراعيةً جديدةً ومعقّدةً ومتداخلةً مع دول الجوار، وجعل الفلسطينيين يعيشون وضعاً أضعف ممّا كان عليه حالهم قبل النكبة

على أيّ نقد أو مراجعة الأخذ بالاعتبار أنّ التجارب التاريخية في المجتمعات البشرية معقّدة ومتداخلة، وتتأثّر بأحداثٍ كثيرة غير المحسوبة، فهي لا تجري في المختبر وفي شروط مثالية، حتّى يكون النقد وصفةً سحريةً لإخراج الواقع من مشكلات يعيشها. لكلّ تجربة خصوصيتها، وأيّ نقد يجب أن يأخذ هذه الخصوصية والتعقيدات التي تحيط بها بالاعتبار، حتّى يكون أكثر فائدةً للتجربة التي ينتقدها. وهذا لا يعني أنّ النقد مشروط بإعطاء الإجابات الشافية عن مشكلات الواقع القائم، فالنقد حقّ مشروع، وهو يقع ضمن حرّية الرأي، بصرف النظر عن صحّة هذا النقد، أو أنّه مجرّد هراء، من حقّ صاحبه أن يقوله بالطريقة التي يريد. في الوقت نفسه، للآخرين الحقّ في الاختلاف مع هذا النقد أو الرأي.
يُساق هنا هذا الكلام ليس للتمييز بين النقدين، الإيجابي والسلبي، بل لنميّز بين نقد التجربة وإدانتها. والإدانة التي نقصدها لا تبقى نقداً، بقدر ما تحوّل النقد إلى جَلدٍ للذات في الحاضر والماضي، وإدانة لتاريخ التجربة التي تتعرّض لهذا النوع من الإدانة. نستبق أيّ سوء فهم ونقول إنّنا لا نطالب بإسكات هذه الأصوات، ونعتقد أنّ من حقّها أن تنتقد التجربة بالطريقة التي تريد، وهو ما نحاول نقاشه في هذه السطور في السياق الفلسطيني.
ليس النقد جديداً على التجربة الفلسطينية، فهذه التجربة التي عاشت خيبات وهزائم كثيرة، عرفت كثيراً من النقد مع كلّ فشل، ومع كلّ تراجع، ومع كلّ هزيمة. وهذا سياق طبيعي لتجربة حركة تحرّر وُلِدت في شروط معقّدة، وساهمت فيها قوى عظمى، أدت إلى النكبة، وكانت الأساس المكوّن للقضية وطبيعتها وشروط نضالها. بمعنى آخر، كان الفلسطينيون أنفسهم جزءاً من هذا الصراع، ولم يكن حسم هذا الصراع متعلّقاً بهم وبقوّتهم الذاتية المتواضعة في تلك اللحظة التي وُلِدت فيها النكبة، والتي اقتلعت الجزء الأكبر من الشعب من دياره، وألقته في المنافي.
أوجد هذا الواقع الجديد، الذي وُلِد بفعل النكبة وانتصار المشروع الصهيوني، شروطاً صراعيةً جديدةً ومعقّدةً ومتداخلةً مع دول الجوار، وجعل الفلسطينيين يعيشون وضعاً أضعف ممّا كان عليه حالهم قبل النكبة. ومن هذا الواقع المتراجع، كان على الفلسطينيين أن يبنوا مشروعهم الوطني بعد خسارة وطنهم، ومن خراج أرضهم.
واحدة من أعقد القضايا التي شهدتها التجربة الفلسطينية أنّها ولدت خارج أرضها، وفي أراضي الآخرين، وهذا ما عرّضها لنقد متواصل، خصوصاً الوجود الفلسطيني المسلّح في كلّ من الأردن ولبنان، وهي تجارب كان فيها أخطاء كثيرة، ما جعل بعضهم يدينها بالجملة، من دون التمييز بين الأخطاء في هذه المرحلة والدور الذي لعبته في بناء الوطنية الفلسطينية في المنافي.
ويأتي نقد التجربة العسكرية الفلسطينية في مقدمة الانتقادات التي توجّه إلى التجربة الفلسطينية بوصفها النموذج للفشل الفلسطيني المزمن، منذ تجربة الأردن، مروراً بالتجربة اللبنانية، وصولاً إلى التجربة في قطاع غزّة، على الرغم من الفارق الكبير بين هذه التجارب كلّها. المشترك بينها هو الفشل في تحقيق الأهداف الفلسطينية، حتّى إنّها لم تُقرّب الفلسطينيين من أهدافهم. وهي انتقادات صحيحة، لكنّها تفترض أنّ هذه الأهداف كانت قابلةً للتحقيق في ظلّ موازين القوى القائمة، وأنّ الفلسطينيين فشلوا في استخدام قوّتهم في إنجاز هذه الأهداف القابلة للتحقيق. وهذا ما لم يدّعه أحد من القوى الفلسطينية. إذا كان من الصحيح أنّ هذه القوى قد رفعت شعار “تحرير فلسطين”، فهذا لم يعنِ أنّها على قناعة بأنّها قادرة على تحقيق ذلك بقواها الذاتية. وأعتقد أنّ الشعار كان تأكيداً ضرورياً لحقّ الفلسطينيين في وطنهم، وليس برنامجاً زمنياً لتحرير الأرض الفلسطينية.

