
دخل العجوز المستشفى على قدميه، وخرج منها على فاتورة ضخمة، كما لو أن الموت نفسه كان مجرد خدمة إضافية. في الاستقبال، كانت لوحة كبيرة تقول: “صحتكم تهمّنا”، وتحتها جهاز الدفع الذي يلمع أكثر من سماعة الطبيب، يلوح للأهل كأن يقول: “المال أولاً، حتى بعد الرحيل.” وُضع العجوز في غرفة العناية المشددة (العنبر رقم 13) ، حيث عشرون مريضا يتنفسون معا الهواء ذاته، يتشاركون الأمراض، بينما الموظفون يتشاركون الابتسامات ويحسبون المال بعناية، كأنهم يقيمون مزادا على الأرواح. ركّبوا له المنفّسة، ضخّوا الأوكسجين، علّقوا السيروم، وقال الطبيب: حالته تحتاج متابعة دقيقة. الابن تردد: هل تقصد حياة أبي؟ ابتسم الطبيب ابتسامة قاتلة: الدقة هنا تعني متابعة عدد الأيام التي يدفع فيها أهل المريض، لا عدد الدقائق المتبقية في عمره. مرّت الأيام. لم يُقلب العجوز على السرير. ظهرت القروح على ظهره، اتسعت، تكاثرت… وصارت جزء من “خطة العلاج”. وفي اليوم السابع، مات. أطفئت الأجهزة… لكن لم تُطفأ الآلة الحاسبة. جاء موظف الحسابات، مبتسما ابتسامة تقول: “الموت مجرد فاتورة متأخرة، البقاء لله… وهذه التفاصيل المالية. ناولهم ورقة طويلة، مليئة بالأرقام: أجرة الأوكسجين، أجرة السرير، أجرة الإشراف، حتى أجرة القروح غير المتوقعة.
قال الابن: لكنه مات! أجاب الموظف: نعم، لكن الخدمات قُدمت.
هنا تذكّر الابن جملة تقول :
“ارفعوا يد الطبيب عن جيب المريض”، ونظر حوله… كل الأيدي في الجيب ذاته، تتشارك المال والضحك البارد. الصدمة الكبرى كانت عند طلب الدفن. قال المدير، حفيد شايلوك، بابتسامة تجارية مرضية: لا دفن إلا بعد دفع الفاتورة كاملة. لكننا… هذا ليس مناقشة، بل سياسة خدمة ما بعد الوفاة. ثم أضاف، كما لو كان يقدم قائمة وجبات فاخرة: ولن نسمح بخروجه قبل معالجة القروح التي توسعت في ظهره… ليس من اللائق مقابلة الله ورائحته نتنة. هل تقبلون أن يؤذي الأموات بعفونة القروح تلك في مقبرته الديلوكس ؟ وبالطبع، العلاج بعد الموت يزيد الفاتورة. وماذا لو لم نستطيع؟ سأل الابن، يلهث بين الرهبة والمال. – لا مشكلة… هناك طلب ملح على أعضاء بشرية مثل العين والكلى والكبد … يمكنكم استكمال دفع الفاتورة من أعضاء الميت.
ضحك الابن والأم، ضحكا يشبه صراخ الميت، ضحكا مريرا يعرفون أن الجشع هنا أصبح دينا مقدسا. الموظفون يتبادلون النكات: هل سنحصل على عمولة من القروح؟ بالطبع، إنها عنصر ربحي إضافي، قال أحدهم وهو يكتب الأرقام على الآلة الحاسبة كما لو كانت صلاة.
دفعوا ما استطاعوا. دفنوا أباهم. ظنّوا أن التراب سيغلق الملف. لكن بعد أسبوع، جاء اتصال: بقي مبلغ مستحق… قال الابن، غاضبا: أمامكم المحاكم!
ابتسم المدير، حفيد شايلوك، كما لو أنه يملك الكون كله في جيبه: المحاكم؟ يمكننا أن نرفع الفاتورة قبل أن يحين موعدها. أضاف عليها فوائد التأخير.
المستشفى لا يغلق أبوابه، ولا شهيته، ولا إبداعه في ابتكار رسوم جديدة. أما العجوز، فأخيرا، يستريح على سرير لا يطلب منه رسوم إقامة، وأعضاؤه في السماء لا يمكن تحويلها إلى فاتورة… حتى الآن.






