
يأتي الفنان جهاد عبدو إلى موقع المدير العام للمؤسسة العامة للسينما، حاملاً معه تجربة طويلة أمام الكاميرا وخلفها، وتجربة فنية امتدت بين المسرح والدراما والسينما، قبل أن ينتقل إلى مساحة مختلفة تضعه اليوم أمام مسؤولية إدارة مؤسسة ترتبط بواحدة من أهم أدوات التعبير الثقافي والفني. الانتقال من موقع الفنان إلى موقع المسؤول الإداري ليس انتقالاً بسيطاً؛ فالممثل الذي اعتاد أن يبحث عن الشخصية المناسبة والدور المختلف يجد نفسه اليوم معنياً بمشهد أوسع، وبأسئلة تتجاوز حدود الفيلم الواحد إلى أسئلة الإنتاج، والكوادر، والتمويل، والمواهب، والمهرجانات، والعلاقات السينمائية العربية والدولية، والأهم من ذلك كله: كيف يمكن للسينما السورية أن تستعيد قدرتها على الحضور والتأثير؟
ومع جهاد عبدو، لا يبدو الحوار مجرد حديث عن مؤسسة أو منصب إداري، بل محاولة لقراءة واقع السينما السورية من داخلها، والاقتراب من الملفات التي ظلت حاضرة في نقاشات السينمائيين والجمهور على حد سواء.
أسئلة كثيرة تفرض نفسها في لحظة تبدو فيها السينما السورية بحاجة إلى أكثر من مجرد إنتاج أفلام جديدة؛ إنها بحاجة إلى رؤية تعيد وصل الماضي بالمستقبل، وتحافظ على ما راكمته التجربة السورية من خبرات، وفي الوقت نفسه تفتح الباب أمام لغة سينمائية جديدة تتعامل مع التحولات التقنية والفنية والجمالية التي يشهدها العالم. وفي هذا الحوار، يتحدث جهاد عبدو مع “سورية الجديدة” عن تجربته الجديدة، وعن المؤسسة التي يديرها، وعن طموحاته للمرحلة المقبلة، ويضع أمامنا رؤيته لمستقبل السينما السورية، بين واقع مليء بالتحديات ومساحة واسعة من الطموح.
التمويل ليس المشكلة الوحيدة للسينما السورية، لدينا أيضاً حاجة إلى تطوير النصوص، ورفع مستوى التدريب التقني والفني، وتحديث البنية التحتية، وإعادة تأهيل دور العرض
* شاركتَ أخيراً في قمة “لوميير” في فرنسا، والتقيتَ بشخصياتٍ فنية عالمية، مثل جورج كلوني، فماذا تركت لديك من انطباع إيجابي قد يفيد السينما السورية؟
كانت قمة لوميير بالنسبة لي ولمؤسّسة السينما السورية التي كانت منعزلة عن العالم فرصة لنرى كيف يفكر العالم في مستقبل السينما، وكيف يمكن للسينما أن تتجاوز الحدود السياسية والجغرافية والثقافية. جمعت القمة أكثر من مائتي شخصية فاعلة من منتجين ومديري محطات وبنوك ومواقع التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى خبراء في التكنولوجيا وصنّاع القرار من عشرات الدول، وكان أحد أهم محاورها بناء تحالفات جديدة لمواجهة التحوّلات التي تعيشها الصناعة السمعية البصرية، وخصوصا الحماية من القرصنة والذكاء الاصطناعي. أما اللقاء مع جورج كلوني، فكان جميلاً على المستويين الإنساني والفني، لكن الأهم بالنسبة لي الشعور بأن السينما السورية يمكن أن تكون جزءاً من هذا الحوار العالمي، وليس مجرد متلق للدعم.
عدتُ من فرنسا وأنا أكثر إيماناً بأن لدينا فرصة حقيقية لإعادة ربط السينما السورية بالمؤسّسات والمهرجانات والمنتجين وصناديق التمويل العالمية. ما أبحث عنه هو شراكات حقيقية تتيح للسينمائي السوري أينما كان أن يقف على قدميه ويصل إلى العالم بفيلمه وقصته وموهبته.
* ما العوائق التي تواجه الإنتاج السينمائي اليوم في سورية؟
عوائق عديدة، أولها التمويل، وآخرها القوانين الجامدة التي تكبل الإبداع. صناعة السينما تحتاج إلى استثمار طويل الأمد وإلى مصادر تمويل متعددة، وإلى بنى تحتية، وليس إلى مصدر واحد. لكن التمويل ليس المشكلة الوحيدة، لدينا أيضاً حاجة إلى تطوير النصوص، ورفع مستوى التدريب التقني والفني، وتحديث البنية التحتية، وإعادة تأهيل دور العرض، وتطوير الأرشيف السينمائي ومعالجته، وخلق بيئة إنتاج قادرة على استقطاب المشاريع الأجنبية. وأعتقد أن أحد أهم التحدّيات الانتقال من فكرة أن الفيلم مشروع فردي إلى اعتبار السينما صناعة متكاملة لها منتج وممول وموزّع ومهرجان وجمهور وسوق.
* اللغة السينمائية تحتاج إلى كتّاب يمتلكون رؤى وتقنيات خاصة في هذا المجال… هل تتوفر اليوم هذه الإمكانات؟
لدينا مواهب حقيقية، ولدينا كتّاب ومخرجون قادرون على تقديم أفكار مهمة، لكن الموهبة وحدها لا تكفي. تحتاج السينما بيئة تسمح للموهبة بأن تتطور. فالسينما من الصناعات المهمة عالمياً وعناصرها غير متوفرة حالياً في سورية. نحتاج إلى ورش كتابة منتظمة، وإلى مستشارين للسيناريو، وإلى الاحتكاك بتجارب عربية ودولية مختلفة حتى نرتقي بالمستويين الفني والمهني، والأهم أن نمنح الكاتب الوقت الكافي لتطوير السيناريو، لأن السيناريو الجيد لا يولد دائماً من المحاولة الأولى. وأنا أؤمن تحديداً بأن الاستثمار في الكاتب هو استثمار في الفيلم قبل أن يبدأ تصويره.
* نحن اليوم أمام متغيرات فكرية وسياسية واجتماعية تفرض حضورها، ما الدور الذي يمكن للسينما أن تقوم به في ظل هذه المتغيّرات؟
لا تستطيع السينما أن توقف المتغيّرات، لكنها تستطيع أن تجعلنا نفهمها ونتعامل مع المتغيّرات بشكل أفضل لحماية مجتمعاتنا وإيجاد تعاطف بين البشر ومساحات للفهم والنقاش. الفيلم الجيد لا يقدّم بالضرورة إجابة جاهزة، وإنما يطرح سؤالاً يجعل الإنسان يفكّر في نفسه وفي الآخر، وأن يعيد النظر في خياراته. في مجتمعاتٍ تمر بتحولات كبيرة، تصبح السينما مساحة للحوار واستعادة الذاكرة ومواجهة الأسئلة الصعبة. وأعتقد أن السينما السورية تحديداً أمام مسؤولية كبيرة: أن تحكي قصص السوريين بكل تنوعهم وتعقيدهم، وأن تحفظ ذاكرتنا، وأن تفتح الباب أمام المستقبل، من دون أن تتحول إلى خطاب سياسي مباشر.
هدفي أن تصبح المؤسّسة العامة للسينما منصة تربط المشروع السوري بمصادر التمويل العالمية، وأن نعمل على تطوير مشاريع قابلة للإنتاج المشترك، بحيث لا تبقى الأفلام السورية محصورة في الإمكانات المتاحة محلياً
* هل ننتظر من إدارتكم المبادرة بإقامة دورات إخراج جديدة، ومسابقات لكتابة السيناريو بغية تقديم وجوه جديدة في هذا الميدان؟
نعم، وهذا جزء أساسي من رؤيتنا للمرحلة المقبلة. نحن نطمح إلى مؤسّسة تبني أجيالاً جديدة من السينمائيين. لذلك نعمل على أن تكون هناك ورش ودورات في الإخراج والسيناريو والإنتاج والتصوير والمونتاج، وأن تكون هذه البرامج مرتبطة بمشاريع حقيقية وليس مجرّد شهادات تدريبية. كما نريد أن نفتح الباب أمام مسابقات للسيناريو والمشاريع الأولى، لأن السينما السورية بحاجة إلى دعم المواهب الموجودة، وكذلك إلى دماء جديدة وأصواتٍ قد لا تكون معروفة اليوم، لكنها يمكن أن تصبح أسماء مهمة غداً.
* اتسم الإنتاج السينمائي بالتقشّف الشديد بسبب قلة الموارد المالية. ما خطّتكم في هذا المجال، وهل هناك مصادر تمويل يمكن الاعتماد عليها غير المصادر الرسمية؟
بالتأكيد، لا يمكن أن يكون مستقبل السينما السورية مرتبطاً بالتمويل الحكومي وحده. نحن نحتاج نموذج تمويل متعدد المصادر: التمويل العام، والاستثمار الخاص، والشراكات مع المنتجين العرب والأجانب، وصناديق السينما الدولية، والإنتاج المشترك، والمهرجانات والمؤسسات الثقافية. والتجربة الدولية تؤكد أن قوة السينما في أي بلد لا تقوم فقط على حجم ميزانية الدولة، وإنما على قدرتها على جذب رؤوس الأموال والخبرات والشركاء من الخارج، قدمت خطة لوزارة الثقافة تطرح هذه الفكرة ونحن بانتظار رؤية الحكومة للنهج الثقافي عامة وللسينما خاصة. هدفي أن تصبح المؤسّسة العامة للسينما منصة تربط المشروع السوري بمصادر التمويل العالمية، وأن نعمل على تطوير مشاريع قابلة للإنتاج المشترك، بحيث لا تبقى الأفلام السورية محصورة في الإمكانات المتاحة محلياً.
* الحرية من أهم شروط الإبداع، وقد كان سيف الرقابة، في الماضي، مسلطاً على الإبداع والإنتاج. كيف تنظرون إلى هذه القضية؟
هذه من أهم القضايا التي يجب أن نتعامل معها بوضوح وشفافية، السينما تحتاج إلى مساحة حقيقية للتعبير، لأن الفنان إذا كان خائفاً من السؤال الذي يطرحه، فلن يستطيع أن يقدم فناً حقيقياً. وفي الوقت نفسه، هناك فرقٌ بين وجود أطر قانونية وتنظيمية وأن تتحول الرقابة إلى عائق أمام الإبداع، ما نحتاجه إطار واضح وشفاف يعرفه السينمائي مسبقاً، وليس قرارات غامضة أو متغيرة.
بالنسبة لي، يجب أن تكون المؤسّسة شريكاً للسينمائي، لا خصماً له. ودور المؤسسة أن توجد البيئة التي تسمح للفنان بأن يعمل، وأن يكون الحوار مع صنّاع الأفلام قائماً على الوضوح والاحترام والمسؤولية.
* كيف يمكن للسينما أن تسهم في تعزيز الهوية الثقافية والحوار المجتمعي؟
تحفظ السينما ما يمكن أن تنساه الذاكرة. عندما نصوّر مدينة، أو قرية، أو لهجة، أو أغنية، أو حكاية عائلية، أو تفاصيل الحياة اليومية، فنحن نوثق جزءاً من هوية المجتمع. لكن الهوية ليست شيئاً جامداً. تستطيع السينما أن تعرّفنا بأنفسنا، وفي الوقت نفسه تعرّفنا بالآخر. ولهذا أرى أن السينما يمكن أن تكون من أهم أدوات الحوار بين السوريين، وبين سورية والعالم. وأتمنى أن نصل إلى مرحلة يرى فيها السوري نفسه على الشاشة بكل تنوّعه، وأن يرى الآخر سورية بعيداً عن الصور النمطية التي اختزلتها بها السنوات الماضية.
حريص أيضاً على ألا تكون عودتي إلى التمثيل لمجرد الظهور في عمل جديد، بل أريد أن تكون العودة من خلال مشروع يستحق أن أقوله اليوم
* ما دور الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة في مستقبل الإنتاج السينمائي؟
سيغيّر الذكاء الاصطناعي صناعة السينما، أحببنا هذا أم لا. وقمة لوميير نفسها وضعت هذه المسألة في قلب النقاش العالمي حول مستقبل القطاع، إلى جانب التمويل والتعليم الإعلامي وحقوق العاملين في الصناعة. أنا لا أراه بديلاً عن الفنان، وإنما أداة جديدة يمكن استخدامها في الكتابة الأولية، والتطوير البصري، وما قبل الإنتاج، والمؤثرات، والترجمة، والأرشفة والترميم. لكن هناك خطوطاً يجب أن تكون واضحة، خصوصاً فيما يتعلق بحقوق المؤلف والممثل والموسيقي والمصوّر واستخدام أعمالهم وبياناتهم من دون موافقة. علينا ألا نخاف من التكنولوجيا، ولكن أيضاً ألا نسمح للتكنولوجيا بأن تلغي الإنسان من العملية الإبداعية.
* ما العوامل التي تجعل دولة أو مدينة ما وجهة مفضلة لصناعة الأفلام؟
هناك خمسة عناصر أساسية: الأمن والاستقرار، والبنية التحتية، والحوافز المالية، وسهولة الحصول على التراخيص، وتوفر الكفاءات المهنية والقضاء على البيروقراطية التي نعاني منها كثيراً، لكنْ هناك عنصر آخر لا يقل أهمية: أن يشعر المنتج الأجنبي أن البلد يريد وجوده ويساعده على إنجاز فيلمه.
تمتلك سورية مقومات مهمة جداً: تنوع جغرافي كبير، مدن تاريخية، مواقع أثرية، طبيعة متنوعة، وطاقات بشرية لديها خبرة طويلة في السينما والتلفزيون، إذا استطعنا بناء البيئة المناسبة، يمكن أن تصبح سورية موقعاً مهماً للإنتاجين، الإقليمي والدولي.
* كيف تتخيّل شكل صناعة السينما السورية بعد عشر سنين؟
أتمنى أن نصل إلى صناعة سينمائية سورية أكثر استقلالاً وتنوعاً وانفتاحاً على العالم. وأتخيّل وجود صندوق وطني لدعم السينما، ونظام واضح للإنتاج المشترك، وأرشيف سينمائي رقمي حديث، ودور عرض تعمل في المدن السورية، ومهرجانات قوية، ومدارس وورش متخصّصة، وشركات إنتاج خاصة قادرة على المنافسة. وأتمنى أيضاً أن نرى أفلاماً سورية تصل إلى أهم المهرجانات والأسواق العالمية، ليس باعتبارها أفلاماً تمثل بلداً يمر بمرحلة انتقالية فقط، وإنما لأنها أفلام جيدة تستحق أن يشاهدها العالم.
* ما رأيك بالموسم الدرامي أخيراً، وهل يعتبر بمثابة الخطوة الأولى لعودة الألق للدراما السورية؟
أرى الدراما السورية تمتلك تاريخاً وجمهوراً وخبرة تراكمية لا يمكن تجاهلها، ولذلك عودة الألق ممكنة جداً. لكن لا أعتقد أن موسماً واحداً يكفي للحكم على عودة الصناعة. نحتاج إلى الاستمرارية، وإلى الاستثمار في الكتّاب والمخرجين والممثلين والتقنيين، وإلى تنويع الموضوعات والأشكال الإنتاجية.
كانت الدراما السورية مؤثرة عربياً لأنها قدّمت قصصاً وشخصيات قريبة من الناس، وفي الوقت نفسه، استطاعت أن تتميز بلغتها الخاصة، المطلوب اليوم الحفاظ على هذه الهوية مع تطويرها، وليس تكرار ما نجح في الماضي.
* هل من أعمال جديدة لك في الموسم المقبل؟
أركّز في هذه المرحلة بشكل أساسي على عملي في المؤسّسة العامة للسينما، وعلى بناء المرحلة الجديدة للمؤسّسة. وهذا يأخذ وقتاً وجهداً كبيرين، عملي ممثلاً هاجس دائم، لدي مشاريع أعمل عليها وأتمنى أن أعود إليها عندما تتوفر الظروف المناسبة، ومن بينها مشروع سينمائي أعمل عليه منذ فترة، وأطمح أن يكون إنتاجاً دولياً مشتركاً. وحريص أيضاً على ألا تكون عودتي إلى التمثيل لمجرد الظهور في عمل جديد، بل أريد أن تكون العودة من خلال مشروع يستحق أن أقوله اليوم، بصفتي فناناً عاش تجربة طويلة بين سورية والعالم، وعاد ليشارك في بناء مرحلة جديدة للسينما السورية.
المصدر: العربي الجديد






