
شدد الرئيس السوري أحمد الشرع على ضرورة بناء العلاقات بين سوريا والعراق على المصالح والروابط المشتركة التي تجمع البلدين، وفي مقدمتها الاقتصاد والأمن والمياه والمعابر الحدودية والتنمية والزراعة، مؤكداً أن هذه المصالح يجب أن تكون مقدَّمة على أي سياسات مزاجية، وأن تُبنى بصورة تجعل من الصعب فك ارتباطها مستقبلاً.
وقال الشرع، في مقابلة مع قناة دجلة العراقية، إن “العلاقة بين سوريا والعراق يجب أن تكون طبيعية إلى حد كبير، ومبنية على روابط متينة وموثوقة، تشمل المياه والمعابر الحدودية والاقتصاد والتنمية والزراعة، وأن تُبنى هذه المصالح بطريقة يصعب فكها مستقبلاً”.
وأضاف أن “المصالح المشتركة بين سوريا والعراق ستبقى مُقدَّمة على أي سياسات مزاجية”، موضحاً أن القضايا التي تجمع البلدين “كبيرة جداً، وتشمل الملفات الأمنية والاقتصادية”.
وأكد الشرع أن الروابط الاقتصادية تمثل أساساً تاريخياً في العلاقات بين البلدين، قائلاً: “الروابط الاقتصادية بين سوريا والعراق هي الأصل الذي حادت عنه السياسات في السابق، وينبغي أن نعود إلى الأصل الذي ربط العراق بسوريا وسوريا بالعراق”.
وأشار إلى أن الأحداث الجارية أسهمت في تسريع العمل على تطوير هذه الروابط، مضيفاً أن “التوافق على هذه الروابط كان قائماً منذ اللحظات الأولى، سواء في بغداد أو دمشق”، وأن التركيز عليها بدأ خلال الاتصالات الأولى بين الجانبين، ولا سيما مع رئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني.
التعاون الاقتصادي والربط النفطي
وفي الجانب الاقتصادي والاستثماري، قال الشرع إنه “في المرحلة الأولى، وُقِّعت مذكرات تفاهم بشأن التعاون النفطي في الولايات المتحدة، كما زارت عدة شركات سوريا خلال العام الماضي، وكانت لديها استثمارات بمئات ملايين الدولارات، وبحثت عن فرص استثمارية تحقق المنفعة المتبادلة”.
وأضاف: “نصحت الشركات التي بحثت عن فرص استثمارية في سوريا بتوجيه استثماراتها إلى العراق، وأكدنا ضرورة إعادة بناء خطوط النفط إلى بانياس قبل أزمة مضيق هرمز، لما يمثله هذا المشروع من أهمية للعراق في المرحلة المقبلة، ولما يحققه من منفعة لسوريا أيضاً”.
وأوضح أن هذه الشركات توجهت إلى العراق خلال فترة حكومة رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، وجرى نقاش الأمر معه، إلا أن الحديث كان عاماً في ظل المرحلة الانتقالية آنذاك، قبل أن تُستكمل التطورات مع وصول رئيس الوزراء علي الزيدي.
وأكد الشرع استمرار العمل على مشروع الربط النفطي، بمشاركة مجموعة من الشركات الإقليمية والأميركية، لبناء منظومة متكاملة تشمل خطوط أنابيب النفط والتكرير وتأهيل البنى التحتية والمرافق المرتبطة بها.
وقال إن سوريا تشكل منفذاً استراتيجياً للعراق على البحر المتوسط، ويمكن أن تكون مساراً لربط ميناء الفاو بالمتوسط، في حين يمثل العراق ممراً يربط سوريا بالسعودية ودول الخليج.
كما أشار إلى أن موانئ المتوسط السورية يمكن أن تشكل وجهة لصادرات النفط العراقي، مؤكداً أن استقرار سوريا يصب في صالح العراق، كما أن استقرار العراق يصب في مصلحة سوريا، وأن إدارة السياسات بين البلدين ينبغي أن تنطلق من المشتركات وليس من المخاوف.
وفي سياق الاستثمارات المتبادلة، قال الشرع إن الاستثمارات العراقية في سوريا شهدت خطوات عملية، موضحاً أن قطاع الإسمنت يُعد من أوائل القطاعات التي شهدت استثماراً عراقياً بعد العهد الجديد، إلى جانب وجود فرص للتعاون في قطاعات أخرى.
وأكد أن الحدود السورية العراقية آمنة بشكل كامل، وأن هناك تنسيقاً مشتركاً بين الجانبين، مشيراً إلى النمو الذي شهدته حركة النقل والتجارة، مع عبور أكثر من 100 ألف شاحنة ترانزيت من سوريا إلى العراق ومن العراق إلى دول أخرى عبر سوريا، إلى جانب أكثر من 40 ألف شاحنة للاستيراد والتصدير بين البلدين خلال الأشهر الستة أو السبعة الماضية.
المياه والزراعة
ووصف الشرع ملف المياه بأنه من أهم المشتركات بين سوريا والعراق، داعياً إلى التعامل معه برؤية استراتيجية، والنظر إلى المساحات الزراعية في البلدين بوصفها سلة غذائية للمنطقة بأكملها.
وقال إن الموارد المائية بين سوريا والعراق ينبغي استثمارها بأفضل صورة ممكنة بما يحقق أعلى إنتاجية زراعية، موضحاً أن المساحات الزراعية في البلدين تُقدَّر بما بين 80 و100 مليون دونم، ويمكن أن تسهم في تلبية احتياجات ما بين 100 و130 مليون نسمة.
وأشار إلى أن الاستفادة من التقنيات الزراعية الحديثة، بالتعاون مع دول مثل الدنمارك وهولندا، من شأنها ترشيد استهلاك المياه وزيادة الإنتاج الزراعي، لافتاً إلى أن الدراسات تشير إلى إمكانية رفع الإنتاج بنحو 70 في المئة في بعض المناطق.
العلاقات الاجتماعية وزيارة مقام السيدة زينب
وشدد الشرع على أن العلاقات الاجتماعية بين سوريا والعراق تاريخية وتقوم على روابط الأنساب والعشائر، وأن مصير البلدين يرتبط ببعضه تاريخياً وحاضراً ومستقبلاً، معتبراً أن ما يجمع السوريين والعراقيين أكبر مما يفرقهم.
وقال إن الشعبين السوري والعراقي عانيا من الحروب والضغوط النفسية والاستبداد، وإنهما يشتركان في الألم، داعياً الجيل الحالي إلى امتلاك المبادرات الكافية لإنقاذ الأجيال المقبلة من تكرار الظروف ذاتها.
وأكد أن سوريا منفتحة بشكل كبير على تعزيز العلاقات الاجتماعية وتسهيل السفر وتنقل الأفراد بين البلدين.
وفيما يخص زيارة مقام السيدة زينب، قال الشرع إن الزيارة متاحة، وليس لدى سوريا مانع منها، لكنها تحرص على التأكد من سلامة الظروف الأمنية، ولا سيما في ظل محاولات بعض الجهات إثارة النعرات الطائفية، مشيراً إلى إلقاء القبض على أشخاص حاولوا استغلال هذا الملف.
وأضاف أن سوريا لا تنظر إلى علاقتها مع العراق من منظور طائفي أو عرقي، وإنما انطلاقاً من المشتركات التاريخية والاقتصادية والروابط العميقة بين البلدين.
ملف المعتقلين السوريين في العراق
وتطرق الشرع إلى ملف المعتقلين الذين سلّمتهم قوات التحالف إلى الحكومة العراقية، قائلاً إن الملف بُحث خلال لقاءات مع مجلس القضاء العراقي، وإن رئيس المجلس زار سوريا والتقى وزارة العدل، وجرى الاتفاق على وضع برنامج لمعالجة هذا الملف.
وأضاف أن بين المعتقلين عدداً من السوريين يتجاوز ثلاثة آلاف شخص، وأن بعضهم لا تربطهم صلة بالتنظيمات، مشيراً إلى أن العمل جارٍ على تصنيفهم إلى فئات، ثم النظر في مسؤولية سوريا عنهم وإمكانية إعادتهم إليها.
تجربة الشرع في العراق
وتحدث الرئيس السوري عن تجربته في العراق، قائلاً إنه توجه إلى البلاد عام 2003 “بدافع الغيرة والنخوة للدفاع عن العراقيين ومواجهة الاحتلال الأميركي”، مؤكداً أنه لم تكن لديه حينها أي ارتباطات تنظيمية أو سياسية أو عسكرية أو أمنية، وإنما ذهب بمبادرة شخصية.
وأوضح أنه دخل العراق قبل دخول القوات الأميركية بنحو أسبوع أو عشرة أيام، وأن دافعه الأساسي كان ما شعر به من مسؤولية تجاه الشعب العراقي في ظل ما كانت تشهده المنطقة من أزمات وآلام.
وقال الشرع إن الأخبار كانت تصل إليهم داخل السجن بعد أشهر من وقوع الأحداث في الخارج بسبب انقطاع التواصل، مضيفاً أن بين المعتقلين آنذاك شخصيات تتولى اليوم مسؤوليات سياسية في العراق.
وأكد أنه لم يكن هناك ما يدفعه إلى الذهاب للعراق سوى “الحميّة والغيرة والرغبة في الدفاع عن أهلنا العراقيين”، رغم أن حياته كانت مستقرة آنذاك وكان يتابع تعليمه ويعيش في ظروف مريحة.
وأشار إلى أن جزءاً من الطبقة السياسية في العراق واجهوا الاحتلال الأميركي، ودخلوا السجون ثم خرجوا منها، ومنهم من يتولى اليوم رئاسة أحزاب سياسية وما زالوا يعتزون بتلك التجربة.
وتابع: “كنا نقرأ في الكتب عن كرم العراقيين، فوجدناه حقيقةً على أرض الواقع، فهم أهل شهامة وكرم ونخوة وإقدام، وأعتز بهم وبالتجربة التي عشتها في العراق”.
وأضاف: “أعتز بتاريخي في العراق، وأؤكد أنني لم أعتدِ في حياتي على أي مدني أو شخص أعزل، ولدي مبادئ حرصت عليها خلال المواجهات العسكرية ونقلتها إلى كثير ممن عملوا معي، فهناك فرق كبير بين شرف القتال والقتل”.
“فرصة تاريخية” لسوريا والعراق
وقال الشرع إنه يحزن لما يحزن العراقيين ويفرح لما يفرحهم، معتبراً أن المنطقة تمر بمرحلة خطيرة، لكن سوريا والعراق ودول المنطقة تمتلك مقومات كبيرة تؤهلها لتكون دولاً مستقلة القرار وغير تابعة للآخرين.
وأضاف: “نحن أمام فرصة تاريخية لاستعادة القرار في المنطقة، وبناء شخصية قوية تستطيع التعبير عن إرادتها، بعيداً عن التجاذبات الدولية والإقليمية، والاحتلال والنزاعات الطائفية التي أنهكت شعوبنا”.
وأشار إلى أن سوريا والعراق يمتلكان قدرات كبيرة، لكن أكثر من 10 ملايين من أبنائهما يعيشون لاجئين في الدول الغربية بسبب عدم توافر فرص الحياة في بلدانهم، داعياً إلى التعاون لتهيئة الظروف المناسبة لعودتهم وتنمية الموارد البشرية.
وقال إن العراق وسوريا يمتلكان من القدرات ما يكفي لبناء دول قوية تحظى باحترام الآخرين وتحترم نفسها، معتبراً أن المرحلة الحالية تمثل “فرصة تاريخية” لم تتوافر للبلدين منذ عقود من الانقلابات والنزاعات والحروب الداخلية والطائفية.
وأضاف أن المجتمعات العراقية والسورية “تستحق منّا أن نكون صادقين مع أنفسنا، وأن نضع برامج تساعدها على الحياة والتنمية والازدهار”، قائلاً: “كفانا حروباً ونقاشات وجدالاً حول التاريخ الذي لم نعشه، فالمبالغة في قراءته قد تقود إلى مخاطر، كما أن قراءة الأحداث وفق ما نشتهيه لا تعكس بالضرورة واقعها”.
الشرع: ندعم حصر السلاح بيد الدولة في العراق
وفي الشأن الداخلي العراقي، قال الشرع إنه ينبغي استغلال الفرص الكبيرة المتاحة اليوم، مضيفاً: “أعتقد أن دولة الرئيس علي الزيدي مصر على محاربة الفساد، وهذا توجه مهم ينبغي للعراقيين دعمه”.
وأضاف أن تعدد الأذرع العسكرية المرتبطة بالقوى السياسية والفصائل يضعف الدولة، لأن توزيع القوة العسكرية على جهات متعددة يجعلها شريكة للدولة في القرار، ويخرجها عن الإطار القانوني والنظامي.
وتابع أن الدول تتعامل مع مؤسسات واضحة، مثل الجيش وحرس الحدود والشرطة ووزارة الداخلية، وأنه لم يعد بإمكان أي دولة استيعاب عدد كبير من التنظيمات العسكرية داخلها.
وشدد الشرع على أن “قرار السلم والحرب يجب أن يبقى حكراً على الدولة، فهو من أهم الأدوات التي لا ينبغي لها التنازل عنها، وهذا هو النهج الذي تقوم عليه الدول”.
وأشار إلى أن سوريا نجحت في بناء شبكة واسعة من العلاقات الدولية، وأصبحت قادرة على مد الجسور وتوضيح كثير من الالتباسات، ولا سيما ما يتعلق بالعراق وما شهدته المنطقة من نزاعات خلال الفترة الماضية.
ودعا إلى التعاون لإيجاد مخرج من الأزمات التي شهدتها المنطقة، والوصول إلى حالة طبيعية تمتلك فيها الدولة مؤسسات قوية، ويستعيد العراق وسوريا قوتهما الذاتية ومكانتهما الفاعلة في المنطقة.
وختم الشرع بالقول إن برنامج رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي “برنامج صحيح”، مضيفاً أن العراق لم يشهد استقراراً منذ عام 2003 حتى اليوم، ولم تتوافر للمجتمع العراقي الطمأنينة الكافية، معتبراً أن أكثر من عقدين من الزمن مدة كافية لبناء دولة قوية تستثمر جميع مقدراتها.
المصدر: تلفزيون سوريا






