هؤلاء ومتلازمة تشاوشيسكو

  معن البياري

وحدَه الرئيس الروماني المخلوع، نيكولاي تشاوشيسكو، لم ينجح في الفرار من بلده، لمّا اشتدّت المظاهرات ضدّه، وهو “القائد العظيم” على ما خلع على نفسه، احتشد المتظاهرون قدّام قصره، في ذلك النهار في الأسبوع الأخير من ديسمبر/ كانون الثاني 1989، بينما كان يخطبُ في الشعب على الهواء مباشرةً في التلفزيون. سمع هتافاتهم ضدَّه فتوقّفت الصورة على الشاشة دقائق، ثم تسلّل مع زوجته عبر سردابٍ إلى مروحيةٍ نقلتهما خارج بوخارست، وفي سيارةٍ صغيرةٍ سرقَها أَعوانُه في مزرعةٍ، قبض عليهما فلاحون، ثم سيقا إلى المحاكمة، وكانت باهرةً (نعم باهرةً) في جلسة مساءلته محاولتُه إِسكاتَ زوجته عندما توسّلت إلى القضاة والمدّعين، وكأنَّه أراد لشخصه شيئاً من الكبرياء. نجح قبله شاه إيران، محمد رضا بهلوي (1979) في الفرار إلى الخارج، قبل أن يُستضاف في مصر. نجح رئيس أوغندا، عيدي أمين، في الهروب إلى ليبيا، بعد أن أمكن للمعارضة (والقوات التنزانية) السيطرة على العاصمة. نجح رئيس هاييتي (مدى الحياة)، جان كلود دوفالييه، في الهروب إلى فرنسا، في غضون ثورة شعبية ناقمة على استبداده وفساده (1986). نجح ثلاثتهم قبل تشاوشيسكو، كما غيرهم بعده، كانوا أكثر “نباهة” منه، عندما لم “تزبُط” عملية فراره، وإنْ في البال أن معمّر القذافي (ملك ملوك أفريقيا على ما نتذكّر!) كان بالغ الغباء لمّا ظنّ (2011) أن حشْر نفسه في أنبوب صرفٍ صحي في سِرت سيُنجيه، وكنّا نشتهي عدم قتله في الحين، لنراه في قفص محكمة. وليس أقلَّ غباءً منه صدّام حسين الذي افترض أن إقامته في حفرة (ديسمبر/ كانون الأول 2003) ستعمي الأميركان عنه إذا ما وشى به واشٍ.
كاد السيناتور البرازيلي فلافيو بولسونارو أن يصير رئيساً لبلاده، لولا صناديق اقتراع جرى فرزُها في ما تبقى من وقتٍ لعدّ أوراق التصويت وحِسبتها، بعد انتخابات صعبة مع منافسه الرئيس لولا دا سيلفا (51.79% مقابل 48,21)، لكن الخبر الحسن جاء بإخفاقه. كاد أن يكون رئيساً، وهو نجل الرئيس الأسبق، المعتقل حالياً في إقامة جبرية طويلة، لكنه صار فارّاً. نجح في الهروب من البلد، برفقة زوجته وابنتيه، إلى الأرجنتين، بعوْنٍ مخطّط جيداً من عنصر سابق في الموساد الإسرائيلي، على ما قالت الأخبار، وإنْ هي إلا ساعات، حتى شوهد في الولايات المتحدة. ليُتيح لنا، نحن كتّاب التعاليق في الصحافة، أن نستدعي من أرشيف الرؤساء الهاربين من بلادهم، ليتفادوا “متلازمة تشاوشيسكو”. ولا يحتاج واحدُنا إلى فراسة زرقاء اليمامة ليعرف أن الفارّ بشّار الأسد كان سيُشاهد في قفص العدالة في دمشق، إذا أفلت من مصير زميله معمّر القذافي. ولأن سورية ليست كما مصر، لم يأت في ذهن الأسد الابن مثالُ حسني مبارك الذي آثر البقاء في بلاده، أياً كانت الاحتمالاتُ بشأنه بعد إسقاطه من الرئاسة، بل رأى أن يقتدي بزين العابدين بن علي الذي أنقذ رأسه بالهروب من تونس إلى  بلدٍ يستضيفه (السعودية)، وتلك روسيا تهيئ للأسد مُراده. ولم تخدمه الظروف، كما خدمت جعفر النميري الذي نشبت الثورة في السودان ضده (1985) فيما هو خارج بلاده، وظلّ خارجها.
ليس سؤالاً ملغزاً عن الدوافع التي تجعل رؤساء دولٍ لا يختارون سوى الهرب من البلد ساعة يُطالَبون بمغادرة السلطة، ذلك أن هذه السلطة في أفهامهم تسلّطٌ واستقواءٌ وسرقةٌ واستعلاء. فقد كان غريباً من أدونيس قوله إنه كان على بشّار الأسد أن يبقى ويدافع عن نفسه، فهو الرئيس، لمّا اقترب المسلحون من دمشق. سبقته في الفعل نفسه، قبل شهور (أغسطس/ آب 2025) رئيسة بنغلادش، الشيخة حسينة واجد، لم تطمئن للجيش الذي طلب منها الاستقالة، فرأت الفرار إلى الهند أسلم، وسط مظاهراتٍ ساخطةٍ عليها، وهي المتهمة بانتهاكات وفسادٍ كثير. كما أن رئيس أفغانستان، أشرف غني، قبلهما (2021)، كان متأكّداً من أن حركة طالبان لن تطوّقه بالورود عندما يجلس أحد رجالاتها مطرحه. وبعد شهور شوهد متظاهرون ساخطون في سريلانكا يسبحون في بِركة قصر الرئاسة في كولومبو الذي فرّ منه الرئيس راجاباكسا إلى المالديف.
صحيحٌ أن قصص الهاربين من قصور الرئاسة والسلطة والحكم مثيرةٌ ومغريةٌ للدراما والسينما، غير أن الأهم أنها تبعث على التفكّر في أقدار التاريخ ودواليب السلطة عندما تدور ثم تدور … وإلا كيف يهرُب شخصٌ من بلده، وكان رئيساً مرجّحاً قبل ساعات، وكيف صار “المنار المضيء للإنسانية”، على ما كان تشاوشيسكو يصفُ نفسه، طريداً ومُساءَلاً في محكمة.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى