صراع الأيديولوجيا والبراغماتية

مدى الفاتح

                                                   

التجربة الصينية في التحديث، التي سمحت للبلد بالوصول إلى موقعه الحالي جديرة بالاهتمام، فقد كان النظام الصيني، وما يزال، عقائدياً شيوعياً، لكن رجال الحكم أدركوا منذ منتصف القرن الماضي أن الانغلاق على الفكرة الشيوعية غير مفيد، وقد يؤدي إلى الارتطام بالحائط وتفكّك الدولة، وهو ما ثبتت صحته عند انهيار الاتحاد السوفييتي، الذي كانت تسيطر على مراكز اتخاذ القرار فيه نخبة ديماغوجية لم تكن تتقبل أي نقد.

التحدّي الأكبر، الذي كان يواجه جهود التحديث التي ابتدرها دينغ شياو بينغ، الذي حكم الصين (1978-1992) كان نابعاً من الداخل، ومتمثلاً في مجموعة العقائديين المتشككين، الذين كانوا يرون أن ما كان يدعو إليه من انفتاح ومن إصلاح عبر تطعيم المجال العام بمفاهيم اقتصاد السوق الحر، وفي مقدّمها حرية العرض والطلب، يمثل تنازلاً وخطراً على النظام.

لمواجهة هذا كان على بينغ أن يحافظ على المؤسسات الشيوعية، وأن يؤكّد في كل محفل إيمانه بالماركسية، وهو ما كان يفعله بإخلاص، لكسب رضا حرّاس الأيديولوجيا، ولأنه لم يتخل بالفعل عن إيمانه. كان بينغ يحاول أن يشرح للنخبة العقائدية أن الوصول إلى الجنة الشيوعية ويوتوبيا المساواة المطلقة، التي كان المنظّرون يتحدثون عنها، يجب أن يمرّ لا محالة بالجحيم الرأسمالي. بهذا، لا يعدّ تخفيف سيطرة الدولة على الإنتاج وعلى الأسعار خروجاً على الفكرة الشيوعية، ولكن تطويراً لها بما يقويها ويمنح الفرصة لتشجيع المبادرات الفردية والإبداع.

من أجل المزج بين هذه الأفكار المتناقضة ابتكر منظّرو ما بعد الشيوعية الصينية مصطلح “اقتصاد السوق الاشتراكي”، الذي كان مرضياً لحرّاس الأيديولوجيا ومحققاً للانفتاح اللازم على العالم الغربي من أجل الاستفادة من خبراته.

الشاهد في هذه القصة هو أنه لولا انتصار البراغماتية السياسية والاقتصادية على من سمّيتهم حراس الأيديولوجيا لما كان سيُسمح للشركات الأجنبية الكبرى بالاستثمار والإنتاج داخل الصين، ولما تحوّل البلد، الذي كان مجرد دولة ذات مكانة متواضعة على الخريطة العالمية، إلى قوة ماثلة تضاهي القوة الأميركية، أو على الأقل تتمكن من منافستها وإزعاجها.

لا يسير الأمر على هذا النحو على الدوام، بل تكتنفه صعوبات جمّة، ففي الاتحاد السوفييتي، حيث الشيوعية الأصيلة المرتبطة بالشمولية والديكتاتورية، كان النظام يحتاج إلى عقود أطول حتى ينتج شخصية مثل غورباتشوف، الذي حاول أن يحقق بعض الإصلاح وأن يخفّف من قيود الأيديولوجيا، التي كانت تقسم العالم إلى أبيض، هم الحلفاء الشيوعيون، وأسود، هم بقية العالم، والتي كانت تتخيل وجود صراع صفري بين الجانبين.

أكد فشل مشروع بيروسترويكا غورباتشوف لكثيرين من الزعماء العقائديين أهمية الأيديولوجيا في ما يتعلق بتثبيت النظام السياسي

مثلما ابتكر الصينيون “اقتصاد السوق الحر الاشتراكي”، حاول غورباتشوف أن يتحايل من خلال اختراعه مصطلح “بيروسترويكا” الغامض. كانت هذه تنطلق نظرياً من الشيوعية ولا تعلن معارضتها لها، لكنها كانت تسعى، في الوقت نفسه، لإجراء إصلاحات اقتصادية من أجل تفادي الانهيار الكامل.

وكان حظ غورباتشوف أسوأ من حظ الزعماء الصينيين، حيث استلم الحكم في وقت متأخر، وبعد أن كانت الدولة السوفييتية قد بدأت بالفعل بالانهيار. أضعف الأيديولوجيا طلباً للانفتاح، فأثّر ذلك على تماسك الدولة وضعف قبضتها على الأقاليم المتباعدة، ما قاد إلى ظهور القوميات، ومن ثم تفكّك نموذج الاتحاد السوفييتي ودخول البلاد في فترة من العجز والضعف الاقتصادي المرتبط بالندرة والتضخم والفوضى الاجتماعية. وأكد فشل مشروع بيروسترويكا غورباتشوف لكثيرين من الزعماء العقائديين أهمية الأيديولوجيا في ما يتعلق بتثبيت النظام السياسي، وأن تقديم تنازلات بذريعة الانفتاح أو توزيع الفرص أو السماح بتعدد الآراء سوف يؤدي لاحقاً إلى التفكك والذوبان.

في السودان وقبل سنوات من سقوط عمر البشير، كان الحزب الحاكم منقسماً بين وجهتي نظر. واحدة ترى ضرورة تخفيف قيود الأيديولوجيا لصالح الإصلاح، وإن أدّى هذا إلى تنازل الرئيس عن الحكم والسماح بعقد انتخابات حقيقية وشفافة. وكانت الثانية ترى أن تقديم أي تنازل للداخل أو الخارج يعني إضعاف الحزب وتغييبه. كان صوت المجموعة العقائدية أقوى، وقد نجحت بالفعل في تخريب كل المبادرات، التي كانت مطروحة من أجل توسيع وعاء المشاركة، بل نجحت في إقناع البشير نفسه، الذي كان عبر عن استعداده للتنحّي، بأنه لا مفر من بقائه وإعادة انتخابه، لأن مغادرته السلطة قد تقود إلى تخريب “المشروع”.

مشكلة الدوغمائيين أنهم يفضلون الانتحار على الظهور بمظهر المتنازل

ربما يكون بعض هؤلاء العقائديين مؤمنين فعلاً بالبشير ملهماً وقائداً لا يمكن استبداله، لكن الأكيد أن غالب الجوقة، التي كانت تطالب باستبقاء الرئيس، حتى بعد استكمال عقده الثالث في الحكم، إنما كانت تفعل هذا لأسباب تتعلق بمصالحها، التي تشكلت خلال كل هذه السنوات من خلال شبكة معقدة من العلاقات، التي تقود في نهاياتها إلى البشير، والتي سوف يكون استئنافها صعباً في حال اختفائه.

يشبه هذا إلى حد كبير ما يحدُث داخل أسوار النظام الإيراني، حيث العقدة الحقيقية في انقسامه بين تيارين، يرى أحدهما أن تقديم تنازلات معقولة قد يوفر مالاً ودماء كثيرين، فيما يرى التيار المتشدّد أن التنازل يعني التلاعب بعقيدة النظام، وهذا إن حدث سوف تفقد الدولة شرعيتها، ما قد يقود إلى التآكل والسقوط. يظهر هذا التيار، الذي يمتلك كل أدوات السيطرة على المجال العام، بشكل أقوى، ممثلاً وحيداً للنظام، فيما لا تجد الأصوات الأكثر اعتدالاً، حتى في داخل الطبقة الحاكمة، الفرصة لطرح أفكارها.

تخبرنا التجارب الماثلة أن تكلفة الارتهان للعقيدة واعتبار أي طرح براغماتي بمثابة الخيانة تكون كبيرة، ليس فقط على الحزب، بل على الدولة وعلى مجمل المواطنين. مشكلة الدوغمائيين أنهم يفضلون الانتحار على الظهور بمظهر المتنازل.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى