
خلف علي الخلف روائي سوري متميز، روايته الحرّاني هي أول عمل أدبي أقرأه له.
الحرّاني لخلف علي الخلف رواية من اصدار رياض الريس لعام ٢٠٢٥م.
يعتمد الكاتب في الرواية أسلوب السرد بلغة المتكلم على لسان أكثر من شخصية في الرواية.
كل الشخصيات محورية ومهمة في سياق السرد الروائي لتوصيل رسالة الرواية. زمان الرواية يبدأ من أوائل القرن الثامن الميلادي للعصر العباسي من زمن الخليفة المأمون ووالده هارون الرشيد. وتستمر لمئة سنة تقريبا في عصر الخلفاء بعده حتى تنتهي في عصر الخليفة المعتمد على الله. وولي عهده الموفق بالله .
تبدأ الرواية من مدينة الرقة السورية في عام ٨٣٣م. حيث يمر بجوارها الخليفة المأمون يقود جيشه لمحاربة الروم حيث سيمر بعد الرقة على حرّان ومن هناك يتجه للمناطق الواقعة بين دولة الخلافة العباسية والروم في دورة شبه سنوية لحروب وجهاد وفرض وجود على الروم بجوار دولة الخلافة.
مرض المأمون في هذه الغزوة بمرض اسمه مرض الرقة ومات وتولى بعده أخوه المعتصم بالله ابن هارون الرشيد.
حّران مدينة في تركيا على الحدود السورية التركية الآن، كانت على طريق المأمون في ذهابه لمحاربة الروم، التقى وساداتها ووجوهها. وكان بينهم المسلمين عرب وغيرهم ومنهم والي الخليفة وكذلك الاحناف الصابئة من اهل حران الاصليين كذلك المسيحيين السريان، وعندما سأله المأمون عن اعتقاد الصابئة اجابه وجهاءها بأنهم بقايا الأحناف المذكورين في القرآن الكريم. وأوضح البعض ممن يريد الدس على الأحناف الصابئة بانهم يعبدون الكواكب وأنهم من المجوس. وبعد تداول بين الخليفة المأمون وبينهم اخبرهم انهم ان لم يكونوا مسلمين او من اهل كتاب مسيحيين ويهود فيجب عليهم دفع الجزية. وقرّر ان يبت بالأمر بعد عودته من غزوته. لكنه توفي فيها. وبقي الامر معلقا.
أهل حرّان متنوعين عرب مسلمين واحناف مستمرين على اعتقادهم واحناف أسلموا ومسيحيين سريان ويهود .
ولد ثابت بن قرة قبل سنوات من مجيء المأمون الى حرّان الصابئي من الأحناف أبوه قرّة بن مروان وهو بمثابة الرجل الأول فيهم قائدا لهم يدير شؤونهم بالتوافق معهم شوريا.
تتوسع الرواية في سرد واقع الحياة الاقتصادية و الاجتماعية والدينية لأهل حرّان.
يعتمد أهل حران على الزراعة بشكل أساسي في حياتهم ويعتمدون على رصد الكواكب في تحديد أجواء الطبيعة واحوالها في مواسمهم الزراعية والحياتية المتتابعة.
يعتبر الصابئة الكواكب بمثابة واسطة بينهم وبين الله يعبدونهم لهذا السبب. وسيد الكواكب عندهم القمر “سين” بلغتهم يليه كل كواكب المجموعة الشمسية بدء من الشمس. لكل كوكب عندهم دور وانعكاس على حياتهم المباشرة كما يعتقدوا. القوة والجسارة والتكاثر والمحبة وكل شؤون الحياة. لذلك نجد عندهم معابد كثيرة بعضها للقمر ومعابد لبقية الكواكب. وعندهم اعياد ومناسبات يقدمون بها القرابين فيما بينهم.
حتى ما قبل ثابت بن قرّة كانت اعتقاداتهم وتفاصيلها محصورة بينهم وغير موثقة بشكل مكتوب، كنوع من التقية في مواجهة المختلفين معهم من المسلمين والمسيحيين واليهود.
نشأ ثابت بن قرّه في بيت علم ودين فأبوه بمثابة رئيس للطائفة، تولع مبكرا بالتعلم وقراءة الكتب وغادر الطفولة الى الشباب وهو متبحر بالعلوم التي كانت في عصره. والاهم من ذلك أنه غاص عميقا في معتقدات الصابئة الأحناف الحرانيين قومه وتعلم لغتهم وراجع ألواح قديمة، واكتشف الربط بين اعتقاداتهم وعلم الأنواء والنجوم والكواكب، وربط بين العلوم الطبيعية التي كان قد تقدم بها أهل اليونان، ووجد أن الحرانيين قد سبقوا اليونان في ذلك . وكذلك الفلسفة وقرأ كتابات الفلاسفة اليونانيين بدأ من سقراط وأفلاطون وأرسطو وافلوطين ومن بعده. واكتشف ان هناك طريقا آخر للوصول الى الله خالق الكون غير طريق الرسالات السماوية كما تطرح اليهودية والمسيحية والإسلام. واكتشف أن الفلاسفة والعلماء في حران قد وصلوا عبر دراستهم وتأملهم للكواكب والنجوم وأحوال الطبيعة الى ذات النتائج التي توصل إليها اليونانيين وقد يكون قبلهم.
قرر ثابت الشاب النبيه المتميز القارئ النهم المطلع على علوم وفلسفات عصره أن يعيد وضع الصابئة الأحناف الحرانيين تحت الضوء ويوثق كل شيء عنهم. وخاصة عقيدتهم. وبدأ فعلا بتوثيق عقيدتهم مستفيدا من ألواح كتبت قديما بلغتهم، لكن رجال الدين ومسؤولي المعبد في حران أنكروا عليه ذلك خوفا من أن تؤخذ عليهم معرفة عقائدهم فيتم محاربتهم بوجود ادلة مما وثّقه ثابت بن قره. لكن ثابت كان له رأيا آخر إن معرفة اعتقادهم وعبادتهم ومواقفهم كمعتقد في الحياة يحفظ هذا المعتقد ويوثق العلاقة مع هذا المعتقد بين الصابئة جميعا ويعطي لهم شخصيتهم الاعتبارية أمام ذاتهم والاخرين مهما كانت النتائج.
حارب السدنة و رجال الدين الصابئة الحرانيين توجه ثابت لتوثيق العقيدة وطالبوا والده ايقافه، لكن والده لم يستجب له فحكم أهل المعبد على ثابت بن قرة بالنفي من حران، وانتقل ثابت الى الرقة وهناك تابع توثيق عقيدة الصابئة. وزاع صيته بصفته طبيب وعالم في كل شيء ويتقن العربية واليونانية اضافة الى لغة قومه الصابئة.
فتح ثابت في الرقة مدرسة للتعليم التحق بها الطلاب من المسلمين والمسيحيين والصابئة واليهود، كانت منارة علم لأجيال متتالية، استمر ثابت بالرقة لاثنتي عشر سنة، زاع صيته حتى وصل إلى مركز الخلافة العباسية في بغداد وأصبحت كتبه تدرس ويتم تداولها بين أهل العلم.
رجع ثابت الى حران بعد هذه السنين لكي يودع والده الذي وصله خبر أنه على فراش الموت، وصل الى حران، وجد والده يعاني المرض وفي ايامه الاخيرة. حيث توفي بعد أيام وواراه الثرى.
تزوج ثابت من ابنة عمته التي كانت من عمره وكانت تدرس معه في مرحلة سابقة. وأصبح يكنّا أبو الحسن وانجب الذكور والإناث. وعاد مجددا الى الرقة يكمل طريق العلم والبحث والتقصي واصبح من اهم علماء عصره في كل مجال.
وصل صيت ثابت بن قره الى الموفق بالله ولي عهد الخليفة المعتمد على الله وبعث بطلبه ليكون واحدا من رجالات العلم الذين تم الاهتمام بهم وأعمالهم العلمية، وكلفوا زيادة على ذلك بترجمة كل علوم العصر بحيث أصبحت بغداد منارة العلم في ذلك الوقت لمئات سنين قادمة.
بدأت رحلة العلم والترجمة من زمن الخليفة المأمون واستمرت بعده بدعم من الخلفاء لمئة سنة تقريبا. وتم إعادة إحياء العلوم اليونانية والحرانية والفلسفة عبر الترجمات في الوقت التي كانت ترزح اليونان تحت حكم بيزنطي له مواقف متشددة من الفلسفة والعلوم واعتبروها هرطقة أدت لحرق كتب الفلسفة والعلوم الطبيعية والكونية. وهكذا أصبحت بغداد حاضرة العلم ومنارة العصر في القرن التاسع الميلادي.
وصل ثابت بن قره الى بغداد بصحبة فيلسوف كان مكلف باحضار ثابت بن قره للقاء ولي العهد الموفق بالله مع كنز من الكتب اليونانية للترجمة كان قد أحضرها من اليونان. اصبح ثابت من الخاصة في حضرة ولي العهد وعهد إليه بدور في الترجمة والتدوين والكتابة.
تنتهي الرواية بالسرد على لسان ابنه في بداية القرن العاشر يحدثنا بأثر رجعي عن والده و دوره وحضوره في ديوان الخليفة وكيف تابع هو ابنه دور أباه في خدمة العلم وتوثيقه ورفع شأنه.
تمر الرواية على بعض الشخصيات التي كانت منارات في عصرها. منهم جورجيو الحزين ذلك اليوناني ابن جزيرة كريت الذي كان رجل دين مسيحي وجد في لحظة أن ما يقدمه الدين المسيحي من اجوبة وجودية غير كافي لذلك قرر ان يذهب باحثا عن الأصول العلمية في أبحاث الكون والطبيعة. لقد كان يعيش في عصر أفول اليونان وفلسفتها وعلمائها، حيث اصبحت تحت سيطرة البيزنطيين الذين يؤمنون بمعتقدات المسيحية بعد أصبحت مقننة وضحية احتراب عقائدي حول ذات المسيح بين الوهية بالجسد والروح. ام ألوهية بالروح وبشرية بالجسد. وحصول صراعات حول ذلك استمر لقرون وخلق مذاهب مسيحية مختلفة شرقية وغربية. وكيف عاملت العلم والفلسفة بمنطق التحريم وحرقت كتب العلوم والفلسفة للاوائل واعتبرتها هرطقة، و عاقبت بالموت من وجدته يعمل بها ولو سرا.
تجول جورجيو الحزين في اليونان القديمة زار أثينا وجدها اطلالا وبعد ذلك عاد الى جزيرة كريت حيث يعيش وهناك استقبل لاجئين مسلمين من الأندلس هاربين من الموت الذي يطاردهم من الاسبانيين المسيحيين حيث استقبلهم بعدما لم تقبلهم اغلب دول المغرب العربي وحتى الاسكندرية. واخيرا وصلوا إليه في كريت استقبلهم واسكنهم في أراضيه. وحصلت بينهم معاهدة حماية متبادلة. وبعدما توطد العلاقة اعطوه ما ييسر رحلته باحثا عن العلم الكوني أينما وجده. وتوجه إلى حران ووصل إلى هناك والتقى بثابت بن قرة وكان سعيدا بمعرفة أن شعلة العلم والنور لم تنطفئ، ووجدها منارة في حران والرقة. واستمر بجوار ثابت حتى غادر ثابت الى الرقة ومنها إلى
بغداد…
كثيرون صعدوا على منصة التحدث والبوح.
في التعقيب على الرواية اقول:
اننا امام رواية تحكي عن عصر كامل يطال قرن تقريبا. يكاد يكون سجلا توثيقيا لذلك الزمان والمكان وأحوال البشر حياتيّا واعتقاديّا وعلى كل المستويات.
أن الرواية رحلة عبر الزمن تجعلنا نعيش ذلك الزمن وتجعلنا جزء منه منفعلين فكريا وفلسفيا ودينيا. تشبعنا بالمعرفة التاريخية، نخرج منها و تساؤلاتنا أكثر من لحظة دخولنا بها. تجعلنا متعطشين للمعرفة أكثر.
هي سجل انساني ايضا فهي رواية متكاملة الأطراف كواقع حياتي مجتمعي ومتغلق بالأفراد والشخصيات وطور الحياة والعصر. وهي أيضا إبحار في عالم العلوم والاعتقاد والفلسفة والفكر، وهي فوق ذلك سفر تاريخي في تاريخ حقيقي يظهر الرواية بأحد جوانبها وكأنها توثيق مرحلة تاريخية خصبة. نعم خصبة لانها تطل على عصر الأنوار الإسلامي عندما أصبحت بغداد عاصمة العلوم والفلسفة والترجمة ومنارة لها وللأجيال القادمة والبشرية جمعاء لمئات من السنين.
بعد ذلك ستحضر مواكب الباحثين والعلماء الأوروبيين في مطالع النهضة الأوروبية لتعيد حمل الفكر العلمي والفلسفي للعرب واليونان لتفتح آفاق قراءة الكون الذي سيجعل أوروبا منذ مئات السنين رائدة العلم والتكنولوجيا وتفتح أبواب العلم والتحضر الحديث.
ستبقى معضلة النظر الثنائي العلمي للكون والفلسفي والديني في تصويب حركة الإنسان والسيطرة على توحشه الذي ظهر في العصر الحديث للأسف. صنع مع التقدم العلمي عصر الاستعمار واستعباد الانسان.
مازال الإنسان بحاجة لقيم الخير والعدالة والحرية والكرامة الانسانية وممارستها بغض النظر عن مرجعيته الدينية أو العلمية…
يكفي شرفا لهذه الرواية وكاتبها المتميز خلف علي الخلف انها تنتهي موثقة الرواية وكأنها كتاب مرجعي في موضوعها. لها ٢٠١ كتاب عربي و١٠١كتاب اجني كمراجع رجع إليها الكاتب حتى أنجز “كتابه” روايته هذه الرائعة.






