بين الحرب والمفاوضات

علي العبد الله

جاء إعلان نائب الرئيس الأميركي، جيه دي فانس، فشل المفاوضات مع إيران ليثير أسئلة كثيرة وصعبة: هل ذهبت الإدارة الأميركية إلى المفاوضات تحت ضغط تطورات المواجهة العسكرية، وما ترتّب على الرد الإيراني، من قصف الكيان الصهيوني والقواعد الأميركية في دول الخليج العربية، وقصف بنى تحتية لهذه الدول، وإغلاق مضيق هرمز والتهديد بإغلاق مضيق باب المندب، وفي الاقتصاد الدولي، ارتفاع أسعار الطاقة والتأمينات على ناقلات النفط والغاز واضطراب الأسواق والتضخم، وما يمكن أن يترتب على استمرار الوضع لفترة أطول من تبعات جيواقتصادية وجيوسياسية وجيواستراتيجية؟ أم ذهبت هذه الإدارة إلى إسلام أباد للاتفاق على حل يمتصّ الحرج الأميركي، ويخرج الرئيس، دونالد ترامب، من حفرةٍ أوقعه فيها رئيس وزراء الكيان الصهيوني، بنيامين نتنياهو؟ أم ذهبت لتبرّر مواصلة الحرب/ العدوان، بعد أن بدأ الرأي العام الأميركي في التعبير عن استيائه من انعكاساتها على وضعه المعيشي بدفع إيران إلى الرفض عبر رفع سقف المطالب، صفر تخصيب وتسليم اليورانيوم المخصب إلى درجة 60% وفتح مضيق هرمز؟

لا يمكن الجزم في ذلك، لكن وضع إعلان ترامب “أن إيران رفضت التخلي عن برنامجها النووي” إلى جانب قول فانس: “إن إيران رفضت التعهد بعدم إنتاج أسلحة نووية”، يشي بأن الذهاب إلى المفاوضات طُعم قُدّم إلى الرأي العام الأميركي، كي يتقبل استمرار الحرب وتبعاتها، وقصر مدة المفاوضات، 14 ساعة وفق مسؤول إيراني، ومغادرة الوفد الأميركي العاصمة الباكستانية فوراً بعد انتهاء الجلسة، وقرار فرض حصار على مضيق هرمز، تأكيد عملي لذلك.

يرتبط توقف الحرب/ العدوان على إيران بتحقيق أهدافها أو بالتسليم باستحالة هذا، خصوصاً بالنسبة إلى الرئيس الأميركي الذي يدير المواجهة لتحقيق أهداف عديدة: السيطرة على نفط إيران واستخدامه في الضغط على الصين وعرقلة صعودها، تنفيذاً لرؤيته التي يسمّيها “الهيمنة الأميركية في مجال الطاقة”، قال إنه يريد الاستحواذ على موارد الطاقة الإيرانية بعد انتهاء النزاع، وأضاف: “الغنائم تكون من نصيب المنتصر”، وتحويل إيران إلى دولة حليفة وقاعدة للتحرّك الأميركي في آسيا الوسطى لقطع طريق الحرير والسيطرة على موارد الإقليم من النفط والغاز والمعادن النادرة. وقالت تعليقات أميركية وأجنبية إن ثمة هدفاً ذاتيّاً لترامب، يتمثل بإشغال الرأي العام الأميركي عن ورود اسمه في ملفات عميل الموساد جيفري إبستين، وإن ما فعله منذ عودته إلى البيت الأبيض، حملة فرض الجمارك على السلع المستوردة والمطالبة بقناة بنما ودعوة كندا إلى الانضمام إلى الولايات المتحدة لتصبح الولاية الواحدة والخمسين، والمطالبة بشراء جزيرة غرينلاند من الدنمارك واختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو وزوجته، هدفه التغطية على هذه الملفات، لأن إدانته في التورّط في هذه الملفات لا تسمح بإقالته فقط، بل وبإحالته على القضاء وسجنه.

غير أن ما حصل: صمود إيران تحت القصف 40 يوماً، وردّها الذي طاول دولاً، وإغلاق مضيق هرمز، وما ترتّب على هذا من خسائر مباشرة للكيان الصهيوني ودول الخليج العربية، وانهيار أسواق الطاقة، قد فرض البحث عن مخرج دبلوماسي مع الاحتفاظ بأهداف العدوان. لذلك، أخذت المفاوضات في إسلام أباد صيغة تقديم عرض أميركي نهائي، والانسحاب بالتوازي مع حشد قوات برمائية ورفع جاهزية القوات الموجودة في الدول المجاورة والبحار والمحيطات وسيلة ضغط على الجانب الإيراني لدفعه إلى قبول العرض.

أمام نجاح المسار الدبلوماسي عقبات كثيرة وكبيرة بدءاً برغبة ترامب في تحقيق إنجاز عسكري أو اقتصادي يعزّز فرص حزبه، الجمهوري، في انتخابات الكونغرس النصفية

لا يشكل الصمود الإيراني العامل الوحيد الذي ضغط على ترامب، ودفعه إلى التفاوض. هناك اهتزاز صورته على خلفية شيوع تعليقات في الإعلامين، الأميركي وغير الأميركي، تقول إنه يحارب عن الكيان الصهيوني، وليس للولايات المتحدة مصلحة في هذه الحرب، بالإضافة إلى رد فعل أعضاء في الكونغرس والنخبة السياسية الأميركية التي استفزّها ما نشر عن الدور الذي لعبه كل من رئيس وزراء الكيان الصهيوني، بنيامين نتنياهو، ورئيس الموساد، دافيد برنياع، في إقناع ترامب بحصول تغيير سريع للنظام الإيراني خلال الحرب، وقد أعلن عضو الكونغرس رو خانا استياءه من وجود نتنياهو في غرفة العمليات في البيت الأبيض، بعد نشر صحيفة نيويورك تايمز تقريراً أفاد بأن “نتنياهو زار البيت الأبيض في 11 فبراير/ شباط الماضي، وشارك في عرض سرّي عالي المستوى مع ترامب ومسؤولين أميركيين داخل غرفة العمليات، وهي خطوة نادرة لقائد أجنبي”، اعتبرها خيانة للأميركيين.

تفيد تقديرات كثيرة بتعادل فرصتي التوصل إلى اتفاق سياسي والعودة إلى الحرب، فالتوصل إلى اتفاق حاجة أميركية ودولية، لإعادة الاستقرار إلى أسواق الطاقة، وخصوصاً الغاز، لارتباطه بصناعة الأسمدة التي تحتاجها الزراعة، فارتفاع الغاز يقود إلى ارتفاع ثمن الأسمدة، وارتفاعها يقود إلى ارتفاع تكلفة إنتاج الغذاء، ولجم التضخم وما يثير من ردود فعل شعبية على ارتفاع الأسعار، وحاجة أوروبية خاصة، كي يعود الاهتمام بأوكرانيا واستئناف تزويدها بالأسلحة والذخائر، بالإضافة إلى حرمان روسيا الفوائض المالية التي حصلت عليها نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز. فيما تقف خلف استئناف الحرب دول، الكيان الصهيوني الذي لم يحقق أهدافه التي تمثلت بإسقاط النظام الإيراني وتدمير قدراته النووية والصاروخية والبنية الصناعية المرتبطة بها، وخوفه من استئناف إيران نشاطها في مجالات تخصيب اليورانيوم وصناعة الصواريخ والمسيّرات وتطويرها، لتكون أكثر دقة وقوة تدميرية، بالتركيز على رفض مقولتي “لا يوجد حل عسكري لـ”الصراع”” و”كل حرب تنتهي بنوع من الاتفاق أو التفاهم”، تدعمه في هذا جماعات ضغط صهيونية في الولايات المتحدة وأوروبا، ودول خليجية باتت تخشى العيش مع إيران وما لديها من صواريخ ومسيّرات، بعد أن غدت أكثر جرأة، كذلك فإنها لا تستطيع التغاضي عن سيطرة إيران على مضيق هرمز، الممرّ الرئيسي لمعظم تجارتها، ما يسمح لها بخنق الخليج متى شاءت.

يرتبط توقف الحرب/ العدوان على إيران بتحقيق أهدافها أو بالتسليم باستحالة هذا، خصوصاً بالنسبة إلى الرئيس الأميركي الذي يدير المواجهة لتحقيق أهداف عديدة

واقع الحال أن أمام نجاح المسار الدبلوماسي عقبات كثيرة وكبيرة، بدءاً برغبة ترامب في تحقيق إنجاز عسكري أو اقتصادي يعزّز فرص حزبه، الجمهوري، في انتخابات الكونغرس النصفية في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، إنجاز يمكن أن ينسبه إلى نفسه يخفّف من البطالة والتضخم، ويحسّن سوق الأسهم في البورصة. وهذا سيدفعه إلى التشدّد مع إيران على أمل دفعها إلى الاستسلام أو القبول بطلباته الرئيسة، صفر تخصيب وتسليم اليورانيوم عالي التخصيب، وفتح مضيق هرمز.

القيادة الإيرانية الجديدة، قيادة الحرس الثوري، هي الأخرى عقبة أمام نجاح المسار الدبلوماسي لأنها بحاجة إلى تسويق نفسها والحصول على شعبية وطنية. لذا، تقمّصت موقف المنتصر وتريد صرف انتصارها مقابل مكاسب مباشرة، خصوصاً أنها أمام استحقاقات ضخمة: إعادة الإعمار، وإعادة ترميم القدرات العسكرية وحل مشكلات المواطنين المعيشية والخدمية، ما يعني أنها بحاجة إلى أموال طائلة، ولذا ستتمسك بموقفها في عدة نقاط: حقّ التخصيب، فرض السيادة على مضيق هرمز، ما يمنحها حق فرض رسوم عبور، حصل واستوفت من ناقلات عبرت المضيق مبلغ مليوني دولار. من طرائف ترامب أنه ألمح إلى المطالبة بحصة من هذه الرسوم، رفع العقوبات وإعادة الأموال المجمّدة في البنوك الأجنبية، قدّرتها القيادة الإيرانية بـ 120 مليار دولار. روسيا والصين من الدول التي تراهن، من دون إعلان مباشر، على استمرار الحرب لاستنزاف الولايات المتحدة وأخذ دروس من إدارتها الحرب والأسلحة التي استخدمتها، خصوصاً روسيا التي استفادت من ارتفاع أسعار الطاقة ومن تحويل الأسلحة والذخائر التي كانت مخصّصة لأوكرانيا إلى الشرق الأوسط، وتوظيف تخبّط الولايات المتحدة واهتزاز صورتها وخسارة حلفائها في الترويج لسياساتها.

اتفقت تقديرات سياسية على ثلاثة سيناريوهات: استئناف التفاوض تحت الضغط، العودة إلى التصعيد واستئناف الحرب بصورة أوسع أو تنفيذ عمليات محدودة، وخصوصاً في مضيق هرمز والجزر الإيرانية، إنهاء الحرب من دون اتفاق.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى