مسافة من فضلكم.. العزل السياسي ضرورة حماية لا أداة انتقام

عبد الرحيم خليفة

 

نتيجةً لتأخر انعقاد “مجلس الشعب” السوري، ما تزال العديد من القضايا والملفات الوطنية الكبرى عالقة، وفي مقدمتها ملف العدالة الانتقالية الذي يشكّل أحد أهم الأسس المطلوبة لبناء سورية الجديدة بعد عقود طويلة من الاستبداد والعنف والفساد. وحتى الآن، لا توجد رؤية واضحة ومعلنة لكيفية تعامل الإدارة السورية الجديدة مع هذا الملف، الأمر الذي أثار كثيراً من القلق والتساؤلات في الأوساط الحقوقية والسياسية والشعبية.

ويرتبط بهذا الملف ارتباطاً مباشراً ملفٌ آخر لا يقل أهمية وخطورة، هو ملف العزل السياسي، الذي لا يحظى حتى اللحظة بالنقاش الجاد الذي يستحقه، رغم كونه إحدى الضمانات الأساسية لحماية أي تجربة انتقال سياسي من خطر الالتفاف عليها أو إعادة إنتاج أدواتها القديمة. لقد دفعت سورية ثمناً باهظاً للوصول إلى هذه اللحظة التاريخية، أكثر من مليون ضحية، وملايين المهجّرين، ومدن وبلدات مدمّرة، وانهيار واسع طال البنية الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية. ومن الطبيعي، بعد كل هذه التضحيات، أن يطرح السوريون سؤالاً مشروعاً: كيف يمكن حماية المستقبل من عودة المنظومة ذاتها، بأشخاصها أو شبكاتها أو أدواتها؟

إن غياب التشريعات الواضحة الخاصة بالعدالة الانتقالية والعزل السياسي، إضافةً إلى تعطّل المؤسسة التشريعية منذ سقوط النظام البائد، فتح الباب أمام اجتهادات متناقضة وسلوكيات مثيرة للجدل، من بينها بعض المصالحات غير المفهومة مع شخصيات متورطة في دعم الاستبداد أو التغطية على جرائمه، فضلاً عن عودة بعض الوجوه المرتبطة بالنظام السابق إلى مناطقها وكأن شيئاً لم يكن.

العزل السياسي ليس فكرة انتقامية، ولا إجراءً استثنائياً سورياً، بل هو جزء من تجارب كثيرة عرفها العالم بعد الحروب أو سقوط الأنظمة الشمولية. فقد طبّقت دول عديدة إجراءات مشابهة لحماية مساراتها الجديدة، كما حدث في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وفي بعض دول أوروبا الشرقية بعد انهيار الأنظمة الشيوعية، وكذلك في عدد من دول الربيع العربي، بدرجات متفاوتة ووفق صيغ قانونية مختلفة.

والمقصود بالعزل السياسي هنا ليس الانتقام الجماعي أو الإقصاء العشوائي، بل وضع إطار قانوني واضح يحدد المسؤوليات السياسية والأخلاقية لكل من شارك في دعم الاستبداد أو التحريض على العنف أو التغطية على الجرائم أو نهب المال العام.

وهذا يفترض وجود قوانين واضحة، ومحاكم مختصة، وآليات قضائية عادلة تكفل حق الدفاع والطعن، بما يضمن عدم تحوّل الأمر إلى فوضى أو تصفية حسابات شخصية. كما ينبغي التفريق بوضوح بين من تلطخت أيديهم بالدم السوري أو تورطوا في الفساد والتحريض والقمع، وبين من كانوا مجرد موظفين ضمن مؤسسات الدولة دون دور فعلي في الجرائم والانتهاكات. فالعدالة الحقيقية لا تقوم على التعميم، بل على تحديد المسؤوليات بصورة دقيقة وعادلة.

إن بناء دولة ديمقراطية حديثة لا يمكن أن يتحقق بإعادة تدوير الشخصيات والمنظومات التي ساهمت في ترسيخ الاستبداد، أو منحت الشرعية للقمع والفساد، ثم تقديمها لاحقاً بوصفها جزءاً من المستقبل. فالحياة السياسية السليمة تحتاج إلى بيئة جديدة تقوم على احترام القانون وتداول السلطة والإيمان الحقيقي بحقوق الإنسان وكرامة المواطن. وفي الوقت نفسه، فإن حماية الذاكرة الوطنية تمثل جزءاً أساسياً من أي عملية انتقال سياسي ناجحة، لأن الشعوب التي تنسى مآسيها تصبح أكثر عرضة لتكرارها.

ولهذا تبدو الحاجة ملحّة إلى تعزيز جهود التوثيق والأرشفة وحفظ شهادات الضحايا والانتهاكات، بما يمنع التلاعب بالرواية الوطنية أو تزويرها مستقبلاً.

ويروى أنه بعد انتصار المقاومة الفرنسية بقيادة الجنرال شارل ديغول على الاحتلال النازي، وبينما كانت الاحتفالات تعمّ فرنسا، حاول بعض الذين قبلوا الاحتلال وتعايشوا معه الاقتراب من ديغول، فما كان منه إلا أن قال عبارته الشهيرة: مسافة من فضلكم”.

ربما تختصر هذه العبارة، ببساطتها ووضوحها، جوهر المسألة كلها. فسورية الجديدة تحتاج إلى العدالة لا إلى الانتقام، وإلى القانون لا إلى الثأر، لكنها تحتاج أيضاً إلى حماية نفسها من إعادة إنتاج الكارثة ذاتها. ومن هنا يصبح العزل السياسي، ضمن إطار قانوني عادل وواضح، ضرورة وطنية لحماية المستقبل، لا أداةً للانتقام.

 

المصدر: صحيفة الثورة السورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى