عزمي بشارة: تراجع نتنياهو لا يعني هزيمة اليمين والمعارضة لا تقدم بديلا حقيقيا

قال المفكر العربي عزمي بشارة إن نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة كشفت عن أزمة سياسية عميقة داخل إسرائيل، في ظل عجز المعسكرين المتنافسين عن حسم الأغلبية البرلمانية وتشكيل حكومة، معتبراً أن ارتفاع نسبة مشاركة المواطنين العرب إلى 80 في المئة شكّل العامل الحاسم في حرمان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من الحصول على الأغلبية اللازمة لتشكيل ائتلاف حكومي.

وأوضح الدكتور بشارة، خلال مقابلة خاصة مع التلفزيون العربي، مساء الجمعة، أن معسكر نتنياهو تراجع من 64 إلى 53 مقعداً، بخسارة 11 مقعداً، في حين ارتفع تمثيل المعسكر المناهض له من 46 إلى 48 مقعداً، مشيراً إلى أن هذه الأرقام تعكس مأزقاً سياسياً لا يتيح لأي من الطرفين تشكيل حكومة منفرداً.

واعتبر أن الإنجاز الأبرز في الانتخابات تمثل في المشاركة الواسعة للمواطنين العرب، التي أسفرت عن حصول القوائم العربية على 19 مقعداً، مقارنة بعشرة مقاعد في الانتخابات السابقة، مؤكداً أن ارتفاع نسبة التصويت، وليس توحيد القوائم الانتخابية، كان العامل الأساسي وراء زيادة التمثيل العربي.

بشارة: سياسات نتنياهو دفعت العرب إلى صناديق الاقتراع

ورأى الدكتور بشارة أن الارتفاع غير المسبوق في نسبة التصويت العربي جاء نتيجة دوافع سياسية مرتبطة بسياسات حكومة نتنياهو، ولا سيما الحرب على قطاع غزة، والتضييق على حرية التعبير لدى الفلسطينيين في الداخل، إلى جانب الاعتداءات الإسرائيلية في الضفة الغربية ولبنان وسوريا.

وأشار إلى أن المواطنين العرب داخل إسرائيل شعروا خلال السنوات الأخيرة بتصاعد التهديدات الموجهة إلى حقوقهم ومكانتهم السياسية، ما جعل المشاركة الانتخابية وسيلة للتعبير عن الغضب والاحتجاج وإثبات الوجود وممارسة حق المواطنة.

وشدد على أن محاولات تفسير ارتفاع نسبة التصويت العربي بتدخلات خارجية أو حملات تمويل ودعاية تتجاهل الأسباب السياسية الحقيقية، معتبراً أن سياسات نتنياهو ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير كانت الدافع الأساسي وراء هذه التعبئة الانتخابية.

المعارضة الإسرائيلية لا تختلف جوهرياً عن نتنياهو

وفي قراءته للخريطة السياسية الإسرائيلية، أكد الدكتور بشارة أن القوى المناهضة لنتنياهو لا تشكل بديلاً سياسياً حقيقياً، موضحاً أن معظم مكوناتها تنتمي إلى اليمين الإسرائيلي، باستثناء ما تبقى من اليسار الصهيوني الذي تراجع حضوره بصورة كبيرة.

ولفت إلى أن انتقادات المعارضة لنتنياهو تتركز أساساً على أدائه الأمني وإدارته للحروب وعلاقته بالمؤسسات الإسرائيلية، ولا تنطلق من معارضة مبدئية للسياسات المتبعة تجاه الفلسطينيين.

وأضاف أن المعارضة لم تقدم مواقف جوهرية مختلفة بشأن الحرب على غزة أو العمليات العسكرية في لبنان وإيران، كما أنها لا تتبنى الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967 أو تفكيك المستوطنات أو إقامة دولة فلسطينية.

واعتبر أن تراجع اليسار الصهيوني يرتبط بتناقض مواقفه المعلنة مع السياسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني، فضلاً عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها إسرائيل خلال العقود الماضية.

سيناريوهات تشكيل الحكومة واحتمال انتخابات جديدة

وفي ما يتعلق بالمرحلة المقبلة، توقع بشارة أن تشهد إسرائيل مفاوضات معقدة لتشكيل الحكومة، في ظل طرح عدة سيناريوهات، من بينها تشكيل حكومة وحدة تضم نتنياهو وبعض قوى المعارضة، أو محاولة المعسكر المناهض له تشكيل ائتلاف بدعم الأحزاب العربية أو بعض الأحزاب الدينية.

وأشار إلى أن الولايات المتحدة والرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يدفعان، بحسب تقديره، باتجاه تشكيل حكومة وحدة وطنية، في حين قد يسعى نتنياهو إلى استمالة شخصيات أو مجموعات من المعسكر المنافس بما يضمن استمراره في رئاسة الحكومة.

ولم يستبعد بشارة التوجه إلى انتخابات جديدة في حال فشل محاولات تشكيل ائتلاف حكومي، مشيراً إلى أن المهل القانونية المحددة لتكليف المرشحين وتشكيل الحكومات تجعل المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد مستقبل المشهد السياسي الإسرائيلي.

اتهامات بالتدخل القطري وتحريض على العرب

وانتقد بشارة حملة التشكيك في نتائج الانتخابات التي يقودها معسكر نتنياهو، ولا سيما الاتهامات المتعلقة بارتفاع نسبة التصويت العربي والحديث عن تدخل قطري في العملية الانتخابية.

ووصف هذه الاتهامات بأنها حملة تحريض عنصرية تستند إلى نظريات المؤامرة، مؤكداً عدم وجود علاقة بين دولة قطر وارتفاع مشاركة المواطنين العرب في الانتخابات الإسرائيلية.

كما نفى الاتهامات الإسرائيلية التي تحدثت عن دور شخصي له في إدارة حملات لرفع نسبة التصويت، موضحاً أن عمله الأساسي يتمثل في البحث العلمي وإدارة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ورئاسة مجلس أمناء معهد الدوحة للدراسات العليا.

وأكد أن مواقفه السياسية الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني والقضايا العربية لا تعني ضلوعه في إدارة حملات انتخابية، مشدداً على ضرورة التمسك بالمواقف المبدئية وعدم التراجع عنها تحت ضغط حملات التحريض.

تغيير نتنياهو لا يعني تغيير السياسة الإسرائيلية في المنطقة

وفي شأن انعكاسات الانتخابات على المنطقة، رأى الدكتور بشارة أن رحيل نتنياهو عن رئاسة الحكومة، في حال حدوثه، لن يؤدي بالضرورة إلى تحول جوهري في السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين أو دول المنطقة.

وأوضح أن حكومة بديلة قد تكون أقل تصعيداً في بعض ممارساتها تجاه الفلسطينيين، وأكثر تجاوباً مع الولايات المتحدة، لكنها قد تسهم في تحسين صورة إسرائيل دولياً وتخفيف الانتقادات والعقوبات المحتملة ضدها، من دون تغيير جوهر سياساتها.

وحذر من المبالغة في التعويل العربي على نتائج الانتخابات الإسرائيلية لحل أزمات المنطقة، معتبراً أن هذا التعويل يعكس أزمة في الواقع العربي وتراجع القدرة على التأثير في مسار الصراع.

وأكد أن معالجة معظم القضايا التي تواجه المجتمعات العربية تتطلب حلولاً ومبادرات عربية بالدرجة الأولى، بدلاً من ربط مستقبل المنطقة بالتغيرات داخل المشهد الحزبي الإسرائيلي.

بشارة: المنطقة تقترب من خيار الاتفاق أو الحرب مع إيران

وفي ما يتعلق بالملف الإيراني، اعتبر بشارة أن القرار بشأن اندلاع حرب جديدة مع إيران لا يتوقف على نتنياهو، بل يرتبط بصورة أساسية بالرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ورأى أن المنطقة تقترب من مرحلة حاسمة قد تفضي إلى اتفاق مع إيران أو تجدد المواجهة العسكرية، مستبعداً استمرار حالة “اللاحرب واللاسلم” لفترة طويلة.

وأكد أن التوصل إلى اتفاق سيكون الخيار الأفضل لإيران ودول المنطقة، نظراً إلى ما قد يتيحه من فرص لخفض التصعيد ورفع العقوبات.

كما استبعد أن تؤثر نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي بصورة حاسمة في قرار الحرب، معتبراً أن هذا القرار سيظل مرتبطاً بمسار المفاوضات مع طهران وإمكان التوصل إلى تسوية.

وفي ختام المقابلة، رجح الدكتور بشارة تحقيق الديمقراطيين مكاسب في انتخابات مجلس النواب الأميركي، مع توقع منافسة شديدة على السيطرة على مجلس الشيوخ.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى