
“جورة الهم .. سوريا في زمن الأسد” كتاب يتنوع في أسلوبه بين السرد الذاتي والقراءة السياسية، ليقدم رؤية بانورامية لحال سوريا ما قبل وبعد الثورة. تجربة ذاتية حارة عاشها الكاتب السوري محمد أمير ناشر النعم، تحضر فيها بقوة حلب المدينة التي يتحدر منها. وفي حاشية الغلاف الأخير يفيد بأن المعتقين من أهل تلك المدينة كانوا يسمونها “جورة الهم”، أي الحفرة، التي ما لبثت أن توسعت، كي تنزلق إليها باقي المدن السورية خلال حكم الأسدين، الأب والابن.
وقف الكاتب على عتبة التحرر والانعتاق عندما وضع قدمه على سلم الطائرة، يراوده إحساس قائد منتصر، مع أنه لم يقد سوى سلسلة من الانسحابات المتواصلة، والفرار في انسحاب اكبر واخطر، وهو يغادر بلاده، ناظرا نحو سمائها وقد خلت من الطيور المهاجرة بسبب الصيد الجائر، الذي تطور إلى صيد الإنسان من قبل الجيش العقائدي في ظل وصاية حزب البعث على التاريخ والحاضر والمستقبل، وحكم الطاغية حافظ الأسد الذي فرض حظر تجول على الوعي، واستمر من خلال “الفتك والضراوة والجبروت والقهروت”، في ثلاثة تحولات، قائد المسيرة، الأب القائد، القائد الخالد، وفي مصهر العنف هذا صار واجبا على المواطن أن يحاسب نفسه قبل أن يُحاسب، و”يختار بين الانزواء أو الارتماء، ولم يكن بينهما منزلة بين المنزلتين”، ليتقن حركة السباح الذي لا يواجه الموجه بل يغوص تحتها كي تمر، “يغطس ويفطس”.
وحينما مات الأب وخلفه الابن تطورت المعادلة. الأب كان يرى السوريين عبيدا، والابن يراهم أقنانا (عبيد أبناء عبيد). وحينما نزل الكاتب وعائلته من الطائرة في مطار القاهرة، مشى لأول مرة بلا سلاسل، ولكنه ظل يسمع الرنين، وكي يتخلص منه كان هذا الكتاب المكتوب بإحساس الشاهد عن كثب على زمن الاستبداد والانحطاط والرداءة التي عاشتها سوريا على مدى حكم حزب البعث وعائلة الأسد.
يدخل القارئ الكتاب من “الدركة الأولى.. اللغة والديكتاتورية”. ويركز على شراهة الديكتاتورية للسيطرة من خلال اللغة، وقد حصل في سوريا، ما حدث في بلدان شمولية أخرى كألمانيا النازية ورومانيا خلال حكم نيقولاي شاو سيسكو. وفي الأحوال كافة، يحدث للغة عندما يستولي الاستبداد على السلطة، مع نشوء الحكم الاستبدادي، أن ينقلب المعنى رأسا على عقب، تصبح الديمقراطية معادلا للطغيان، ويتحول خطاب الكراهية إلى عقيدة رسمية للدولة، والخوف الى مرادف لقلب المعنى، فيغدو النعش موبيليا أرضية، هروبا من الموت الذي ساوى بين أبطال النظام الاشتراكي وأعدائهم في رومانيا. ومن الأمثلة على تسميم الإنسان المكتمل الأوصاف رفع الزعيم فوق الآلهة، فـ”هتلر أعظم من المسيح”، وعلى هذا القياس ردد أنصار الأسد ” حلك يا الله حلك، يبرك حافظ محلك”. وكي يقرب الكاتب الصورة أكثر، يجتهد على نحو منهجي في قراءة تشريحية مقارنة بين سوريا وألمانيا فترة ثلاثينيات القرن الماضي، خلال صعود الحركة النازية، ليقف عند عدد من المشتركات حد انتفاء الفوارق بين البعث والحزب النازي، وهتلر والأسد، ذلك أن “كل الديكتاتوريين سواء جاؤوا من اليسار أم من اليمين، كفارا أم مؤمنين، يجندون اللغة لخدمة مصالحهم”، على حد القول الذي استشهد به من الكاتبة الرومانية هيرتا موللر.
الكتاب رحلة بحث في الرموز والإشارات بهدف تفكيك العمارة الرهيبة التي أسسها نظام عائلة الأسد على نموذج فريد من الطغيان، كي تعمر لزمن طويل، والسبيل إلى ذلك محو الكائن السوري، في ظل سطوة زمن “المعلم” القائم على التهديد والإهانة وسيادة الرعب، والذي فرض نفسه على وجود البلد والوطن بأسره بإمكانيات لا نهائية”: اصرخ. أنبح. دون صوت. اعترض كما تشاء بقلبك. اعمل مشاريعك لكن شاركنا فيها. ابن سجنك بنفسك، وستقدم لك الموارد مجانا، عليك أن تكون مجدا ومثابرا غير متلكئ ولا متريث”. إنه زمن الحيلة أيضا، التي يلجأ إليها المواطن كوسيلة للمقاومة، التي تصل أحيانا إلى الارتماء في حضن الرعب فراراً منه.
متوالية مسخ المواطنين تقوم على سلسلة من الصفات والوظائف التي تحتكر المجال العام. وتضفي على حافظ الأسد عددا من الوظائف الأورويلية (نسبة إلى جورج أورويل وروايته 1984). هو المعلم الأول، العامل الأول، الأب القائد، القائد الخالد، الرفيق المناضل، الأمين العام، المعلم الميتافيزيقي الذي بلغ السدة، ولم يبق أمامه في المرتبة أحد سوى الأمام علي بن أبي طالب، بما يتمتع به من رمزيه هائلة “تتراوح بين كونه إلها، وكونه الإمام الأول أبا الأئمة”، وهو بذلك منزه من كل قيد، صاحب السلطة كغاية بذاتها، ما بعدها من بعد، ولا قبلها من قبل. لا وجود لأي شخصية عداه في مشهد الحياة. وعلى ذلك سار نجله الذي غدا رئيسا بالمصادفة ووقع في مصادفة السجع “بشار أو الدمار”، “الأسد أو نحرق البلد”، وتلك مصادفة لغوية لعينة ومشؤومة لم تناسب في مبناها الموسيقى رئيسا آخر من رؤساء سوريا السابقين، فحازت كمنعكس لغوي شرعية التدمير وطاقة التقويض.
في الدركة الثانية من الكتاب وجوه في زمن المجزرة أولها سمير العوض (القفل) أحد مجاذيب أريحا ودراويشها المعروفين، وصاحب البنية المميزة. في عام 2003 أطلقت طائرة أسدية صاروخا على المدينة ترك العشرات مزقا وأشلاء، وكان من جملتهم “القفل”. والشخصية الثانية هي الطفل المتشرد عمار من دار الأيتام التي أدارها الكاتب في حلب، وافتتح كتابه بالحديث عن إخلائها من داخل مدينة حلب حينما اشتدت المعارك بين قوات النظام والجيش الحر. وكان هذا الفتى يعاني من عدم الاعتبار، “كأنه في عالم العدم”، الذي صار يناله لاحقا كمشجع في كرة القدم، ثم يفقده حينما يعود إلى عالم أصدقائه المتشردين، ومن بعد ذلك حانت لحظة مأساوية التقطه فيها أبو على قزق كبير شبيحة حلب، وجنده للقتال إلى جانب النظام، حيث انتهى قتيلا.
ويأتي بعد ذلك فصل بعنوان مثير “لحن ماثوركا على ميتين قاسم سليماني وأبي بكر البغدادي”، وهذا للحن كما ورد في رواية كاميلو خوسيه ثيلا هو لحن المرارة على روح الضحية، ولحن البهجة التي تعزف حبورا بقتل قاتل الضحية. وتم عزفه من فرقة الولاية لمقتل بطل الرعب والكوابيس سليماني وعزفته جوقة سالي جونز (أم حسين البريطاني) لمقتل أبو بكر البغدادي. وقد جر “موت سليماني والبغدادي الكثير من الدموع، والكثير الكثير من الضحك”.
ومن بين الشخصيات التي تحظى بتكريم الكاتب الفنانة مي سكاف، تلك المرأة التي استحقت لقب أيقونة الثورة السورية، لما أبدته من شجاعة في مواجهة رعب نظام الأسد وأجهزته الذين حاولوا أن ينالوا منها بوسائل شتى، لكنها بقيت تردد” هذه الثورة ثورتي حتى الموت، وسأظل أدافع عن سوريا العظيمة، وليس سوريا بشار الأسد”. وشخصية المخبر المبتدئ الذي حين رأه يعتمر الجبة والعمامة اعتبر نفسه وقع على صيد أخواني ثمين، وفي وقوفه أمام الشيخ المتصوف جودت سعيد الذي لم يرغب في شيء من “بهرج الحياة التي يتطلع إليها المشايخ”، وهو الذي لم ينل في حياته “الاعتراف الإيجابي من معظمهم”، فقد تجاهلوه وبخسوا أفكاره، وسخروا من أنه يرى أن السياحة من “جملة الأوامر الإلهية التي أمرنا القرآن الكريم بها”.
نصوص ناشر النعم، سواء أكمل القارئ الكتاب، أم اكتفى ببعضها، من تلك التي تبعث على الرجفة في ختامها. مكتوبة بلغة حية لا تقبل التأويل، حادة كنصل مسنون، كي تطعن من أجل الألم الذي لا وصف له. وذلك سياق لا يهتز أو يتعب من أول العمل حتى نهايته. لا يجامل الكاتب في توصيل الفكرة، يتركها عارية أحيانا كي تولد الدمعة حتى النهاية، وهي تمتاز بقدر من القسوة الآتية من قاموس تشكل ونما في جورة الهم، ومما زرعته الأسدية من أهوال في تحولاتها وأطوارها كنظام كلبي عنيف، دمر البلد، وارتكب جرائم لا حصر لها. وفي ذلك كله يقدم سردا على درجة عالية من المتعة لا تجامل عندما تضع طائفية إبراهيم اليوسف على قدم المساواة مع طائفية هاشم معلا، وفضه فلسفة الإهانة (الناس من خوف الذل في ذل-الإمام علي) التي قام عليها نظام الأسد الأب كبديل للشرعية.
لا متعة في المنفى، تلك واحدة من أهم خلاصات الكتاب التأملية، التي تعيد الكاتب خريج المدرسة الخسروية بحلب وكلية الشريعة بدمشق إلى تفاصيل مدينته حلب، في استعادة المشتاق الحالم لما تحفل به من جمال لا يعوضه مكان آخر، ولا يرقى إليه شوق، حتى لو بلغ الدرك الأعلى من الوجد.
المصدر: المدن






