
شملت المقابلة التي أجراها التلفزيون العربي، مع المدير العام لـ”المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” عزمي بشارة، انتخابات إسرائيل المقررة في 27 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، هو الذي ساهم لعقود في نضال المواطنين العرب من أجل حقوقهم الوطنية والقومية فيها، وكذلك انتخابات التجديد النصفي الأميركي في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، وارتباط هذين الاستحقاقين مع الأزمة في منطقة الخليج أو الحرب على إيران، ومعلوماته وتقديراته بشأنها، مروراً بحرب اليمن.
في الشأن الأول، لاحظ المفكر العربي أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يدعم بنيامين نتنياهو في انتخاباته لأنه شريكه في الحرب على إيران، ولـ”إكمال المهمة”، بمعنى أنّ “كل منهما وجد ضالته في الآخر” على حد تعبيره. أما في ما يتعلق بتقديراته ومعلوماته بشأن استئناف الحرب من عدمها على إيران، فرأى أن العالم يقترب من لحظة يكون فيها القرار الخاص بإيران إمّا تسوية أو حرب، لأن “الوضع القائم لا يمكن أن يستمر”.
ورغم أن بشارة ينبّه من أن “ما يهمنا كعرب، أي فلسطين والموقف من الدول العربية، لا يشمله الصراع على السلطة بين الأطراف الرئيسية في الانتخابات الإسرائيلية” داخل ما يسميها “القبيلة” الصهيونية، فإنه يعتبر أن هذه هي اللحظة التاريخية للتصويت العربي الكثيف للتخلص من حكومة نتنياهو ــ إيتمار بن غفير (وزير الأمن القومي) ــ بتسلئيل سموتريتش (وزير المالية).
أما في ما يخص حرب اليمن، فيلفت إلى أن الحوثيين غير قادرين على حكم اليمن، لكن في الوقت نفسه لا يمكن حكم اليمن باستثنائهم من السلطة لأنهم جزء عضوي من هذا البلد. أميركياً، لم يخفِ بشارة إعجابه بالجيل الجديد من يساريي الحزب الديمقراطي الأميركي وأشهر رمزيه زهران ممداني وعبد الرحمن السيد، من المتحالفين مع التيار اليساري “الناعم” في صفوف الحزب، بغض النظر عن قدرة الديمقراطيين على الفوز في انتخابات مجلس الشيوخ، مع أرجحية كبيرة لتحقيقهم الانتصار في مجلس النواب على الأقل.
انتخابات الكنيست: تصويت العرب قضية حياة أو موت
وكرر المدير العام لـ”المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” في الحوار مع التلفزيون العربي من الدوحة أن هناك “إجماعاً ضد الدولة الفلسطينية بين معسكري الموالاة والمعارضة الصهيونيتين المتنافسين في انتخابات يوم الثلاثاء المقبل. إجماع على الغطرسة في الإقليم تُترجم في حقيقة أن جميع الانتقادات لنتنياهو طابعها أمني، على خلفية فشله في منع عملية 7 أكتوبر 2023، وفي الدفاع عن إسرائيل وتجنيد الحريديم في الجيش”. بالتالي، فإنّ كل النقاش يتمحور حول “من هو أكثر عسكريتارية” في ظل إجماع على رفض الدولة الفلسطينية، والتمسك بنتائج ما يسميه بشارة “الهوان العربي الذي طاب للإسرائيليين” إلى درجة باتوا يتدخلون في أسماء الضباط اللبنانيين الذين يجب أن يُطردوا من صفوف الجيش، ويعبثون في نسيج مجتمعات عربية مثل ما يفعلون داخل طوائف في بلدان كسورية.
واستطرد في هذا السياق لاستثناء قضية واحدة من الإجماع الحاصل داخل “القبيلة”، وهي الانتفاضة الدستورية دفاعاً عن القضاء في إسرائيل والمحكمة العليا التي بدأت مطلع 2023، والتي تتعلق بنمط الحياة في إسرائيل بين الليبراليين اجتماعياً والمتدينين. لكنه ذكّر بأنه حتى في هذا الصراع، حصل إجماع على قانون يهودية الدولة.
ورداً على سؤال عن موقفه من التعبئة داخل المجتمع العربي في إسرائيل للتصويت بكثافة في انتخابات يوم الثلاثاء، تحدث بشارة عن ضرورة التصويت، لأنّ هذه المرة “ما عدا معاقبة حكومة الثلاثي (نتنياهو وبن غفير وسموتريتش)، هناك مسألة لعرب الداخل تتعلق بوجودهم وبكيانهم لأن هناك توجهاً عاماً لنزع الشرعية عنهم وعن دورهم، فالخروج إلى التصويت ردّ على نزع الشرعية عنهم، ولم تعد لديهم أدوات كثيرة، وأبرزها الانتخابات”، واختصر موقفه من الموضوع بالقول إن “هذه هي اللحظة التاريخية للتصويت العربي الكثيف”.
هذا أوان التصويت العربي الكثيف في انتخابات الكنيست: إنها مسألة حياة أو موت
وفصّل الأسباب الموجبة التي تجعل فلسطينيي 48 معنيين بشكل استثنائي في هذه الدورة الانتخابية، “ذلك أن لديهم دوراً في رفع صوتهم لأنهم قد يتعرضون مستقبلاً لما يتعرض له أشقاؤهم اليوم في الضفة الغربية وغزة، كذلك لأن دورهم أساسي في إسقاط حكومة نتنياهو ــ بن غفير ــ سموتريتش ومحاسبتها على الإبادة وعلى كل جرائمها التي لم يحاسبها عليها أحد”. وتوقع أن يحل حزب غادي أيزنكوت (يشار) أولاً في الانتخابات، وأن يكون ائتلافه أكبر أيضاً من دون أن يكون قادراً على تأليف حكومة من دون دعم الكتلة العربية. وهنا تساءل بشارة عما إذا كان أيزنكوت سيكرر ما فعله بني غانتس الذي بدل أن يقبل دعم العرب له، فضّل ترك رئاسة الحكومة.
ما يهمنا كعرب لا يشمله الصراع في الانتخابات الإسرائيلية، وإن انتُخب نتنياهو مرة أخرى فقد يعود أكثر غطرسة وإجراماً
وخلص إلى أن أيزنكوت إن أراد تأليف حكومة، فإنها ستكون حكومة أقلية يدعمها العرب من خارج صفوفها، وجزء منهم يود أن يتم تمثيله فيها، وفي هذا السياق، توقف عند حقيقة أنه في إسرائيل، أي حكومة بدعم عربي منذ اغتيال إسحاق رابين (1995) تُعتبر غير شرعية، وهذا أكبر دليل على نظام الأبارتهايد الإسرائيلي. وحذّر المفكر العربي من أن نتنياهو، إن انتخب مرة أخرى، فإنه قد يعود أكثر غطرسة وإجراماً، فكيف الحال في ظل وجود ترامب وتحالفهما؟ وختم في هذا الشأن بتأكيده أن واشنطن تدعم خيار تشكيل حكومة وحدة بين نتنياهو وأيزنكوت، جازماً بأن هذا سيكون صعباً.
حرب إيران… نقترب من نهاية انعدام الوضوح
أما عن احتمالات استئناف الحرب على إيران، فقد شدد بشارة على أن العالم يدنو من لحظة يكون فيها القرار إما تسوية أو حرب، “لأن الوضع القائم لا يمكن أن يستمر، وبالتالي نقترب من نهاية وضع انعدام الوضوح والسير على حافة الهاوية”. برأيه، فإن ما تريده أميركا هو إنجاز واضح يقول فيه ترامب للأميركيين إنه حقق الانتصار “ولو بنصف استسلام إيراني”.
من ناحية أخرى، “لا ثقة بتاتاً من الإيرانيين بواشنطن، لذلك فإنهم يريدون أمراً ملموساً مثل الإفراج عن الأموال المجمدة ورفع عقوبات ولو كانت رمزية أو مؤقتة، أو السماح بمرور ناقلات النفط الإيرانية في مضيق هرمز”، وهو ما يسميه بشارة بـ”خطوات لبناء الثقة”. واختصر الوضع بأن الطرفين الأميركي والإيراني يخاطبان رأيهما العام المحلي ولا يخاطبان أحدهما الآخر، و”هذه لعبة خطرة، لأنها إن استمرت من دون أن يبادر أحدهما بخطوة واضحة، يمكن أن تنفجر الحرب بعد الانتخابات الأميركية”.
يجب أن تضع القيادة الإيرانية هدفاً استراتيجياً رئيسياً هو ضمان رفع العقوبات مهما كانت التنازلات التي ستقدمها
وبالنسبة إلى دول الخليج، فإنها دفعت ثمناً باهظاً وستدفع أكثر في حال استؤنفت الحرب، بحسب توقعات بشارة، كذلك تضرر الاقتصاد العالمي جدياً من الحرب، وهذا كان الهدف الإيراني، وفق كلامه. وتوقف مطولاً عند عامل الخطأ في تقدير الموقف عند الإدارة الأميركية في المبالغة بالثقة في تقارير إسرائيلية عن إمكانية إسقاط النظام الإيراني، وخطأ مماثل عند المسؤولين في طهران الذين “إن كانوا فعلاً يصدقون أنهم انتصروا، فهذه مشكلة، لأنه لا يكفي عدم سقوط النظام الإيراني لتتحدث طهران عن انتصار”.
من هنا، اقترح بشارة أن على حكام طهران أن يضعوا لأنفسهم هدفاً استراتيجياً رئيسياً هو ضمان رفع العقوبات مهما كانت التنازلات التي سيقدمونها في المقابل، لأن الاستراتيجية الأميركية الحالية ضدهم اقتصادية. في المقابل، فإنّ طهران تبدو “أسيرة فكرة تكرار تجربة إسقاط (الرئيس الأميركي الأسبق جيمي) كارتر ومدّ الأزمة زمنياً لإسقاط الحزب الجمهوري في انتخابات الشهر المقبل، و”هذا قد يحصل، لكنه لن يُسقط ترامب”، بحسب تعبيره. ورداً على سؤال عن معلوماته بشأن اتصالات الوساطة القطرية، فقد كشف بشارة أنها متواصلة وهناك رسائل متبادلة و”قطر وسيط فاعل يقدم اقتراحات خاصة بالجدول الزمني، لكن لا شيء جوهرياً، وهناك انسداد”.
تكثفت اتصالات وساطة قطر بين أميركا وإيران ولكن هناك انسداد ولا تقدم جوهرياً
الحل لأزمة اليمن موجود
وقبل مناقشة انتخابات التجديد النصفي لمجلسي الكونغرس الأميركي، عرّجت مقابلة التلفزيون العربي على حرب اليمن، التي قال بشارة إنه “لا يمكن أن يخرج أمر جيد منها، وهو ما أظهرته الحروب الأهلية العربية التي تستغرق وقتاً أطول من أي حروب أهلية في مكان آخر”. وعاد بالذاكرة إلى أنه كان لدى اليمنيين بعد 2011 حوار وطني ومخرجات صدرت مطلع عام 2014، وقد انقلب عليها الحوثيون بالتحالف مع (الرئيس الراحل) علي عبد الله صالح، ومنذ ذلك الحدث، انهارت أوضاع اليمن. وكرر ما قاله على شاشة “العربي” سابقاً عن أن الحوثيين غير قادرين على حكم اليمن، ومن ناحية ثانية، لا يمكن حكم اليمن باستثنائهم لأنهم جزء عضوي من اليمن.
الحوثيون غير قادرين على حكم اليمن ولا يمكن استثناءهم والحل بالعودة إلى مخرجات الحوار الوطني
الانتخابات الأميركية
وعن قراءته للانتخابات الأميركية، توقع بشارة أن يخسر الحزب الجمهوري الأغلبية في مجلس النواب، وتبقى صورة النتائج غير واضحة في مجلس الشيوخ. هي انتخابات شاء ترامب أن يعتبرها استفتاءً على شخصه، وسيكون لديه، بحسب توقعات بشارة، “مخزون استراتيجي من النرجسية لكي لا يغير سياسته، حتى لو خسرها، وربما يصبح أكثر عدوانية إن فقد الأغلبية”، ولكن ستُفرض عليه قيود من قبل الكونغرس، وسيتم فتح قضايا تشغله عن إكمال مشاريعه الرئاسية للعامين المتبقيين من ولايته.
وبرأي بشارة، ستحصل في المستقبل ردة فعل أميركية قوية على مواقف ترامب العنيفة والوقحة في كل شأن، اجتماعي وسياسي وديني وأخلاقي، لأنّ هناك تغيراً عميقاً لا عابراً في الحزب الديمقراطي على جميع المستويات في وجه التحالف الطبقي الحاكم. حتى الفئات الإثنية في أميركا التي تميل نحو اليمين خوفاً من الهجرة، مثل اللاتينيين والعرب، يرى بشارة أن مزاجهم العام قد يتغيّر على ضوء تجاوز ترامب كل الخطوط الحمراء في التعاطي مع قضايا الأقليات الدينية والعرقية والسياسية. وختم مقابلته على التلفزيون العربي بتفاؤل من ظاهرة يساريي الحزب الديمقراطي الشباب أمثال المرشح عبد الرحمن السيد وعمدة نيويورك زهران ممداني، وهما من جيل “غير اعتذاري” على طريقة الرئيس الأسبق باراك أوباما، ويتصرفون انطلاقاً من تمسكهم بعلمانية البلد وبالاندماج على أساس المواطنة وبفخر بجذورهم.
المصدر: العربي الجديد