يحوّل كارهو العمل المسلّح النقد إلى إدانة للتجربة الفلسطينية كلّها وإدانة للتاريخ الفلسطيني كلّه

طوال التجربة الفلسطينية، المسلّحة وغير المسلّحة، لم تكن القدرات الفلسطينية، حتّى في أفضل حالاتها، قادرةً على تقريب الفلسطينيين من إنجاز برنامجهم الوطني. وهذا لا يعني قصوراً فلسطينياً ذاتياً، بقدر ما هو خلل مزمن في ميزان القوى مع إسرائيل، وفي ميزان قوى حلفاء الفلسطينيين مقابل حلفاء إسرائيل وحماتها.
يعمّم بعض منتقدي فشل العمل المسلّح الفلسطيني، حتّى على الماضي البعيد، وعلى ثورة 1936، وهؤلاء “كارهو العمل المسلّح” يحوّلون النقد إلى إدانة للتجربة كلّها، وإدانة للتاريخ الفلسطيني كلّه. وإدانة التجربة لا تقتصر على هذه الجزئية، لأنّ هذا النقد يقصد إدانة الخيار الفلسطيني في كلّ مراحل تجربته الحديثة.
كانت المهمّة الفلسطينية، بعد إزالة شعب من الخريطة السياسية للمنطقة بفعل ولادة إسرائيل على أنقاض وطنهم، أن يعلنوا وجودهم شعباً له الحقّ في وطنه، وكان عليهم أن يستخدموا جميع الوسائل حتّى يراهم العالم الذي حاول كنسهم وقطع لسانهم. لم تكن هناك أوهام بأنّ الفلسطينيين قادرون على تحرير بلادهم بجهودهم الذاتية، لا بالعمل المسلّح ولا بالعمل السلمي ولا بغيره، لكنّهم لم يستطيعوا أن يصمتوا عن إلغائهم من المنطقة. ومن هنا، فكلّ التجربة الفلسطينية، العسكرية وغيرها، وكلّ ما عليها من نقد، يجب أن تُرى من هذا المنظار.
كرّس الفلسطينيون وجودهم السياسي في المنطقة، بالعمل العسكري وأخطائه وخطاياه، وبالعمل السياسي والكفاح السلمي، وغيرها من الوسائل. هذا كلّه لم يحقق لهم تحرير جزء من أرضهم. لقد جرّب الفلسطينيون الوسائل النضالية كلّها، وفي كلّ مرّة فشلوا في تحقيق أهدافهم، وكانت لهذه الوسائل أخطاؤها وتعرّضت للانتقادات. وفشل الفلسطينيين لم يكن قصوراً منهم، على الرغم من النقد الصحيح وغير الصحيح الذي تعرّضت له التجربة، بل يعود هذا الفشل إلى ظروف ومعطيات تفوق قدرتهم، لم يستطيعوا تعديلها، لأنّها تفوق قدراتهم بكثير.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى